أين يقف الملحدون اليوم من المجتمع السوري؟

أين يقف الملحدون اليوم من المجتمع السوري؟

في خطبته الأولى من الدوحة بعد مغادرة الأراضي السورية بأسبوعٍ واحد، قال شيخ جامع الحسن في حي الميدان كريم راجح: "على الملاحدة والعلمانيين وما شاكل ذلك أن يعودوا إلى رشدهم"، هذه الكلمات فتحت الباب واسعاً لانتقادات صادرة عن الفئتين المذكورتين، محذرةً من بدء خطابٍ إقصائي علني للقوى الإسلامية والمحافظة في البلاد. وعليه، لا بد من السؤال أين يقف الملحدون اليوم من المجتمع السوري؟ وهل يمكن أن يحصلوا على المزيد من القبول - المحدود أصلاً - في البلد الذي يشهد استقطاباً مستمراً للقوى الدينية المتطرفة؟

الملحد الإلكتروني

معظم نشاط اللادينيين السوريين - وباعتراف الكثيرين منهم - ينحصر في عالم الإنترنت. طوني آثي (اسم مستعار) ناشط لاديني سوري يرى أن التجمعات الإلكترونية تلعب دوراً مهماً لإيجاد سبل التعارف بين اللادينيين على اعتبار أنهم أقلية عددية نسبياً، مرجعاً حصر معظم النقاشات والنشاط بالإنترنت لكون حق التعبير عن الرأي والأفكار أمر غير مقبول في بلداننا. يقول: "التخوف في الوقت الحالي هو من استخدام الملحدين ورقةٓ ضغط إعلامياً، لتقديم شهادة براءة أو أسلمة".

لا يرى طوني في تلك التجمعات مجرد فسحات للتنفيس عن الكبت الديني كما يشاع عنها، فغالبيتها حسب قوله "تحولت مشاريع ذات طابع تنويري بشكل أو بآخر". ومن أكبر هذه التجمعات التي يتحدث عنها، مجموعة "الشبكة الخاصة بالملحدين واللادينيين السوريين" السرية، التي كانت لها صفحة رسمية على أحد مواقع التواصل الاجتماعي، أُغلقت بسبب عدد التقارير التي قدمت بحقها. ولكن طوني يجد أن استمرار الشبكة خمس سنوات برغم كل الانقسامات التي أصابت المجتمع السوري، إنجاز يستحق الذكر.

أنا أفكر

"أنا أفكر" هي الترجمة لاسم مجلة "I Think" التي أنشأها شباب سوريون. يعدّها الكثيرون أول مجلة ناطقة باسم الملحدين باللغة العربية، ويتابعها على موقع فيسبوك أكثر من خمسين ألفاً. رئيس تحريرها - منذ 11 نوفمبر 2011 تاريخ صدور العدد الأول من المجلة - أيمن غوجل يقول: "المنابر الإلكترونية للملحدين ليست عديمة الفائدة. فمنابر التصحيح الإلحادي أثرت وتؤثر، محدثةً تغييراً ولو طفيفاً. ذلك أن موقف الأديان اليوم مختلف عما سبق، فالاتجاه السائد لدى المتدينين هو الدفاع ورد الشكل الدموي عن أديانهم"، معتبراً أن ذلك في ذاته إنجاز، إذ لم يعد "القتل بسبب الدين يحظى بترحيب الناس".

أما عن وضع مجلة "آي ثينك"، فيرى غوجل أن المجلة استطاعت أن تحقق انتشاراً واسعاً، وتستمر نحو أربع سنوات حتى الآن، علماً أن أفراد أسرة تحريرها يعملون بشكل طوعي، وينشرون أعدادها إلكترونياً، وهذا ما يوفر الكثير من التكاليف. يقول غوجل: "المجلة رفضت أكثر من عرض تمويل لأنه كان غالباً يترافق مع شروط تخفيف اللهجة الحادة. وهذا ما أسميه فرض رقابة علينا، ففضاء أي ثينك يجب أن يظل حراً".

خنوع لا اقتناع

ينشر طوني آراءه في بضع مجموعات خاصة بالملحدين واللادينيين، إضافة إلى صفحات يديرها هو مستخدماً هذا الاسم الوهمي، برغم معرفة الكثيرين ممن يتابعونه بهويته الحقيقة. وهو يرى أن الضغط الذي يتعرض له الملحد في سوريا يختلف باختلاف "درجة التزام العائلة دينياً، ومدى ارتباطها بمحيطها الاجتماعي"، ويختلف رد الفعل على إعلان السوري لادينيته باختلاف بيئته، هذا الضغط الذي يجد فيه رادعاً اجتماعياً أكثر منه دينياً، "فالخروج العلني عن العقيدة أصبح بمنزلة إعلان خروج عن الجماعة، والمطلوب هو الخنوع للطائفة".

أما غوجل الذي كان مقيماً في سوريا عند إطلاق العدد الأول من "آي ثينك"، فينشر باسمه الصريح منذ البداية، ويتسبب ذلك "بتهديدات بالقتل والأذى تكاد تكون يومية" وفقاً لتعبيره، مؤكداً أن المتاعب لا تتوقف بسبب عدم تخفيه وراء اسمٍ مستعار، إذ تعرض لمضايقات في مختلف أماكن إقامته، سواء في سوريا أم في مصر أم في تركيا، وخصوصاً تركيا "حيث هجم شبان سوريون على بيتي في أكثر من مناسبة". وفي حين يشاع في الأوساط المختلفة أن لادينية الشخص أو ابتعاده عن المظاهر ينأيان به عن المتاعب مع السلطات السورية وغيرها من السلطات في دول اللجوء. يقول إنه لم يسمع "بملاحقات قانونية" بسبب الإلحاد، ولكنه يضيف أن حالة الابتعاد الفكري عن الدين كثيراً ما "تترافق مع حالة رفض للديكتاتوريات، خاصة إذا كان ارتباطها بالدين وثيقاً، وهذا مصدر المتاعب للملحدين بغض النظر عن أفكارهم اللادينية".

ما رأي القانون؟

تؤكد المحامية السورية رهادة عبدوش أن ليس هنالك قوانين في سوريا تجرّم الإلحاد، بل هنالك "قوانين تحرم المساس بعقائد الآخرين". وتقول: "إعلان السوري إلحاده لا يرتب عليه مسؤولية قانونية، ولكن في الوقت نفسه لا يحمل أي قيمة قانونية، إذ لا يمكن أن يلغي خانة الدين من السجلات المدنية مثلاً أو عقد قرانه دون زواجٍ ديني.  فالسوري - وإن كان لا دينياً - لا يُعترف بحقوقه وواجباته إلا من منطلق ديني"، علماً أن سوريا، كمعظم الدول العربية ذات الأغلبية المسلمة، تحفظت في اتفاقية حقوق الطفل على بند يتعلق باختيار الطفل لدينه، كما تحفظت على عدد من مواد اتفاقية إزالة أشكال التمييز ضد المرأة لمخالفتها الشريعة الإسلامية".

يُذكر أن موقع Atheist Census، التابع "لتحالف الملحدين الدولي" Atheist Alliance International، كشف أن ما يقارب الألف من مدخلاته جاءت من سوريا (مقارنة بحوالي أربعة آلاف من بولندا مثلاً)، في إطار الإحصاء الإلكتروني الذي يحاول الموقع إجراءه لأعداد الملحدين في شتى دول العالم. وقد أكد معظم الملحدين السوريين أن الأرقام أكثر من ذلك، وأن الكبت الاجتماعي والعائلي، وأحياناً قلة نشاط الملحد، يحولان دون معرفة تلك الأرقام بدقة. ويلفت بعضهم إلى أن رد الفعل الطبيعي على التطرف الديني، الذي يظهر بأقصى أشكاله في سوريا، هو الابتعاد عن التدين، والانحياز إلى فئة اللادينيين.

مناف زيتون

كاتب ومدون وصحفي سوري.

كلمات مفتاحية
سوريا

التعليقات

المقال التالي