من Klopp إلى Tuchel: منعطف تاريخي لبروسيا دورتموند

من Klopp إلى Tuchel: منعطف تاريخي لبروسيا دورتموند

أسدل واحد من أبرز المدربين الذين أنجبتهم الملاعب الأوروبية في الألفية الثالثة، الستار على مسيرة ملأى بالانجازات، استمتع بتفاصيلها، ليس عشاق فريقه الأصفر فحسب، بل كل من يتابع كرة القدم.

قبل سبع سنوات، لم يكن أحد يسمع باسم يورغن كلوب Jürgen Klopp، المدرب المغمور الذي يقود أحد الفرق الصغيرة في البوند سليغا (ماينز). لكن المسيرة المظفرة مع بروسيا دورتموند Borussia Dortmund جعلت منه محط أنظار كبار أوروبا، بعد أن حول الفريق الأصفر من فريق يصارع شبح الهبوط، إلى مارد مرهوب الجانب، وواحد من فرق الصفوة الأوروبية.

كيف كان دورتموند قبل كلوب؟

يعتبر بروسيا دورتموند الذي تأسس عام 1909، واحداً من أكثر الفرق تقلباً في المستوى في ألمانيا. وعلى يد 54 مدرباً استطاع تحقيق أربع عشرة بطولة محلية قبل كلوب، ففاز بلقب الدوري الألماني 6 مرات، ولقب كأس ألمانيا مرتين، وكأس السوبر الألماني ثلاث مرات، أما على الصعيدين القاري والأوروبي، فقد حصد 3 بطولات هي دوري أبطال أوروبا في عام 1997 وكأس الكؤوس الأوروبية في عام 1966، وكأس الإنتركونتيننتال في عام 1997.

علماً أن نادي الشمال الألماني يمتلك أفضل الجماهير التي لم تحطم فقط جميع الأرقام القياسية على صعيد معدلات الحضور بغض النظر عن مستوى الفريق أو ترتيبه، لكنها أيضاً كانت سداً منيعاً أمام محاولات بيع النادي بعد تعرضه لأزمة مالية خانقة عام 2003.

كان منتصف التسعينيات من أزهى الحقب التاريخية لبروسيا دورتموند، إذ تمكن الفريق من تحقيق لقبين متتاليين في الدوري الألماني عامي 1995 و1996، إلى جانب لقبين آخرين في كأس السوبر، قبل أن يُتوّج بقيادة الجنرال الألماني المحنك أوتمار هتسفيلد Ottmar Hitzfeld في العام التالي بلقب دوري أبطال أوروبا على حساب يوفنتوس في الملعب الأولمبي بميونخ، وبكأس الإنتر كونتينانتال بقيادة الإيطالي نيفو سكالا Nevio Scala، على حساب كروزيرو البرازيلي.

غاب دورتموند عن الألقاب خمس سنوات، وعاد لتحقيق لقبه السادس في الدوري المحلي بقيادة نجمه السابق ومدربه ماتياس زامر Matthias Sammer، عام 2002، في موسم هو الأمتع في تاريخ البوندسليغا. وبعد هذا اللقب الذي تحقق في اللحظات الأخيرة من عمر الموسم، دخل النادي في دوامة من سوء الأداء والنتائج التي أدت بدورها إلى أزمة مالية خانقة وضعت النادي على شفير الإفلاس، ودفعت إدارته للبيع عام 2003. إلا أن جماهير النادي خرجت في تظاهرات حاشدة رافضة البيع، فاستعاضت الإدارة عن ذلك بالتخلي عن النجوم، ومن ثم بيع اسم الملعب الشهير "فيستفالن شتاديون" Westfalen stadion ليصبح سيغنال إيدونا بارك Signal Iduna Park.

دورتموند تحت قيادة كلوب

بعد ست سنوات من التخبط المترافق بنتائج متواضعة في الدوري المحلي، وقعت إدارة دورتموند عقداً لمدة عامين مع المدرب الشاب يورغن كلوب (40 عاماً حينذاك). القادم من نادي ماينز استهل مشواره بأفضل طريقة ممكنة عندما تمكن من تحقيق لقب كأس السوبر على حساب بطل الدوري والكأس بايرن ميونخ.

اعتمد كلوب على المواهب الصاعدة، ومنح فرصة للاعبين الشبان، ليحتل الفريق في موسمه الأول المرتبة السادسة، ومن ثم الخامسة، قبل أن تنضج خطة كلوب السحرية ويتوج الفريق بلقب الدوري عام 2011.

استطاع المدرب الدائم الابتسام تقديم كرة هجومية مثيرة، وكانت طريقة تعامله الأبوية مع اللاعبين، وردات فعله الحماسية والكوميدية في بعض الأحيان، مثار إعجاب الجميع. وصل إلى ذروة نجاحه مع المارد الأصفر في الموسم التالي، عندما توج باللقب بعد تحقيقه 81 نقطة، مسجلاً رقماً قياسياً في تاريخ البوندسليغا. لم يكتف كلوب بذلك، بل عادل رقم البايرن بعدد الانتصارات في الدوري (25)، كما حافظ على سجل خال من الهزيمة في 28 مباراة متتالية. وعزز كلوب هذا النجاح عندما قاد فريقه لإلحاق هزيمة ثقيلة ببايرن ميونخ في نهائي الكأس، إذ تغلب عليه بخمسة أهداف مقابل هدفين، ليحقق ثنائية الدوري والكأس للمرة الأولى في تاريخ النادي.

فشل كلوب في اجتياز الدور الأول في المسابقة الأوروبية بأول مواسمه، لكن طموحه القاري الذي سعى لتحقيقه بعد النجاح المحلي غير المسبوق، قاده إلى نهائي ويمبلي عام 2013. واستطاع كلوب في تلك النسخة تصدر مجموعة الموت على حساب ريال مدريد وأجاكس أمستردام ومانشستر سيتي، ثم هزم ريال مورينو Mourinho برباعية للذكرى في نصف النهائي، قبل أن يخسر اللقب لمصلحة بايرن ميونخ في نهائي ألماني هو الأول من نوعه.

بعد هذه النجاحات، مدد كلوب عقده مع أسود الفاستفاليا حتى عام 2018، واستمر بمقارعة بايرن ميونخ الذي عوض يوب هاينكس Jupp Heynckes ببيب غوارديولا Pep Guardiola. احتل النادي الأصفر الوصافة مرتين بعد اللقبين المتتاليين، وخسر نهائي الكأس العام الماضي أمام البافاري بثنائية، لكنه فاز بكأس السوبر مرتين متتاليتين (2013-2014) على حساب البايرن.

مع فشل كلوب بتعويض رحيل هدافه البولندي ليفاندوفسكي Lewandowski إلى البايرن، ومن قبله جوهرة خط الوسط ماريو غوتزة Götze، كان من المتوقع أن يجد دورتموند صعوبة في الحفاظ على نجاحاته واستمراره في المنافسة محلياً وأوروبياً، لكن أحداً لم يتوقع أن يتحول أبناء كلوب من منافسين على الألقاب إلى منافسين على الهبوط.

عانى دورتموند من كثرة الإصابات وتراجع مستوى العديد من نجومه، وهذا ما انعكس على الفريق كله، وبعد انتصارين في أول 3 مباريات في الدوري، أخفق دورتموند في تحقيق الفوز لسبع مباريات متتالية، فخسر ستاً وتعادل في واحدة ليقبع في المركز الأخير.

التقط الفريق أنفاسه بعد تلك المباريات الكارثية، وحقق انتصارات لم تشفع له سوى بالصعود إلى المركز التاسع مع بقاء 5 مباريات فقط لنهاية الموسم، ليفوت أبناء كلوب على أنفسهم المشاركة في دوري أبطال أوروبا الموسم المقبل.

في الخامس عشر من أبريل، اتخذ كلوب قراراً مصيرياً عندما أعلن في مؤتمر صحفي برفقة يواكيم فاتزكه Joachim Watzke، المدير العام للنادي، التخلي عن منصبه، وإنهاء عقده بالتراضي. كلوب برر قراره للصحافيين بالقول : "كنت أقول دوماً إنني سأعلن هذا الأمر لو لم أكن المدرب المناسب لهذا النادي. دورتموند يحتاج إلى التغيير"، وأضاف: "قررت اختيار هذا التوقيت لإعلان قراري حتى لا أتسبب بأي مشكلة تتعلق بالوقت (للبحث عن بديل) أثق تماماً بأن هذا هو القرار الصحيح".

كيف سيكون دورتموند تحت إدارة توخيل؟

لم تنتظر إدارة دورتموند سوى بضعة أيام بعد إعلان كلوب رحيله، فأعلنت تعاقدها مع المدرب  الألماني الشاب (41 عاماً) توماس توخيل Thomas Tuchel.

التشابه الكبير بين كلوب وتوخيل يدفع عشاق دورتموند للتفاؤل بتكرار حقبة الإنجازات التاريخة التي حققها الفريق في السنوات الماضية. فالمدرب الجديد كان لاعباً محلياً مغموراً، كما أنه لا يملك أي لقب أو سجل تدريبي حافل، الأمر الذي كان عليه كلوب قبل تسلمه دفة قيادة الفريق.

وكما كلوب، فقد درب توخيل فريق ماينز، ومن ثم ترشح لتدريب هامبورغ قبل أن يصل إلى دكة البدلاء المجاورة للمدرج الجنوبي الذي يضم بين جنباته أكثر المشجعين إخلاصاً وجنوناً في العالم.

برغم كل الظروف، يقول توخيل إنه يختلف كثيراً عن كلوب، إلا أن معظم النقاد والمتابعين في ألمانيا يرون تشابهاً كبيراً في فلسفة المدربين، إذ يعشق الإثنان اللعب الهجومي المباشر، فيما يختلف توخيل عن كلوب بكونه أكثر جدية وعصبية وصرامة.

مع ارتداء توخيل سترته التدريبية الصفراء عما قريب، لن يكون مطالباً ببناء فريق جديد قادر على المنافسة فحسب، فدورتموند الذي تحول إلى عملاق أوروبي، لن يقبل إلا أن يكون الموسم المنصرم كبوة جواد سيعود بعدها لإمتاع العالم مجدداً.

عمر قصير

صحافي سوري مقيم في تركيا، مساهم في عدد من وسائل الإعلام السورية المكتوبة والمرئية. متخصص في الشؤون الرياضية.

كلمات مفتاحية
رياضة كرة القدم

التعليقات

المقال التالي