هل دخلنا زمن "تبييض الأخبار"؟

هل دخلنا زمن "تبييض الأخبار"؟
"اتجاهات جديدة" هو العنوان الذي اختاره منتدى الإعلام العربي في دورته الـ14 التي انعقدت يومي 12 و13 من الشهر الجاري في دبي. وحضره حشد من الإعلاميين والمهنيين ورجال السياسة والفن والطلاب الذين يعتبرون هذه الفعالية مساحة لتبادل الخبرات والدردشة حول أبرز التطورات التي تشمل القطاع الإعلامي.

في كلمة الافتتاح، اعتبرت منى غانم المرّي، رئيسة اللجنة التنظيمية لمنتدى الإعلام العربي ورئيسة نادي دبي للصحافة،  أنّ نهج الإمارات العربية المتحدة قائم على التفاؤل والأمل لتحفيز الطاقات ودفع سقف الإنجاز إلى مستويات عالية على غرار إطلاق مشروع استكشاف المريخ، "مسبار الأمل". ورأت أنّ هذا النهج كان مصدر وحي شعار الدورة الحالية من دون أن تغفل التحديات التي تتفاقم يومياً لتضع الإعلاميين أمام مسؤولية كبيرة تتطلّب التحرك بسرعة ووعياً لإيجاد حلول فعّالة تنهض بالقطاع الإعلامي.

تتالت الحلقات النقاشية التي عالجت العديد من المحاور كـ"صورة الإسلام والمسلمين" و"الإعلام العربي 2015: وجهة نظر خليجية" و"الإعلام والتعصّب الرياضي" و"عاصفة الحزم" وغيرها من المحاور من دون أن ننسى أن المنتدى استحدث أسلوباً تنظيمياً جديداً وأطلق "جلسات 20 دقيقة" حول مواضيع محددة تناولها متحدثون مشهورون، بالإضافة إلى ورش عمل نظّمها "فيسبوك" و"رويترز" و"وكالة فرانس بريس".

اتجاهات جديدة

اتّفق معظم المتحدثين على أننا دخلنا مرحلة التغييرات والانقلابات التي لم تُحدد معالمها بعد، وتنعكس على القطاع الإعلامي وتغطياته وتعامله مع الأحداث المتسارعة، مرحلة وصفتها د. ابتسام الكتبي، رئيسة مركز الإمارات للسياسات بأنها "مرحلة السيول" لأن لا شيء ثابت.

ولا شك أن هذه المرحلة المتقلّبة الجديدة ناتجة من أزمات عدة تهز المنطقة العربية. إذ اعتبر د. فواز جرجس، أستاذ دراسات الشرق الأوسط في كلية لندن للاقتصاد أنّنا نواجه "أزمة بنيوية" Organic crisis في الشرق الأوسط بسبب تراكم الفشل على مدى أربعة قرون، فشل على مختلف الأصعدة، التنموية والمؤسساتية والاجتماعية والسياسية، مما يضعنا أمام مرحلة تاريخية بامتياز وصراع جذري بين أنظمة الماضي وأشباحها والأنظمة الجديدة.
والأمر نفسه أكدّه “نارت بوران”، المدير العام لقناة "سكاي نيوز عربية" قائلاً: "لدينا شعور أننا في مرحلة مصيرية منذ سنوات لأننا لم نرَ هذا الكم من الحرائق. ولا بدّ أن ندرك طريقة تعاملنا مع هذه الحرائق.
وأضاف د.جرجس أن العالم العربي يواجه أيضاً أزمة أخلاقية، ولا بدّ من ألا نخلط بين تعددية الإعلام ومهنيته لا سيما أنّ أحداً من الجمهور لم يعد يُفاجأ من تغطية أي من القنوات العربية لأنّها باتت تصبّ الزيت على النار وتحشد الجماهير وتدخل في "حرب تغطيات" Wars of narratives.

حشد الجماهير ومشكلة الحياد والموضوعية​​

لفتت د.الكتبي إلى أنّ وسائل الإعلام "التقليدية" في المنطقة "فاتها القطار" لأنّ العالم يشهد ثورة رقمية وتكنولوجية و"بات كلّ فرد بجهازه الصغير إعلاماً متنقّلاً". وخلصت إلى أنّ مئات الفضائيات وآلاف الحسابات على شبكات التواصل الاجتماعي تضطلع اليوم بدور في تأجيج الصراعات الطائفية والأزمات، صراعات طائفية، رأى د.جرجس أنّها "تغلّف صراعات اجتماعية وسباقاً إلى السلطة".
وفي إشارة إلى انحياز القنوات العربية، قال نبيل الخطيب، رئيس تحرير قناة "العربية" إن نّ 65% من الجمهور يعتبرون وسائل الإعلام منحازة. وضرب مثالاً على ذلك بالكمّ الهائل من الفضائيات العراقية التي تنقل ما يحصل في العراق، إلا أنّ كل طائفة تلجأ إلى وسيلتها الإعلامية لتلقّي الخبر.
وأكّد بوران أن الحياد والموضوعية أمران نسبيان لا سيما أن القنوات في العالم العربي أشبه بأحزاب سياسية. إلا أنّه شدّد على أنّ "بعض الأمور لا يمكن للإعلام أن يكون حيادياً حيالها كقضية "شارلي هيبدو" والقضية الفلسطينية والموقف من تنظيم داعش". وأشار الخطيب إلى أنّ الناس يريدون أن يعرفوا ما يجري بغض النظر عن موقف وسائل الإعلام، لافتاً إلى أنّ البعض برّر على سبيل المثال أحداث صحيفة "شارلي هيبدو" الفرنسية أو حرق الطيار الأردني من قبل "داعش". علماً أن مهمة غرف الأخبار التي تنهال عليها الأنباء والصور من كل حدب وصوب، تكمن في تقديم الخبر بسرعة، ولكن بعد أن تميّز بين الحدث والشعور الشخصي بالإهانة. ففي نهاية المطاف، "نحن، كوسائل إعلام، لسنا الحكم، بل نحن هنا لنقل الصورة".
وهنا تكمن أهمية الصحافيين في التمييز بين الكمّ الهائل من الأخبار والابتعاد قدر الإمكان عما وصفه بوران "تبييض الأخبار". بالنسبة له، يعبّر هذا المصطلح عن الخبر الذي يبدأ بإشاعة عن طريق موقع أو شخص معروف، فتتناقله مواقع التواصل الاجتماعي لتذيعه القنوات التي تُعدّ "محترمة" ثم يتحوّل إلى حقيقة.
ويبقى الحل في تغيير المفاهيم وإحداث ثورة علمية ووعي جماعي لدى الجمهور والصحافيين في آن واحد. إلا أنّ الطريق ما زالت طويلة، وإن لا يزال العديد من المتحدثين يتحلّون بالكثير من التفاؤل في أن يبقى الصحافي ناقلاً للحدث متمتّعاً بالمناعة الكافية لتأدية دوره المهني، لا لاهثاً وراء مطامعه أو ملبيّاً أجندات سياسية مختلفة.

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيداً عن التجاذبات السياسية القائمة.

كلمات مفتاحية
الإعلام دبي

التعليقات

المقال التالي