في الحروب يصير الموت، أو العيش الافتراضي، حلاً مثالياً لمن سحقته الحياة

في الحروب يصير الموت، أو العيش الافتراضي، حلاً مثالياً لمن سحقته الحياة

نحن الذين وُلدنا في بدايات الحرب الأهلية اللبنانية، وكنا من سكان ضواحي بيروت، علاقتنا بالبيوت ملتبسة، فنظرياً المنزل هو رمزٌ للأمان، أما بالنسبة لنا، ففي الملجأ كان الأمان الحقيقي. المنزل هو المكان الذي يجب المسارعة للهروب منه حين يبدأ القصف، وصولاً إلى الملجأ حيث ننعم بدفء البيوت وطمأنينتها، طبعاً لمن لم يحالفه الحظ في الهروب من المنطقة إلى حين توقف جحيم القصف. أما التفاصيل الصغيرة التي تربط السكان ببيوتها فكانت ترفاً لا يتسع لهول الحرب، فالبنايات كانت هدفاً ممتعاً للمتحاربين.

للحرب لذتها يقول المحاربون، وللدم نشوته، وفي هذا تأكيد لنظرية فرويد الذي تحدث عن غريزة موت عند الإنسان تماثل غريزة الحياة، ولذّتها، أي القتل، تعادل لذة الجنس. أمّا بالنسبة لنا، نحن المسالمين الذين اكتفوا بالمشاهدة، فقد كان المنزل مشروع دمار ناتج عن قذيفة أو حريق ناتج عن رصاصة طائشة.

وما يثير استغرابي اليوم، بعد أن امتلكت منزلاً وعائلة، أن فقدان المنزل، لمن وُلد في زمن الحرب، كان حدثاً طبيعياً في ذاك الزمن، لا يثير رفضاً أو غضباً بل قبولاً لاواعياً، بعكس حال سكان القرى المرتبطين بالأرض بشكل طبيعي، والممارسين للفرح الغريزي. بالنسبة لنا، سكان المدن، كانت الحقيقة تكمن في جولات الحرب، أما الفرح فكان وهماً نسرقه في زمن الهدنات كمن يرتكب معصية، كفعل زنا. كنا نخجل بفرحنا أمام الخوف المنتشر والوجوه المتجهمة المتراصة في الملجأ.

لا اعرف ما أنتجت هذه الطفولة، ربما الانسلاخ المطلق عن كل ما يحيط بنا، عن أي حقيقة ممكنة، بهدف البقاء، فقد كانت الحقيقة... رصاصة.

في القرى، السكان هم العائلة الكبيرة، يعرف بعضهم بعضاً ويعرفون الحكايات التي ترجع إلى الجد الأول. أما في المدن، فكان المسلحون هم الأهالي، نتابع قصصهم ونتفرج على جولاتهم. كأن القناص فرداً من العائلة، يشاركنا في لحظاتنا ويشغل تفكيرنا دون أن تكون له أيّة جذور. فلا يُعرف أبوه ولا أمه، ونُدركه فقط عبر فعله. وفي يومنا هذا احتل السياسيون في حياتنا اليومية مكان المقاتلين وأصبحت الحياة السياسية بديلاً عن أي نوع من الحياة الاجتماعية.

كان المتراس موجوداً على مدخل البناية. ما زلت أذكر خروجنا صباحاً إلى المدرسة حاملين كتبنا من وراء المتراس إلى باص المدرسة. أيّ جنون اعترى أهلنا حتى يرسلونا إلى المدارس؟ ألم يتعظوا من القناص، ومن الشباب المرابضين على الحواجز؟ ربما امتلكوا حكمة ما أو انسلخوا عن الواقع كما علّمونا أن نفعل في الملجأ.

لا أزال أذكر ثلاثة صواريخ سقطت في إحدى جولات الحرب أمام البناية، ما دفع السكان لوضع المتراس لاحقاً. لم يكن خوفي ناتجاً عن صوت الانفجارات بل عن حالات الانهيار التي تنتاب سكان الملاجئ. كان الخوف جماعياً كما لو أننا في حلقة من حلقات المتصوفة، لكن بدل الحب والدعاء والابتهال كان هناك البكاء والصراخ والانهيارات العصبية.

أذكر حين اُصيب أحد المقاتلين أمام بنايتنا برصاصة في قدمه. اصطاده القناص. أذكره يركض وهو يعرج ليختبئ في البناية المقابلة. حينها شعرت بالألم في قدمي كنوع من التماهي مع الشاب الذي يحمي شارعنا من الأعداء الذين لم أعرفهم بل خُفتُ رصاصاتهم كما خافوا رصاصاتنا.

حَرمتْ الحرب جيلنا أبسط حقوق الطفل بالحب والاهتمام والرعاية، فقد كانت القضايا الكبرى أكبر من العائلات الصغيرة، وتغلب الخوف على الحب حتى أصبح لغة التعامل بين الأهل وأولادهم. هذا النقص العاطفي كبر مع الجميع وساهم في رسم صورتنا في ما بعد.

يقولون في علم النفس إن الموت المنتشر جراء الحروب يوقظ في الأفراد غريزة البقاء ويشحذها، ويعود بعقل الانسان إلى وسائل البقاء الأقدم والتي حفظها عبر التاريخ. عندما يصبح الحاضر عدواً للإنسان يعود العقل إلى دفتر ذكرياته، فيستخرج أدواته الغريزية، والجنس أقدمها بالطبع.

ربما هذا يشرح الثورات الجنسية الكبرى التي تلت الحربين العالميتين. وهذا كان حال جيلنا. سيطر على باله الجنس في كل لحظة. انصرف المتقاتلون إلى نشوة القتل وانصرفنا نحن إلى نشوة الجنس. هذا يشرح ربما ضعف ارتباطنا بالقضايا الكبرى والتنظيمات الجماعية.

ومع قرب انتهاء الحرب وضعف التنظيمات في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، حصلت ثورتنا الجنسية الكبرى: أفلام البورنو التي كان الحصول عليها يماثل عملاً انتحاريا يُدخل الجنة. مَن حالفه الحظ حصل على الأفلام من الأماكن السرية التي خبّأها أهله فيها ظانين أنّها بمأمن من أولادهم. ساهمت هذه الأفلام في ترميم العديد من العلاقات الأسرية، بين الأزواج وبين الأبناء وأهلهم، كون الإهتمامات أصبحت مشتركة وإن ظنّ الجميع أنها سرية. أما مَن لم يحالفه الحظ فقد اضطر إلى الذهاب إلى الأمكنة القريبة من خطوط التماس كون الأفلام متوافرة أكثر هناك.

ربما سرّعت هذه الثورة الجنسية في نهاية الحرب، وربما العكس. لكن دون شك كان من الصعب النجاة من مجزرة جماعية، اسمها الحرب الأهلية، بقيت حية في مَن بقي حياً، وانتهت مع مَن انتهى، دون هذا العالم الافتراضي الجماعي الذي سمح لنا بتشكيل ذواتنا كما أردنا بلا أصوات انفجارات ومجازر. لقد كانت هذه الأفلام واحة السلام الحقيقية الأولى، وإن كانت افتراضية.

ومع انتهاء الحرب وبدء ما عُرف بالسلم الأهلي، تطور العالم الافتراضي فأصبح مكاناً للفعل العاطفي، وترافق ذلك مع بدء انتشار ظاهرة غُرف المحادثات و"التشات"، وتكاثر مقاهي الإنترنت التي أصبحت قبلة العاشقين الجدد، فنتجت عنها آلاف العلاقات العاطفية الملتهبة، بين أفراد موزعين على مختلف أقطار الكرة الأرضية ويتواصلون عبر شاشات صغيرة.

كانت قصصاً عاطفية قد تنتهي خلال ساعات أو تدوم لبضعة أشهر، وتبقى أسيرة العالم الافتراضي في معظم الأحيان. هكذا نما جيلنا في عالم افتراضي جسّد عبره وعيه الجنسي ثم وعيه العاطفي وصولاً إلى الوعي العقلي أو الفكري الذي، ما إن حان أوان تفتحه، حتى كان الفايسبوك والتويتر قد انتشرا ليصبحا مرادفاً لهويتنا الاجتماعية ومسرحاً لأفكارنا وصولاً حتى إلى عملنا السياسي.

هربنا من الواقع وتدرجنا في عالم افتراضي عبر كل مراحله، عالم ربما كان لعنة مرضية جعلت من جيلنا جيلاً افتراضياً لم يشارك في الحرب التي وُلد فيها ولم ينتفع من السلام الذي تلاها وكان القطار قد فاته حين بدأت الحروب الجديدة، أو ربما كان علاجاً من الطبيعة لموازنة كل ما حرمنا إياه المجتمع. فربما كان هذا العالم هو الوسيلة الوحيدة الممكنة للمحافظة على ما تبقى من الصحة العقلية وعلى وجودنا ذاته وإن صار افتراضياً.

قد يكون الموت هو العالم  الافتراضي الأول، حيث يتحول الأموات إلى صفحات إلكترونية في شبكة عنكبوتية ضخمة لا قدرة للأحياء على الولوج اليها. هكذا يكون الموت، أو الحياة الافتراضية، حلاً مثالياً لمن سحقته الحياة الواقعية.

كلمات مفتاحية
الجنس الحرب

التعليقات

المقال التالي