هكذا جعلت العنصرية منهم نجوماً

هكذا جعلت العنصرية منهم نجوماً

تغص أبرز المنتخبات الأوروبية اليوم بلاعبين متحدّرين من أصول أجنبية، ويترافق ذلك مع أصوات احتجاجية تخرج من بعض السكان الأصليين مطالبةً بمنع أولئك "الغرباء" من تمثيل المنتخب الوطني. هذه الأصوات، على قلّتها، تترك آثاراً نفسية لدى بعض اللاعبين، تدفع بعضهم للردّ عليها، كل على طريقته.

كريم بنزيما، لاعب منتخب فرنسا ذو الأصول الجزائرية، بات يرفض أن يردّد السلام الوطني الفرنسي مع زملائه قبيل المباريات، ردّاً على الأصوات المطالبة بـ"تنقية" منتخب الديوك من الدخلاء.

كرة القدم تشكّل ملاذاً أخيراً لآلاف الأطفال الذين اضطرتهم الحروب والمجاعات والفقر لترك بلادهم والانتقال للعيش في بلاد أجنبية، بحثاً عن فرصة حياة أفضل. من ضواحي المدن خرجت مواهب كروية لمعت كنجوم في سماء اللعبة ووصلت إلى العالمية. لم يكن احتراف كرة القدم حلماَ لمعظم أولئك الأطفال، بقدر ما كان وسيلة للانتقام من التمييز العنصري والعرقي، الذي عاشوه في طفولتهم. فكانت أهدافهم وإنجازاتهم صرخةً في وجه العالم للقول: "نحن هنا، نحن موجودون".

السوبر ماريو

"الأشخاص العنصريون هم أقلية، لكنك لا تستطيع فعل شيء معهم، تستطيع أن تقول ما تريد، أن تفعل ما تريد لكنك لا تستطيع تغييرهم لأنهم ببساطة أناسٌ أغبياء". بهذه الجملة ردّ ماريو بالوتيلي على الإشارات العنصرية التي وجهت له في إحدى مباريات الدوري الإيطالي. لم يسلم اللاعب الغاني الأصل والإيطالي المولد والجنسية من المضايقات العنصرية طوال سنين حياته. المضايقات المزعجة هذه، بالإضافة إلى الفقر المدقع ومرض الأمعاء اللذين لازماه منذ الطفولة، جعلت منه شخصاً غريب الأطوار لا يثق بأحد، ويطلق التصريحات النارية يمنةً ويساراً.

بالعودة إلى سيرة حياة "السوبر ماريو"، نجد أن والده اضطر للموافقة على طلب عائلة بالوتيلي لتبنّي ماريو، بسبب عجزها عن تأمين حاجاته الأساسية. وقد استطاعت عائلته الجديدة أن تعوضه بعضاً من الحرمان الذي عاناه في طفولته المبكّرة. وهو انقطع لاحقاً عن زيارة والديه البيولوجيين في عطلة نهاية الأسبوع، متهماً إياهما بالتخلي عنه وقرر أن يحمل اسم عائلة بالوتيلي. بمعنى آخر، قرر ماريو قطع كل صلاته بالماضي متطلعاً نحو حياة أفضل. كذلك رفض تمثيل منتخب غانا لكرة القدم، مفضّلاً المنتخب الإيطالي. وهو يفتخر بإيطاليته ويشير إليها في الكثير من تصريحاته وتغريداته. الكرة بالنسبة إليه هي السبيل الوحيد لإزالة الفروق بينه وبين الآخرين.

سأله يوماً أحد الصحافيين عن سبب عدم احتفاله بالأهداف التي يسجّلها، فأجابه: "أنا أقوم بعملي، هل رأيت يوماً ساعي بريد يحتفل بعد تسليم الرسالة إليك؟". بمعنى آخر، الكرة عنده مكان للعمل وتحقيق الذات، أكثر مما هي مكان للشغف والاستمتاع. مع العلم أن هدفه الثاني في مرمى ألمانيا في نصف نهائي يورو 2012 جعله يخرج عن عادته ويحتفل بطريقة مثيرة عندما خلع قميصه، وأخذ يستعرض عضلاته. اعترف لاحقاً بأن هذا الهدف هو الأهم في مسيرته إذ شعر من خلاله أنه إيطالي بامتياز، وأن الشعب الإيطالي بحاجة إليه، وكان ذلك رداً على التغريدة التي انتشرت على تويتر يومذاك Negro is not an Italian التي استهدفته هو بالذات.

من سارق دراجات إلى سارق الأضواء

من أب بوسني مهاجر وأم كرواتية، ولد زلاتان إبراهيموفيتش في العام 1981 في مالمو  السويدية. تعرض زلاتان في طفولته لأقسى أنواع التمييز العنصري، ناهيك بالفقر والحرمان اللذين لازماه فترةً طويلة.

"أهدي هذا الكتاب لعائلتي وأصدقائي وكلّ من شجعني وكان بجانبي، أريد أيضاً أن أرسله لجميع الأطفال، وتحديداً لأي طفل يشعر أنه مختلف وغريب قليلاً، وأقول له إن الاختلاف عن الآخرين جيّد أيضاً. واصل إيمانك بنفسك (...)". بهذه الكلمات افتتح زلاتان كتابه "أنا زلاتان" I am Zlatan الذي يروي سيرته الذاتية، في إشارة واضحة الدلالة إلى أن حياة النجومية والاحتراف لم تمحُ من ذهنه مآسي الطفولة. يشيد زلاتان في كتابه بكرة القدم، التي حوّلته من سارق دراجات نارية وتلميذ مدرسة ينفر الجميع منه إلى نجم كروي عالمي.

في العام 2010 انتقل زلاتان للعب مع برشلونة الإسباني في صفقة كبيرة انتُظِر منها الكثير، لكن السنة التي لعبها في الكامب ناو لم تكن في مستوى التوقعات. لم يتأقلم زلاتان مع مجموعة لاعبي برشلونة الذين ترعرع معظمهم معاً في أكاديمية لاماسيا، شعر بأنهم كتلة واحدة وبأنه دخيلٌ عليهم، وجد نفسه وحيداً مرة أخرى، فعادت به الذاكرة إلى مالمو. "الطفل والد الرجل"، يقول سيغموند فرويد، زلاتان إبراهيموفيتش مثال صارخ على تلك المقولة.

الخروج من الباب الضيق

كان النجم الفرنسي زين الدين زيدان قد اختار مونديال ألمانيا 2006 ليكون نهايةً لحياته الكروية. قدّم النجم الجزائري الأصل والمتحدر من قبائل بربرية صحراوية مونديالاً كبيراً مع رفاقه الذين بلغوا المباراة النهائية ليواجهوا منتخب إيطاليا، وهذا ما جعل الفرصة مؤاتية لرفع كأس البطولة وتوديع الكرة بأفضل طريقة ممكنة. إلا أن زيدان فاجأ الجميع قبيل نهاية المباراة عندما وجّه "نطحةً" إلى صدر المدافع الإيطالي ماتيرادزي بطريقة غريبة، ليخرج من المباراة ببطاقة حمراء، مُساهماً في خسارة منتخبه البطولة وتاركاً غصّة في صدور عشاقه في أنحاء العالم.

لم تكن تلك الحادثة يتيمة في مسيرة زيدان، فاللاعب الذي يحرص دائماً على الظهور بمظهر الجنتلمان لم يسلم من بعض التصرفات الانفعالية. في دراسة لسلوكيات زيدان قام بها معالجون نفسيون فرنسيون تبيّن لهم أن ظروف طفولة زيدان المبكرة وتعرضه لتمييز عنصري من أترابه، تركت جروحاً في نفسه، عادت لتظهر بعد سنوات طويلة، وأن أحد أسرار عبقرية زيدان الكروية مردّه إلى الرغبة الجامحة في الوصول إلى النجومية لينتقم لطفولته.

لا بد من الإشارة أيضاً هنا إلى أن الجيل الذهبي لفرنسا الفائز بمونديال 98، وزيدان أبرز نجومه، كان قد تعرض لانتقادات كثيرة، إذ ارتفعت أصوات قبل المونديال ترفض ضم لاعبين من أصول غير فرنسية إلى المنتخب، فكان رد زيدان وتورام وديسالي وآخرين يومذاك داخل الملعب، حيث أعطوا فرنسا لقبها الأول مسكتين كل الأصوات العنصرية.

نشر الموضوع على الموقع في 11.01.2015

التعليقات

المقال التالي