العالم العربي يخوض حربه ضد الزواج المدني

العالم العربي يخوض حربه ضد الزواج المدني

باستثناء تونس، فإنّ كل الدول العربية لا تشرّع الزواج المدني. ويرفض رجال الدين العرب شرعنته تحت مسوّغات عدّة. لذلك، يطالب بعض العرب بإقراره في دولهم. فكيف تتعاطى المجتمعات العربية مع هذا المطلب؟

لبنان: زواج مدني في بلد الطوائف

تعود المطالبة بالزواج المدني وبإقرار قانون مدني للأحوال الشخصية في لبنان إلى ستينيات القرن المنصرم. وكانت ولا تزال وتيرة هذه القضية تعلو أو تخفت بحسب الظروف السياسية التي يمر بها البلد. وحديثاً عادت القضية إلى الواجهة.

وشهد العام 2013 تطوّراً لافتاً تمثل بعقد أول زواج مدني على الأراضي اللبنانية وتسجيله في الدوائر الرسميّة المعنيّة، وهذا ما شكّل انتصاراً للمطالبين به. استند هذا النوع من الزواج إلى قرار صادر في حقبة الانتداب الفرنسي ويتيح لمن لا طائفة له الزواج المدني. وعليه، شطب المتعاقدان الإشارة إلى مذهبيهما عن بيانات قيديهما بهدف تسهيل المهمة.

وراح مواطنون عدّة يشطبون الإشارة إلى مذاهبهم عن بيانات القيد لكي يتحولوا إلى مواطنين غير منتمين إلى الطوائف اللبنانية المعترف بها رسمياً، وهذا ما يتيح لهم حق الاستفادة من القرار المذكور. لكن المسألة ما زالت خاضعة للعديد من التأويلات والإشكاليات وحتى التجاذبات السياسية. فبينما قامت وزارة الداخلية في السابق بتسجيل بعض تلك الزيجات المدنية التي تُعقد أمام الكاتب العدل في الدوائر الرسمية، ها هي الآن تعرقل تسجيل حوالى 45 معاملة زواج مدني في دوائر النفوس، الأمر الذي اعتبره بعض الناشطين مخالفاً للقانون.

في المقلب الآخر، برزت حملة رافضة للزواج المدني. واعتبره البعض "قنبلة موقوتة" تؤسّس لحرب أهلية جديدة "وإن كان اختيارياً"، لأنه يضرب مبادئ الشريعة الإسلامية التي تقوم عليها عقود الزواج والطلاق للمسلمين. ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد، إذ اعتبرت بعض الجمعيّات الإسلامية أن "من يقبل بالزواج المدني هو مرتد عن الإسلام". وانسحب الرفض القاطع لهذا النوع من الزواج على الطوائف المسيحية التي تعتبر الزواج سرّاً من الأسرار الكنسية السبعة المقدسة.

انقسام الشارع اللبناني حول هذه المسألة تجلّى على "جبهات" مواقع التواصل الاجتماعي المؤيدة والمعارضة. فبينما يرى البعض أن قضية الزواج المدني محقة كونه حقاً من حقوق الاختيار للجميع، وكون بعض الطوائف لا تبيح الزيجات المختلطة من دون إقدام أحد الطرفين على اعتناق دين الطرف الآخر، يرى آخرون أنه يشبه "الدعارة المدنية"، وبالتالي يدعون إلى عدم إقرار "قانون الزنا المدني".

مصر: سجال بين الأقباط

تختلف طبيعة المطالبة بالزواج المدني في مصر عن بقية الدول العربية، إذ إنها تصدر بشكل أساسي عن الأقباط الذين يعانون في ما يخص الطلاق والزواج مرة ثانية. وكانت وزارة العدالة الانتقالية قد وضعت مسودة لمشروع قانون للأحوال الشخصية لغير المسلمين تضمّن فقرة تتعلّق بالزواج المدني، وهذا ما أثار جدلاً كبيراً بين الكنائس توصّلت بموجبه إلى إجماع على رفضه، علماً أن الكنيسة الإنجيلية لم تعترض عليه في السابق.

وترفض الجمعيات والحركات المطالبة بإقرار الزواج المدني، الوصاية التي تمارسها الكنيسة على الأقباط، مصادرةً بذلك حريتهم في تقرير مصائرهم. وقد اعتبر منسّق التيّار العلماني القبطي كمال زاخر أنّ "الزواج شأن مجتمعي وليس كنسياً"، مشدّداً على أن "مشروع القانون" يقدّم حلولاً للزواج ويساهم في صنع ثقب في الدولة الدينية".

أما جمعية "الحق في الحياة" فقد ناشدت الدولة القيام بدورها السيادي لفرض "مشروع القانون"، لا سيّما الشق المتعلق بالزواج المدني من دون تعديل. كذلك دعت رابطة "صرخة" إلى تفويض الرئيس المصري عبد الفتاح السيسى العمل على وضع قانون مدني للأحوال الشخصية خاص بالأقباط وإبعادهم عن سطوة الكنيسة.

في المقابل اعترضت "رابطة حماة الإيمان" على الزواج المدني، واعتبر الناطق باسمها مينا أسعد أنه مخالف لتعاليم المسيحية، مثنياً على التعديلات التي قدّمتها الكنائس لمسودة قانون الأحوال الشخصية للأقباط والتي حذفت البند المتعلق بالزواج المدني.

كذلك تحفظت "رابطة أقباط 38" على الزواج المدني علماً أنها من المطالبين بالإصلاحات داخل الكنيسة لجهة العمل مجدداً "بلائحة 1938" التي كانت تضم نحو ثمانية أسباب للطلاق قبل أن يقوم البابا شنودة بإلغائها، على اعتبار أنها مخالفة لتعاليم الإنجيل وأن من وضعها هم ''العلمانيون''. واشترط البابا شنودة للتصريح بالزواج الثاني إحدى علّتي الزنا أو تغيير الديانة. لكن اعتراض "أقباط 38" على الزواج المدني مرده أيضاً إلى حصره فقط بالأقباط، الأمر الذي سيبقي على تحكّم الكنيسة فيه بحكم الدستور.

وتجدر الإشارة إلى أنّ مطالبة المصريين بالزواج المدني لا تقتصر على المسيحيين فقط، إذ طالبت أمين عام المجلس القومي للمرأة السفيرة ميرفت التلاوي بوقف إجراء عقود الزواج والطلاق على يد المأذون الشرعي واستبداله بالمحكمة، الأمر الذي لاقى ترحيباً من قبل بعض الجمعيات المدنية واعتراضات من قبل الأزهر. هذا وتغص مواقع التواصل الاجتماعي المصرية بالصفحات المطالبة بالزواج المدني، وهو ما يطالب به "اللادينيون" والملحدون أيضاً.

الجزائر: الزواج المدني الديني

يعتبر الزواج في الجزائر مدنياً إلى حد بعيد، فهو عبارة عن عقد مدني يوقّع لدى ضابطة الحالة المدنية في البلدية، ويستطيع الزوجان تحديد بعض شروطه، لكن يسبقه العقد الشرعي الذي يُعرف تاريخياً بالفاتحة وتتمّ بحضور رجل الدين.

وكانت وزارة الشؤون الدينية والأوقاف الجزائرية قد أصدرت قراراً قضى بتسجيل عقد الزواج المدني قبل العقد الشرعي، وذلك للحد من مشكلات الزواج العرفي، وهذا ما أثار جدلاً واسعاً. فقد عدّته جمعية علماء المسلمين الجزائريين أمراً "منكراً"، في حين عدّه الناشطون في مجال حقوق الإنسان ضمانة لحقوق المرأة.

وكانت الجزائر تسير على خطى التجربة التونسية في قانونها المدني، لا سيّما أن تعديلات اقترحت على قانون الأسرة، في منتصف العقد الفائت، كانت قد نصّت على منع تعدّد الزوجات، حتى لو وافقت الزوجة الأولى عليه، ومنح المرأة الحق في تزويج نفسها من دون موافقة ولي أمرها. حينذاك، أثارت التعديلات المقترحة سخط الإسلاميين، علماً أنها لم ترضِ  طموح الليبراليين.

ومع تعديل العام 2005، أتت النتيجة مخيّبة لآمال الطرفين، وجاءت عبارة عن توليفة للتوفيق بين بعض الطروحات المتباينة. فمن ناحية سُمح بتعدّد الزوجات على أن يتّم ذلك بعد إخبار الزوجة وأخذ موافقتها على الزواج الثاني، ومن ناحية ثانية أُبقي على شرط حضور ولي أمر المرأة، هذا بالإضافة إلى الإبقاء على فقرة منع المسلمة من الزواج بغير المسلم.

القيود التي وضعها المشرّع الجزائري أمام تعدّد الزوجات أحدثت بلبلة في الشارع الجزائري، إذ اعتبر البعض أنّ نتيجته كانت إقبال كثر على الزواج العرفي المخالف للقانون. كما عَلت أصوات بعض الإسلاميين المطالبة بحق تعدّد الزوجات من دون قيود قانونية. وهذا ما أقدمت عليه رئيسة حزب العدل والبيان نعيمة صالحي، مطلقةً حملات تنادي بـ"مثنى وثلاث ورباع"، ومنتقدة قانون الأسرة المعدّل.

في المقابل، انتقد رئيس حزب "جبهة الشباب الديموقراطي للمواطنة" أحمد قوراية تصريحات صالحي قائلاً: "لا توجد امرأة تقبل أن تشارك أخرى زوجها، إلا إذا كانت مريضة نفسياً أو عاجزة بدنياً أو يائسة في حياتها". أما المدافعة عن حقوق المرأة وأستاذة علم الاجتماع نصيرة مراح فقد ردّت على صالحي في مناظرة تلفزيونية وقالت إن تعدد الزوجات أكبر إهانة للمرأة وعبارة عن عنف ممارس ضدها.

تونس: جدل من نوع آخر

تجربة تونس مع الزواج المدني تعود إلى العام 1956 حين أقر الزعيم التونسي الحبيب بورقيبة إصلاحاته الشهيرة. وتنص "مجلة الأحوال الشخصية" على منع تعدّد الزوجات ومنع أي صيغة زواج خارج "الزواج المدني"، الذي يعقد في البلديات أو لدى مساعدي القضاء. هذا عدا المساواة التامة بين الجنسين وحق المرأة الراشدة في تزويج نفسها من دون الحاجة إلى وصيّ عليها.

لكن الجدل في الساحة التونسية يختلف عن بقية الدول العربية، إذ تنقسم الآراء بين مَن يريد القطع مع النظام القديم وتطبيق الشريعة الإسلامية، ومن يريد المضي بما هو معمول به من دون المساس بجوهره. فبعد "الربيع العربي" وتعاظم قوّة التيارات الإسلامية، تصاعدت الأصوات المطالبة بتعدّد الزوجات تحت مسوغات عدّة. فرئيس "جمعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" عادل العلمي، الذي ترشح في الانتخابات الرئاسية السابقة، دعا للعودة إلى أصول القرآن والسُنّة معتبراً أن "منع تعدّد الزوجات شذوذ في التفكير وتجنّ على أحكام المولى عز وجلّ".

وكانت دعوة "أنصار الشريعة" السلفية إلى إباحة تعدد الزوجات قد أثارت ردود فعل قوية، إذ اعتبرالبعض أنها تدعو للتراجع عن المكتسبات التاريخية للمرأة التونسية. بينما أيّدها بعض آخر، إذ أعلنت أول مرشّحة منقّبة في تاريخ الانتخابات البرلمانية التونسية عن "جبهة الإصلاح التونسي" السلفية، ربيعة السماعلي، أنها لا تستطيع "تحريم الحلال"، وأن مسألة تعدد الزوجات "تدخل ضمن قسم المباح".

بيد أن التحايل على إصلاحات بورقيبة في تونس أخذ أبعاداً اجتماعية، إذ اعتبر البعض أنّ السماح بتعدد الزوجات هو الحل لمشكلة العنوسة المتفاقمة. أما الرد الحكومي فأتى حاسماً، عندما أعلن وزير الشؤون الدينية التونسي منير التليلي أن لا عودة إلى الوراء، مشدّداً على احترام ما ينص عليه قانون الأحوال الشخصية.

تم نشر المقال على الموقع بتاريخ 03.03.2015

التعليقات

المقال التالي