رسالة من بروليتاري عربي إلى كارل ماركس

رسالة من بروليتاري عربي إلى كارل ماركس

عزيزي كارل ماركس،

لا أستطيع إلا أن أحبّك لأنك تعدني بحياة أفضل. لو تحققت نبوءاتك، لكنت الآن سعيداً. لا أخفي حياة عليك أنني لم أفهم أفكارك يوماً، فهي معقّدة كما أن أتباعك يصعّبون عليّ هذه المهمة أكثر. ولكن هل تعلم؟ أحياناً أكرهك. أجل. أكرهك لأنك كذبت عليّ وعلى كثيرين مثلي. لا. أحبك. فأنت تأبه لأمري!

اليوم، أكتب إليك بمناسبة عيد العمّال. صاحب المصنع الذي أعمل فيه قرّر، كما في كل سنة، أن يمنحنا عطلة. اليوم لديّ بعض الوقت لأكتب. ليس في جيبي مال لكي أتفسح أنا وعائلتي، كما يفعل الباقون أيام العطل. رائحة الثوم تنبعث من المطبح فزوجتي تعدّ طعام الغداء. وأنا ماذا سأفعل؟ سأكتب لك. سأشكو إليك همومي.

قبل يومين دعاني جاري حامد إلى اجتماع في منزله. هل تعرف حامد؟ هو مسؤول الحزب الشيوعي في حيّنا. صورتك معلّقة في غرفة الجلوس في منزله. قال لي إننا سنناقش الخطوات التي سنقوم بها بمناسبة عيد العمّال. لم يحدثنا كثيراً عن هذه المناسبة. قال لنا إن الدبّ الروسي يقارع الإمبريالية الأميركية. وقال لنا إن الصين، بلاد القائد ماو تسي تونغ، ستعيد الجزر التي انتزعتها منها اليابان. حدثنا عن الرئيس الراحل تشافيز. واستنتج من أحاديثه هذه أننا يجب ألا نتخلى عن حقوقنا ويجب أن نتظاهر اليوم، ونرفع الأعلام الحمراء.

لن أسير اليوم مع رفاق الحيّ إلى التظاهرة المركزية. لم يعجبني كلام حامد عن زوجتي. هل تعلم بماذا أجابني حين قلت له إنني سأخبر زوجتي عزيزة عن التظاهرة؟ قال لي إن عزيزة لا يعوّل عليها، فهي تنتمي إلى فئة البروليتاريا الرثة! قال لي إن عزيزة وكل من يعمل مثلها في تنظيف المنازل هم "حثالة الفئات الدنيا" وهم "أكثر استعداداً لبيع أنفسهم لمكائد الرجعية"! صحيح أن ثياب زوجتي رثة لكنها في إحدى المرّات عضّت صاحبة أحد المنازل الفخمة، لأنها رفضت أن تعطيها أجرها. أنا أعرف زوجتي. إنها تكره الاستغلال.

نعيم ليس أفضل من حامد، مع أن الرفاق في الحيّ يسمّونه "مثقفاً عضوياً" ويقولون إنه الأكثر راديكالية في الحيّ. نعيم يخبرنا عن "الثورة الدائمة" ويقول لنا إننا يجب أن نثور كل يوم لا أن ننتظر "اللحظة التاريخية" كما يقول حامد. أكره السيجار الذي لا يفارق فمه. في إحدى المرات قلت له إن التدخين يكلّفه ثروة فامتعض منّي وقال لي: ألم تر في حياتك صورة لغيفارا؟ إنه يدخّن السيجار. أجبته بأنه في بلاد غيفارا السيجار هو كالتبغ الذي يلفّه عجائز حيّنا، ولكن في بلادنا نحن نستورده. هنا تدخّل سمير واتهمني بأنني أساساً لا أمتلك الوعي الطبقي!

في المقهى التقيت قبل شهر بمحمد. محمد هو "مثقف ثوري" يحب تكرار الأحاديث عن تضامن العمّال حول العالم. شرح لنا محمد أن العامل الذي يعمل 10 ساعات يأخذ أجراً عن 5 ساعات فقط، أما الوقت المتبقي فهو ينفقه ليحقق الربح لصاحب المصنع، وأخبرنا أن هذه الحقيقة اكتشفتها أنت وأسميتها "القيمة الزائدة". قال لنا إن أجر العامل يكفيه فقط لتجديد نشاطه، ليتمكن من العمل في اليوم التالي. قلت له إن ناصر يعمل في أحد المصانع الألمانية، وإنه تمكّن من جمع مبلغ كبير من المال وأخبرته أن ناصر يقول لي إن العمّال الألمان يكرهون العمّال المهاجرين، ولا يتضامنون معهم. غضب منّي واتهمني بأنني تحريفي.

لنعد إلى حامد. حامد لا يتوقف عن انتقاد جارنا مصطفى. يقول لنا إنه ليس بروليتارياً مثلنا، فهو يمتلك أدوات عمله. هل تعرف ما هي أدوات عمله؟ هو يمتلك ماكينة خياطة قديمة يضعها في محل صغير. مصطفى بورجوازي صغير كما يصفه حامد. سألته: لماذا لا تدعو سعيد الذي يعمل مع مصطفى إلى لقاءاتنا؟ قال لي إن سعيد ليس عاملاً، وهو بعد فترة سيتمكّن من شراء ماكينة خياطة ويتحوّل إلى بورجوازي صغير وإنه يحبّ الربح. لم أفهم عليه. قلت له: أنا أحب الربح أيضاً وأرغب في شراء كنبة مريحة. سحب أحد كتبكَ من مكتبته وقرأ لي مقطعاً كتبته أنت وتقول فيه إن العامل سيبقى عاملاً طوال حياته، لأنه يعمل في مصنع توجد فيه آلات ثقيلة لن يستطيع شراء مثلها مهما فعل. صدمني. فأنا أعمل في مصنع للنسيج وفي مصنعنا لا توجد مثل هذه الآلات الثقيلة، توجد فقط بعض الأنوال.

لا أعلم لماذا يتحدث الشيوعيون عن هذه الأشياء. في تظاهرة عيد العمّال في السنة السابقة، لم أجد أيّ عامل في الصفوف الأمامية الثلاثة. كلّهم كانوا موظفين في الحكومة أو أساتذة مدرسة أو رؤساء نقابات لا يقومون بشيء سوى التحضير للتظاهرات. حامد نفسه يعمل في إدارة حكومية. محمد هو أستاذ مدرسة. نعيم لا يشارك معهم في التظاهرات، لأنه يعتبرهم أغبياء، ولكنه أيضاً يعمل كمقاول بناء.

أنا لا أحبهم يا عزيزي كارل. أحب مصطفى وسعيد وزوجتي عزيزة أكثر. لا أريد أن أمتلك وعياً طبقياً كما يقول الرفاق. نحن نعرف ماذا يعني أن تنام من دون عشاء. هم لا يعرفون. يقرؤون عن المسألة في الكتب فقط. نحن لا يهمنا ماذا سيفعل الدب الروسي. فقط نريد تحسين حياتنا هنا، في عربستان.

ليس ذنبنا أن بلادنا ليست صناعية، وأنه لا يوجد لدينا عمّال يستوفون شروط الرفاق. وليس ذنبنا أن الرأسماليين هم المقربون من العسكر ويحققون أرباحهم بطريقة مختلفة عن الاقتصادات الصناعية. نحن فقط نكره الاستغلال ورفاقنا في الحيّ هم استغلاليون. يستغلون فقرنا لكي يقولوا عن أنفسهم إنهم "مثقفون ثوريون".

كلمات مفتاحية
نقابات

التعليقات

المقال التالي