فلسطينيو الداخل يهربون من واقعهم إلى مساحات أمان خاصة

فلسطينيو الداخل يهربون من واقعهم إلى مساحات أمان خاصة

في ليلة من ليالي حيفا، كنّا نجلس في إحدى حاناتنا المفضلة، في منطقة يسكنها الكثير من الشباب الفلسطينيين الذين أتوا إلى المدينة بهدف الدراسة أو العمل، وعاشوا فيها، مؤقتاً أو على نحو دائم. كانت هذه السهرة قبل بضع سنوات، لا أتذكر تحديداً متى جرت.

كنا مجموعة من الأصدقاء نتحدث عن مواضيع عدة، منها التواصل مع الفلسطينيين في الشتات. فجأة، وضمن القائمة الموسيقية التي شغّلها صاحب الحانة، خرجت أغنية "هلا لا لا لا ليّا" بصوت الفنانة الفلسطينية اللاجئة في مدينة صيدا اللبنانية، أمل كعوش. توقفنا عن الحديث، وقال أحد أصدقائي: "إنت فاهمة؟ عم نحكي عن أمل كعوش ومنسمعها تغني وإحنا بحيفا. وعَ الطاولة اللي حدينا، قاعد شاب من غزة. وهُناك شاب من جنين. على فكرة، مخطط إسرائيل فشل".

اعلان


أوقفت الأغنية محادثتنا. كان المشهد كله يستحق التأمل. صادفت هذه الجلسة بداية عصر التواصل عبر الإنترنت، وخصوصاً عبر موقع فيسبوك. أتاح هذا الفضاء للناس أن يكونوا قريبين بعضهم من بعض برغم الحدود والحواجز وصعوبات التنقل، في ظل أوضاع جيوسياسية معقدة.

قبل ذلك، لم يكن ممكناً لأغنية بصوت فنانة لاجئة أن تصل بسهولة. وكأن الأغنية تُحضر صاحبتها، فجأة، إلى مكانها الممنوعة من الوصول إليه. كان هذا المشهد دليلاً على أننا قادرون على إيجاد مساحة أمان لنا، نخلق فيها فلسطيننا برغم الاحتلال. نختار أصدقاءنا في بلدنا، والحانات التي تشبهنا، والناس، والموسيقى، والحضور الفلسطيني والعربي البعيد والقريب.


ربما كانت مساحات الأمان هذه مؤقتة، وربما لا يشعر بها العديد من الشباب الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1948. لكنها حاضرة، سواءً بقصة كالتي سردتها الآن، أو بتفاصيل حياتية خاصة أو عامة في الجامعة والحركات الطلابية، والحراكات السياسية والثقافية والاجتماعية، والمحطات النضالية المتعددة مع الأصدقاء، أو برحلة إلى جبال الجليل، أو بمحادثة عبر سكايب مع صديق سوري يطلب أن يرى بيتك في يافا عبر الكاميرا، أو بالمشي في شوارع بلدتك صباحاً وأنت تشهد على أصوات جيرانك يدعون بعضهم بعضاً لشرب فنجان قهوة، أو في طريقك إلى العمل مشياً وانت تستمع لأغنية "تحت الياسمينة في الليل" آتية من أحد المنازل.

 

44365_10151233918956790_731129205_n تصوير محمد بدارنة

للشباب الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1948، آراؤهم وتفسيراتهم وتعريفاتهم الخاصة لمساحات الأمان، المجازية والفعلية، في ظل الحياة داخل دولة إسرائيل. عند سؤالهم عن "الأمان"، يأخذ كل منهم السؤال إلى تفسيره وتعريفه الخاصين به، وإلى التفاصيل التي تشكل بالنسبة له مساحات يمارس فيها حياته وأفكاره وآماله، أو لا يمارسها.

ميناء عكا

سُعاد شابة من عكا، تؤكد أن البحث عن مساحات أمان ليس سهلاً. لكن حين تفكر في الأمر، تذهب روحها نحو عكا، مدينة أمانها، خاصة المدينة القديمة، حيث تعتبر أن وجودها فيها وبين زواريبها وحاراتها هو انقطاع تام عن الواقع الذي تعيشه. وتضيف: "مساحة الأمان تتجسد أيضاً بعد دوام العمل، بين الأصحاب الذين اختارهم ويمثلون آرائي وأفكاري، في الأماكن التي اختار الجلوس فيها، سواء في حيفا أوعكا. حتى لو اخترنا مرة الجلوس في مقهى إسرائيلي، تكون مجموعة الأصدقاء الذين نجالسهم هم مساحة الأمان".

تعتبر سعاد أن أكثر الأماكن التي تُشعرها بفلسطين هي عكا. ترى أن هذه المدينة مختلفة عن كل المدن الفلسطينية، تقول: "هي المدينة الوحيدة التي استطاعت أن تُحافظ على هويتها منذ النكبة إلى يومنا هذا، برغم المخطط المستمر لتدمير هويتها. الحفاظ على الهوية هو جزء من هوية العكيين ومدينتهم، وشوارعها، وأسماء الأحياء. كأن كل هذه التفاصيل تُخرج عكا من سياق الحاضر".

69605_10151234069151790_1628914863_n

تصوير محمد بدارنة

لغتي هويتي

رلى جريس، 22 عاماً من الجليل، تتحدث عن حياتها في الداخل. تطرقت إلى ردود فعلٍ إسرائيلية تجاه وجودها كفلسطينية وتجاه لغتها العربية. في إجابتها عن سؤال "الأمان"، بدأت حديثها بذكر السؤال الذي يوجَّهه إسرائيليون أحياناً إليها: "لا تنوين تفجير نفسك هنا، صحيح؟"، وأضافت: "لستُ الوحيدة التي تُسأل هذا السؤال. يُمكن توجيهه لأي شخص فقط لكونه يتكلم اللغة العربية في مكان عام، وسط حشد من المستعمرين. الحق في الحياة الآمنة والكريمة يُمنح للإنسان فور ولادته، ومن الطبيعي أن تعمل حكومات الدول المختلفة، وخاصة أجهزتها الأمنية، على توفيره للمواطنين. لكن، ماذا إذا كانت المؤسسات التي تحمي هذا الحق هي ذاتها مَن ينتزعه؟ وماذا إذا كانت جزءاً من بنية دولة الاحتلال البوليسية الاستعمارية؟".

في رأي رلى، تعمل الأجهزة الإسرائيلية على تأمين الحق بالحياة للمستعمرين فقط، "فبات مصطلح الأمان مبهماً وغير معرّف بالنسبة لغالبية الشعب الفلسطيني، كما أنه بالنسبة للبعض صعب المنال. لا يمكن أن يجتمع الأمان مع الاحتلال. أضحى هذا هو الوضع الطبيعي، ولا يمكن أن نستهجن ذلك ما دام هناك شعب يواجه شتى أنواع التضييقات بشكل يومي، من مصادرة الأراضي إلى هدم البيوت، ويواجه أيضاً سياسات التهويد والترحيل القسري والتغريب".

الأمان في مكان آخر

يرى الفنان الفلسطيني وسيم خير، أن "حياتنا، كشباب فلسطينيين، في الداخل أشبه بأرجوحة، لأنها تغير اتجاهاتها كل الوقت، وتتسم بحالة من عدم الاستقرار والاستقلالية، مع ما في ذلك من صعوبة". ويعتبر أن الاحتلال "يعمل على تضييق المساحات الفلسطينية، سواء مساحات العمل أو الثقافة أو المؤسسات. بكلمتين لا وجود لأي أمان".

ويضيف: "الصدام اليومي والمباشر مع الاحتلال، يفرض علينا عدم الشعور بالأمان. وهذا تماماً عكس حالتنا حين نكون في بيئة عربية كاملة. على سبيل المثال، حين أسافر إلى بيروت أو تونس أو المغرب أو الجزائر أو أي بلد عربي آخر، وبرغم الظروف السياسية والحياتية الصعبة، أشعر بالأمان أكثر. على الأقل، كل ما هو حولك عربي، مكتوب بالعربية. تشعر بانتماء كامل. هذا بالإضافة إلى الاحتضان الذي يمنحونك إياه. ربما ليست الأنظمة، لكن الشعوب العربية كفيلة بأن تمنحك هذا الشعور وأن تُشعرنا بأننا جزء منها".

426379_10151233956156790_1106084601_n

تصوير محمد بدارنة

ويتطرق خير إلى الشباب الفلسطيني: "عليه عدم الانتظار أو اللعب في المساحة التي يفرضها عليه الاحتلال، إنما عليه أن يعمل جاهداً لخلق أطر ومساحات بديلة، منها محلية، ومنها تلك التي تفتح قناة تواصل شرعي وطبيعي، دون خوف، مع المحيط العربي". ويختم: "على الشباب الفلسطيني أيضاً أن يخلق أساليب وأدوات للاستمرار والتطور في ظل وجود الاحتلال، وعدم الانصياع للخطوط والأشكال الهندسية التي يفرضها عليه، والأهم هو البحث عن البدائل".

معظم القصص التي نسمعها تؤكد أن "ما من أمان في ظل هذا الواقع، وعلينا البحث عن أماننا الخاص والمؤقت، إلى أن يتغير واقعنا".

رشا حلوة

صحافيّة فلسطينيّة متخصّصة في الصحافة الثّقافيّة، علم الاجتماع وعلوم الإنسان. وتعمل في مجال الإدارة الثّقافيّة ومدرّبة في مجال الإعلام الرقميّ.

كلمات مفتاحية
فلسطين

التعليقات

المقال التالي