صيد الخنازير البرية في المغرب رياضة وطنية

صيد الخنازير البرية في المغرب رياضة وطنية

في السابق، كانت ظاهرة القنص (الصيد) البري في المغرب مهنةً يعتمد عليها عددٌ كبير من السكان لكي يقتاتوا. ولكن القنص تحوّل، مع الاستعمار الفرنسي، إلى رياضة قائمة بذاتها.

يهدف القنص البري، حسب الترسانة القانونية المؤطرة له، إلى إقامة توازن بيئيّ في الطبيعة والحدّ من التزايد الكبير للطرائد والوحيش. ويُقصد بالوحيش كل الحيوانات التي تشكّل تهديداً للبيئة عند تكاثرها. لهذا الغرض، وضع المغرب دليلاً قانونياً لمراقبة نشاط القنص البري يضم 26 قانوناً. كما تؤطر "المندوبية السامية للمياه والغابات ومحاربة التصحّر" عملية القنص في المغرب بفضل إنشائها "المجلس الأعلى للقنص" الذي يحدّد مواسم القنص والأماكن المخصصة لهذا النشاط الرياضي تفادياً لوقوع أي تجاوزات. يقوم هذا المجلس، تشجيعاً منه على استمرارية نشاط القنص، بإطلاق الحجل في المحميات لتمكين الوحيش من التكاثر. كما أن المجلس يمنع القنص في مواسم توالد الطرائد والوحيش.

وإذا كان قنص الحمام الزاجل والأرانب المتوحشة وأنواع أخرى من الطيور يُعدّ سهلاً، فيعتبر قنص الخنزير البري صعباً وخطراً يتطلّب مجموعة من التدابير الاحتياطية لتفادي أي هجوم محتمل من الخنزير على القنّاص (الصيّاد).

لذا إن أردت أن تصبح قنّاصاً في المغرب، فعليك الامتثال لعدد من الشروط والمعايير التي يُحدّدها القانون، أبرزها اجتياز امتحان رخصة القنص. وإذا كان المشترع المغربي وضع "ترسانة" قوانين مهمة لتقنين عملية القنص، فإن المشترع نفسه نص على وجوب الانخراط في جمعيات خاصة برياضة القنص، تنضوي تحت لواء الجامعة الملكية المغربية للقنص. بهذا الخصوص، أكّد الجيلالي شفيق، الرئيس "المنتدب للجامعة المغربية للقنص"، بأن الأخيرة تعتبر شريكاً إستراتيجياً للدولة المغربية للحفاظ على التوازن البيئي من خلال آلية القنص المقنّن. وأضاف الجيلالي أن هناك إقبالاً كبيراً على هذه الرياضة، مشيراً إلى أن عدد الجمعيات المنخرطة بالجامعة يفوق الـ1000 موزّعة على 14 منطقة في المملكة.

إحاشة الخنزير البرّي

تدعى عملية قنص الخنزير البري في المغرب بـ"الإحاشة". وبحسب هشام مشتراي، رئيس جمعية القنص في الدار البيضاء، تعني عملية الإحاشة الإحاطة بالشيء للإيقاع به وصيده. يضيف مشتراي أن "الطريقة تختلف من منطقة إلى أخرى وبحسب المكان الذي ستتم فيه عملية الإحاشة"، ويوضح أن قنص الخنزير في الغابة يختلف عن قنصه في مكان مغلق مثل المزرعة. بالإضافة إلى أنّ السلاح المستخدم في قنص الخنزير البري يكون أقوى من سلاح قنص الطيور، إذ يتطلب استعمال سلاح "الخماسية" والرصاص الذي يتجاوز مداه الكيلومتر، والذي يُعتبر خطيراً. بالتالي، يجب اتخاذ العديد من التدابير الاحتياطية، بحسب  مشتراي، من بينها تحديد مسؤول في كل إحاشة يقوم بتوزيع القناصة ووضعهم في أماكن محددة.

تفيد المعلومات أنه على الرغم من أن عمليات الإحاشة تتم خلال فترة القنص التي يُحدّدها المجلس الأعلى للقنص، فإن هناك عمليات إحاشة طارئة تجري بناءً على الشكاوى التي يتقدّم بها عدد من سكان بعض المناطق، جراء الأضرار التي يخلّفها الهجوم المتكرر للخنزير وتكاثره الذي يُهدّد محصولهم الزراعي.

الإحاشة في الأماكن الجبلية والمفتوحة

وفقاً للمعلومات المستقاة من عدد من الصيادين، غالباً ما يكون تنظيم الإحاشة في الأماكن الجبلية والمفتوحة أقلّ خطراً من القنص في الأراضي الزراعية. ففي الأماكن الجبلية والمفتوحة، يضع المسؤول عن الإحاشة القنّاصة بمواجهة الجهة التي سيأتي منها الخنزير. وقبل انطلاق عملية القنص، يقوم الأفراد الذين يعرفون المنطقة جيداً بعملية الحياحة (الصياح بصوت عالٍ لإثارة انتباه "الحلوف" وخروجه من مخبئه). تُزعج هذه العملية الخنزير وتهيجه ليهرب عكس الجهة التي يأتي منها الصوت. وبالتالي، يقع بمواجهة مباشرة مع القناصين الذين يرمونه بالرصاص. لا بدّ أن لا يتجاوز القناصّ زاوية 30 درجة وإلا أصاب الزميل الذي يقف في خطّ مستقيم معه. يتفق القناصون على أنّه يمنع منعاً كلياً قنص الخنزير الذي تجاوز أحدهم، كما قنص أنثى الخنزير إذا كانت هاربة وخلفها صغارها.

الإحاشة في الأراضي الزراعية

تُعدّ هذه العملية أكثر خطورة بسبب وجود الأشجار داخل الأراضي الزراعية، مما يصعّب إصابة الهدف بسرعة. بحسب جمال بوكلمان، رئيس "جمعية الأطلس الصغير للقنص"، تتمّ عملية القنص في المزارع وفق اتفاق مسبق بين صاحب المزرعة والصيادين، بهدف محاربة الخنزير الذي يعبث بمحصول المزرعة. يوضح بوكلمان أن خطورة القنص في المزارع تكمن في أن الصيادين يختارون الوقوف خلف الأشجار لترصّد الهدف. تتمّ إحاشة الخنزير البريّ من خلفهم وبالتالي فهروبه يكون ناحيتهم، وعند مروره بجانبهم يجب مباغته بحذر. وقعت مجموعة من الحوادث المميتة في مثل هذه الأوضاع لأن الخنزير يباغت الصياد الذي أطلق الرصاص بدون تركيز، بل وقد يلتفت ناحية الإحاشة ويصيب الحياحة القادمين من الخلف.

يكشف بوكلمان أن عملية الإحاشة تلعب دوراً كبيراً في إقامة التوازن البيئي في المناطق التي يوجد فيها الخنزير البري، لا سيما أن الأخير بات يشكل تهديداً لسكان بعض المناطق النائية "الأضرار التي يخلّفها الخنزير دفعت بعدد من الفلاحين بمنطقة تافراوت التي تعتبر عاصمة جبال الأطلس الصغير إلى العدول عن زراعة أراضيهم". يشبّه بوكلمان هجوم الخنزير على المحاصيل الزراعية بداء "الطاعون"، موضحاً أن عدداً من سكان دوار "أيت أومزيل" بالقرب من مدينة أكادير، قرروا عدم مغادرة منازلهم بعد أذان صلاة المغرب، لتزامن ذلك مع فترة خروج الخنزير من مخبئه.

مصير الخنزير بعد رحلة القنص

يتساءل عددٌ كبير من متتبعي عمليات صيد الخنزير البريّ عن مآل الطريدة التي يتم صيدها. سؤال طرحناه على أحد الصيادين، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، فكان جوابه: "بعد نهاية كل عملية قنص، تتكلّف مندوبية المياه والغابات ومحاربة التصحر بجمع الخنازير البريّة وإحراقها، على اعتبار أن أكلها حرام، وكون المجتمع المغربي مسلماً".

تُحرّم الديانة الإسلامية أكل لحم الخنزير. وتبعاً لذلك، لا يحبّذ المجتمع المغربي أكل لحم الخنزير البريّ على الرغم من اختلافه عن لحم الخنزير الأليف أو المستأنس. لكن وفقاً للصيّاد ذاته، يعتبر سكان بعض المناطق الجبلية التي رفض الكشف عنها، أن أكل لحم الخنزير البريّ غير محرّم. ويبررون ذلك باعتقادهم أن الخنزير البريّ يختلف عن الوردي من حيث البنية الجسمية وأنه يرعى في الغابات والحقول.

يضمّ  فريق القنص أحياناً أجانب لا يمانعون من استهلاك لحم الخنزير البري، فيسرعون إلى إزالة الأحشاء من الخنزير المصطاد لتفادي أي ضرر يصل لحمه، ويقسّمونه إلى أجزاء، بعد التخلي عن الرأس والقوائم.  من جهة أخرى، يستغفل القنّاصون المغاربة أحياناً ممثلي "المندوبية السامية للمياه والغابات ومحاربة التصحر" بإخفائهم بعض الخنازير المصطادة من أجل بيعها فيما بعد لأجانب يقيمون في المغرب أو يملكون مطاعم يقصدها سيّاح.

نشر هذا الموضوع على الموقع في 27.10.2014

كلمات مفتاحية
الصيد المغرب

التعليقات

المقال التالي