في ضيافة لصوص سيّارتك

في ضيافة لصوص سيّارتك

بعد دقائق معدودة من سرقة سيارتك، ستتلقّى اتصالاً من رقم هاتفي مكشوف، يُقدّم فيه المتصل نفسه بهوية سمسار ويضعك مباشرة أمام خيارين: "فداء" (دفع فدية) سيارتك بربع ثمنها، أو خسارة سيارتك، دون أن يسعفك تقديمك لشكوى أمنية بحق حادثة السرقة في شيء. أهلاً بكم في  الأردن.

إذا لم تثمر الاتصالات بينك وبين السارق لاسترجاع سيارتك، ستطلب طبعاً نصيحة أهل الخبرة لتسألهم عن أي من المناطق الساخنة أو المحظورة تقصد من أجل العثور على مركبتك بين مركبات مسروقة كثيرة. يُطلق الأردنيون على مناطق بأجملها جنوبي العاصمة عمان وغربها اسم "المناطق السوداء" التي باتت معروفة للجميع بأنها تضم عشرات المطلوبين أمنياً، في غياب كلي لهيبة القانون.

ينظر الأردنيون إلى هذه المناطق على أنّها عصية على رجال الأمن العام وأجهزة مكافحة المخدرات، وتجري فيها الكثير من الأعمال غير المشروعة، منها زراعة المخدرات بمختلف أنواعها والاتجار بها إلى جانب سرقة السيارات.

عندما تسمع عن الوسائل التي تعتمد في سرقة السيارت وإحضارها إلى تلك المناطق، يُخيّل إليك أنّ هذه الأعمال تجري في سياق "مؤسساتي"، إذ تُخصّص مناطق معنية بأنواع محددة من السيارات، على غرار مناطق جنوب العاصمة. ويدور جدل حول كونها مناطق نفوذ عشائري مثل اللبن، وسحاب، والموقر، وأم البساتين، إضافة إلى منطقة "الشلالة" قرب مدينة العقبة، ومنطقة الجفر في الجنوب وأخرى في الشمال ومنطقة "الزعتري" شرقي محافظة المفرق، ومنطقة البادية الشمالية الشرقية والأزرق والعمري (الطريق الحدودي بين السعودية والأردن)، وبعض منطقة الأغوار.

تعرّض سالم خليل إلى سرقة مركبته فاضطر لـدفع فدية للّصوص برغم تقديمه شكوى لدى أحد المراكز الأمنية. فوجئ خليل باتصال هاتفي من مجهول يعرف اسمه كاملاً. "بدأ المتصل بمساومتي على فدية مركبتي ثم زارني في منزلي بعد ساعات من الاتصال". "زيارة" انتهت بدفع خليل قرابة 1000 دينار أردني (1300 دولار) للسمسار قبل تسليمه مفتاح مركبته التي تقدّر بـ6000 آلاف دينار أردني (7800 دولار). فوجدها بحاجة إلى صيانة بضعفَيْ المبلغ المدفوع فضلاً عن وجود بقايا قطع من الحشيش داخلها.

في سرده لتفاصيل حادثة السرقة، يتوقّف خليل عند شواهد مقلقة. يقول: "معرفة هؤلاء اللصوص برقم هاتفي وعنوان منزلي يرتقي بالجريمة إلى درجة عالية من التكتيك". تساؤل يطرح أكثر من علامة استفهام حول طبيعة عمل هؤلاء اللصوص، لا سيما عمن يزودهم بالبيانات الخاصة بالمشتكي، وعن كيفية اختيارهم للضحية، بشكل يضمنون فيه عدم امتلاكها مسالك أمنية أو سياسية قد تصعّب عليهم النجاة بفعلتهم.

حساسية أمنية

تتعامل الجهات الأمنية مع القصص التي يسردها العشرات من المواطنين عن تجاربهم مع "فداء" سياراتهم بالكثير من الحساسية، لاسيما أنّها تتعلّق بشقَين، أمني وسياحي.

في ما يتعلق بالشق الأمني،  تكاد المناطق التي تنطلق منها هذه السرقات تكون محظورة على الجهات الأمنية، أما في ما يتعلق بالسياحة، فمن شأن الحديث عن انتشار هذه الظاهرة أن يخيف السياح. ترفض مديرية الأمن العام ما يشاع عن ارتفاع عدد سرقة السيارات الخليجية في الأردن، وأكّدت في أكثر من تصريح أن مثل هذه الأخبار عارٍ عن الصحة. كما تصرّ على أنّ  لا وجود لمناطق محرّمة على الأمن وهو ما تثبته بشكل متقطع كلما زاد الحديث الإعلامي عن "المناطق السوداء".

قصص كثيرة يرويها أهالي المنطقة عن عصابات تستولي على سيارات أردنية وخليجية، وتقوم باستخدامها في وضح النهار في مناطقها التي يؤكد أحد ساكنيها، علاء أبو غنام لـ"رصيف 22" صعوبة دخولها من قبل سيارات مكافحة التهريب ودوريات الأمن إلا في حالات نادرة جداً، تلافياً لوقوع اشتباكات مسلحة مع اللصوص في منطقة مأهولة بالسكان وتعجّ بأسلحة رشاشة.

تنفّذ القوات الأمنية بين الفينة والأخرى حملات تسفر عن القبض على متورطين بسرقة السيارات، ويتمّ خلالها ضبط كميات من المخدرات والأسلحة بالإضافة إلى استرداد عشرات السيارات المسروقة، غير أنها تبقى غير قادرة على بسط سيطرتها على جميع المناطق السوداء.

قصور في التشريع الأردني

يرى رئيس اللجنة القانونية في مجلس النواب (الغرفة الأولى في مجلس الأمة) مصطفى العماوي، أنّ "قصوراً يشوب التشريع في قانون العقوبات الأردني كلّه، خاصة في موضوع سرقة السيارات وأصول المحاكمات وإجراءات التقاضي".

يستغل اللصوص قصوراً في التشريع الأردني يقوم على إمكانية وضع هذه السرقات تحت خانة "استعمال أموال الغير" التي يُعاقب عليها بالسجن من 3 إلى 6 أشهر. ويسمح قانون العقوبات الأردني رقم 16 لعام 1960 باستبدال عقوبة السجن إذا كانت أقل من 3 أشهر بغرامة مالية، حدّدها القانون بـ"دينارين عن كل يوم".

وبحسب شهادات أردنيين تعرضت مركباتهم للسرقة، فقد استفاد اللصوص من تكييف الإدعاء العام للقضية بـ"استعمال أموال الغير"، عوضاً عن تطبيق عقوبة السرقة التي تراوح عقوبتها بين الأشغال الشاقة المؤبدة (20 عاماً) والأشغال الشاقة المؤقتة من 3 إلى 15 عاماً.

"تعكف اللجنة القانونية على دراسة هذه المواد للوصول إلى قوانين رادعة تحمي المجتمع الأردني من تفشي الجريمة، وتعزز الأمن المجتمعي”. يوضح العماوي، معتبراً أن جميع هذه القضايا ستُحسم لصالح الأمن المجتمعي في فترة أقصاها شهر فبراير.

انتحال شخصية اللص

على هامش سرقة السيارات، وما يعانيه صاحب المركبة المسروقة، تظهر جنحة أخرى هي انتحال مجهولين شخصية اللص نفسه. يتصل هؤلاء بصاحب السيارة لإيهامه بأنهم اللصوص، ويطلبون منه مالاً كي يسترجع المركبة. غالباً ما يكون هؤلاء من المحيط الاجتماعي لصاحب السيارة المسروقة، وكثيراً ما يخفقون في الوصول إلى مبتغاهم، لا سيما إذا أصرّ صاحب السيارة على رؤية سيارته قبل دفع الفدية.

نشر هذا الموضوع على الموقع في 02.02.2015

كلمات مفتاحية
الأردن سيارات

التعليقات

المقال التالي