كيف ينظر غير العرب إلى التراث والماضي والتعددية الثقافية

كيف ينظر غير العرب إلى التراث والماضي والتعددية الثقافية

كيف يفكّر المهاجرون غير العرب في تراثهم عندما يهاجرون من بلدانهم إلى بلاد أخرى، كندا على سبيل المثال؟ هل يحملون عاداتهم وتقاليدهم أم يتأقلمون مع الثقافة والحياة الجديدة؟ كيف ينظرون إلى الثقافة بشكل عام وكيف يتعايشون مع تعدد الثقافات؟

لو سألنا أي عربي "ماذا تعني لك كلمة تراث؟" ستختلف الإجابات بين شخص وآخر ولكن يمكن أن نتوقعها إلى حد بعيد. لكن ماذا لو سألنا شخصاً غير عربي السؤال نفسه؟ كيف ستكون إجابته؟ وهل تتشابه إجابة الكندي مع القادم من روسيا مثلاً أو مع القادم من الهند؟ هذه الأسئلة وغيرها حاولنا معرفة الإجابة عنها من كنديين ومن أبناء جنسيات أخرى مختلفة.

ماذا تعني لك كلمة "تراث"؟

تقول باربرا، مدرسة مادة الأدب الإنكليزي ومتخرجة من جامعة Calgary في كندا: "تحمل الكلمة عندي تداعيات ومعاني كثيرة حول خلفيتي الثقافية ونظرتي إلى العالم. لكن لو سألتني عن هذه الخلفية الثقافية، فستجد أنّها متنوعة، تشكلت وتتشكل يومياً من مصادر مختلفة، فأنا ولدت في كندا من أبوين كنديين ولدا وترعرعا هنا، أجدادي لأمي من هنغاريا، وأنا قريبة من هذه الثقافة. أجدادي لأبي من النروج. أبي يعمل في السياسة وهو رجل ديمقراطي، لذلك أعتبر الديمقراطية جزءاً مهماً في تراثي. نشأت في بيئة مسيحية مؤمنة وهذا أعدّه مكوّناً رئيساً لتراثي. زوجي خلاسي، وهو من سكان كندا الأصليين. كل هذه المكونات هي تراثي".

وترى ليندا، مدرسة "نصف متقاعدة" وأمينة مكتبة حالياً، أن تراثها يعني جذورها العائلية، تقول: "جاء أجدادي وأجداد أجدادي إلى كندا أواخر القرن الـ19 وأوائل القرن الـ20، جاؤوا من ألمانيا، وإنكلترا، وأستراليا، وإيرلندا، ومن النروج. خليط من بلدان متعددة تماماً. وبناءً على ذلك، فإن تراثي هو أوروبي". وتتابع: "عمل أجدادي وتعاونوا واستطاعوا إنشاء هذا البلد العظيم، هذا هو تراثي وأفتخر به".

أما هيشكا، من منغوليا وتعمل مصممة أزياء، فقد جاءت إلى كندا قبل حوالى أربع سنوات وتعني لها كلمة تراث "العادات والتقاليد التي تحتفظ بها أمة ما، وتقيم لها طقوس الرعاية والتبجيل والاحترام". فيما يرى أويس، وهو من الهند ويدرس اللغة الانكليزية حالياً، أن للكلمة معاني واسعة وكبيرة، ويرد أصل الكلمة إلى إرث وميراث، وهي تعني بالنسبة له الاحترام والتبجيل للماضي، ويضيف: "هي أصولنا وأجدادنا وكل ما تركوه لنا".

ويلفت نصر ابراهيم، من كردستان العراق ويدرس برمجة الكومبيوتر في جامعة Simon Fraser في فانكوفر، إلى أن التراث هو العادات والتقاليد والثقافة التي تجعله يفتخر بها. لكنه ينوه بوجود قيم سلبية في التراث، ويدعو إلى أخذ الدروس والعبر منه "كي لا نعيد إنتاج الماضي في المستقبل".

التراث قلب الأمة

وتشير فاليريا، وهي مهندسة معمارية من روسيا تقيم في كندا منذ أكثر من أربع سنوات، إلى أن في مفردة تراث معاني رحبة. "فالتراث أولاً هو تاريخ شعب وبلد بأكمله، وهو أيضاً اللغة". وتستعير قولاً لنيلسون مانديلا فيه: "عندما تتحدث إلى إنسان بلغة ما فالكلام يذهب إلى رأسه، أما إذا حدثته بلغته الأصلية فإنك تصل إلى قلبه". وتتابع: "أغانينا القديمة وأدبنا وقصصنا وحكايانا وطرازنا المعماري على مر العصور وحتى خرافاتنا هي بالنسبة إلينا روحنا ويجب الاعتناء بهذه الروح ونقلها إلى أجيالنا المقبلة".

"قلق الهوية"

هل لديك "قلق الهوية"؟ هل تسأل ذاتك من أنت ومن أين أتيت؟ تجيب باربرا: "ربّما أسأل ذاتي هذا السؤال، إنّما لأتذكّر كم أنا محظوظة لأنّي ولدت هنا. عندما أرى معاناة النساء في مناطق أخرى من العالم بسبب الجنس والدين ونقص الحرية أتذكر والديّ وكيف شجعاني على الانطلاق في الحياة واكتساب كل جديد منها. أفتخر أنّي كندية".

"تغيرت نظرتي إلى الهوية وتفكيري فيها مثلما تغير ويتغير بلدي الآن"، قالت ليندا التي تشبّه الكنديين بمكونات الحساء، "فالكثير من المكونات والخضر وضعت على نار هادئة، وفي نهاية المطاف حصلنا على طبق لذيذ فيه كل النكهات والتوابل الخفيفة والقوية".

"دائماً أسأل ذاتي هذه الأسئلة"، تقول هيشكا قبل أن تضيف: "لا يهمني الماضي، ومن أين أتيت، وليس لدي قلق حيال ذلك" ثم تتابع: "منغوليا وشعبها موغلان في التاريخ، والهجرات التي حدثت منذ 15 ألف عام إلى كندا انطلقت من أراضينا وقبل هجرات الأوروبيين".

أما أويس فيستنكر السؤال ويقول: "لماذا أسأل ذاتي أصلاً هذا السؤال؟ فأنا كندي وأعتز بكنديتي، كذلك أعتز بأصلي الهندي ولا أخجل منه، ولا خير في شخص يخجل من أصله".

قديم راسخ وجديد صعب الهضم

هفال، كندي من أصول كردية وحائز الماجستير في "الأمن الإنساني وبناء السلام" من جامعة Royal Roads في فيكتوريا، يجيب بـ"نعم، هناك صراع هوية"، ويتابع: "دائماً أعيش صراعاً حول من أنا. إنّها مسألة معقدة ونقاش مستمر مع الذات. ليست هناك إجابة شافية وواحدة في أي وقت من الأوقات. ما يدفع إلى طرح هذا السؤال، بحسب هفال، هو التغيّرات في الرؤى والمصالح والاتجاهات. "كيف أؤثر فيها وتؤثر فيّ، وكيف ستصب في مصلحتي؟ هناك قيم قديمة وقيم وثقافة جديدة، القديم أحياناً لا يتلاءم ولا يتزحزح بسهولة، فيما الجديد يصعب هضمه بسرعة، وهو ما يولّد الكثير من التناقضات والتحديات أمام هويتي وشخصيتي. مسألة الهوية معقدة و"الأنا" يتطور في كل يوم، بمعنى اكتساب جديد كل يوم".

ويؤكد نصر ابراهيم أن هذا القلق كان موجوداً قبل هجرته إلى كندا، لكن بعد حصوله على الجنسية الكندية وعلى المواطنة "حصلت على الحرية وزال قلقي تماماً".

من ليس له ماض، ليس له مستقبل

هل أنت مقتنع بأن من ليس له ماض ليس له مستقبل؟ بمعنى آخر، إذا كنت لا تعرف من أين أتيت فلن تعرف إلى أين ستذهب؟ سؤال آخر طرحناه.

تقول باربرا: "بصراحة لا أستطيع التعليق على هذا القول، لأني أدرك تماماً من أين أتيت. أعتقد أن الناس الذين تربوا ونشأوا في مخيمات اللجوء بلا وطن ولا تعليم، هم الذين يشعرون بفقدان وخسران كبيرين".

"أختي كانت قد بحثت في أصولنا العائلية، أي شجرة العائلة كما تقولون أنتم العرب، ووجدت مئات القصص عبر مئات السنين". هذا ما قالته ليندا مضيفة: "استمتعنا بهذه القصص، وعرفنا جذورنا، ومن أين أتينا، وما هي أصولنا، وقد أعطانا كل ذلك معنى، فأمر جيد أن تعرف ماضيك. لكن الكثير من الناس يُجبرون على ترك بلدانهم فيودون لو ينسون ذلك الماضي، والماضي كلٌ لا يتجزأ وفيه من المعاناة الكثير".

لسنا عبيد الماضي

"يجب ألا نكون عبيداً للماضي". هذا ما يؤكده أويس متابعاً: "يجب أن نهتم بالحاضر أكثر من الماضي، ويمكننا خلق تاريخنا، كما يمكننا تغيير مسار التاريخ، ذاك الذي يتجه نحو المستقبل، وما نراه كل يوم من تقدم هو معجزات حقيقية يقوم بها البشر. لكن هذا لا يعني التنكر للماضي، فمنه أيضاً نستطيع أن نستمد الكثير شرط ألا نطيل الإقامة فيه".

ويشدد هفال على ضرورة الاستفادة من دروس التاريخ، ويضيف: "لا أتفق دائماً مع من يقول يجب أن تفخر بتاريخك وماضيك، فهذا الماضي قد يكون حافلاً بنقاط الضعف وبالأحداث المرعبة، ويمكن هنا فقط الاستفادة منه في تجنب ذلك الرعب وتلافي نقاط الضعف".

لا يتفق نصر إبرهيم مع مقولة "من ليس له ماض، ليس له مستقبل"، ويقول: "نحن الكرد نشبه الفلسطينيين، وكما إسرائيل تحاول سرقة التراث والتاريخ الفلسطينيين وتنسبهما إليها، كذلك نحن الكرد، في دول كردستان الأربع في إيران والعراق وسوريا وتركيا، نواجه خطراً حقيقياً، بعدما طُمس تاريخنا، وحاولت تلك الأنظمة الديكتاتورية إلغاء هويتنا سواء من خلال التتريك والتعريب والتفريس، وأصبحنا كما قال الشاعر الفلسطيني محمود درويش ليس لنا إلا الريح".

بلد فتي وتعددية ثقافية

عندما تأتي إلى كندا سائحاً وتزور متاحفها، يستقبلك الدليل السياحي ويبدأ تعريفك بتاريخ كندا، وأول جملة يفتتح بها حديثه: "كندا بلد فتي وشاب، ولا تتجاوز آثاره الموضوعة هنا بداية الثورة الصناعية التي حدثت في القرنين الـ18 والـ19". وعندما تجول في المتحف ترى حداثة الآثار.

هذا البلد الفتي والشاب كما تقول ليندا لا يتجاوز عمره 600 عام، أي منذ بدء الاستيطان الأوروبي. وبالمقارنة مع دول الشرق الأوسط والصين وأوروبا فهو بلد فتي جداً. لكنها أشارت إلى أن شرق كندا أقدم من غربها، ذلك أن الاستيطان الأوروبي بدأ من هناك، وكان السفر من الشرق إلى الغرب محفوفاً بالمخاطر، عدا أن الاختلاف واضح حتى في قِدم البناء وطرائق تصميمه بين مقاطعات أونتاريو ونوفا سكوشا وكيبيك في الشرق،  مقارنةً بفانكوفر في الغرب مثلاً، والاختلاف هذا يعود إلى أن كندا أسسها أناس من قوميات وثقافات متنوعة.

فوائد التعددية الثقافية

يؤمن هفال بأنّ أهم أسباب تقدم كندا هو أنها بلد متعدد الثقافات. ولكن في رأيه هنالك فوائد لهذة التعددية وهناك مضار. يقول: "الفوائد تتفوق على المضار. إذ يجري دائماً الرفع من شأن قيم التسامح والاحترام المتبادل. علماً أن التعددية الثقافية تُزاوج بين وجهات نظر وخبرات مختلفة من سياسية واقتصادية اجتماعية وحقوق إنسان وتعليم وغيره ما يثري الثقافة الكندية وينعكس ايجاباً على الوضع العام".

كل السياسات الرسمية المتبعة تشجع على الاندماج في المجتمع الجديد مع التأكيد دائماً على ضرورة الفخر بالثقافة الأم. وعن "احتمال فشل التعددية الثقافية" لاحظنا أن إجابات الذين التقيناهم تعكس أحد نمطين أو أسلوبين من الثقافة أو التربية. فهيشكا تركّز اهتمامها على مسألة نشأة الأولاد في كندا وتعتبر أنهم ينمون باستقلالية كبيرة جداً ومبالغ فيها، "إذ يبقون في غرفهم الخاصة منذ سنواتهم الأولى، ويستقلون بحياتهم بشكل كامل اعتباراً من سن المراهقة، وإن كان ذلك الأمر جيداً من ناحية اكتسابهم الثقة بالنفس، فهو من جهة أخرى مضر جداً، لأنهم يبتعدون عن أولياء أمورهم، إلى درجة تصبح فيها العلاقة بين الطرفين باردة وينقصها التفاعل". أما في منغوليا بلد هيشكا الأصلي "فإن الأولاد يظلون قريبين من ذويهم جداً وتكون العلاقة بين الآباء والأبناء حارة وتفاعلية". وتذكر هيشكا اختلافاً آخر بين الشرق والغرب تعتقد أنه مهم، يتعلق بطقوس الطعام وتقاليده، وهو ما لا تجده في كندا، ففي بلدها أثناء تناول الوجبات يجب أن يلمس الطعام الأكبر سناً أولاً، ثم يتبعه بقية أفراد الأسرة، مضيفة أن مثل تلك التقاليد تحملها هي وسواها ويحاولون الحفاظ عليها.

أما فاليريا الروسية فترى أن التعددية نهج صحيح، ونقطة قوة لا نقطة ضعف، وتالياً لا يعتريها أي خوف من مشكلة هنا وأخرى هناك، وتؤكد أن ذلك طبيعي، و"أن المشكلات يمكن أن تحدث ضمن الثقافة الواحدة". تؤكد فاليريا أن "كل مجموعة عرقية أو قومية تجلب عاداتها وتقاليدها وثقافاتها، وأنا كروسية أصلاً وكندية الآن حملت تاريخ روسيا وعاداتها وتقاليدها، حتى أني وسواي من الروس نطبخ الطعام الروسي ونُعرّف الآخرين به وبكل تقاليدنا وعاداتنا. كما نتبادل الخبرات مع الثقافات الأخرى". وتختم: "إن الاستمرارية تكمن في التنوع، ذلك أن أصل الحياة تنوع واختلاف".

نشر هذا الموضوع على الموقع في 06.02.2015

كلمات مفتاحية
التراث

التعليقات

المقال التالي