المدواخ، كيفُ شباب الخليج

المدواخ، كيفُ شباب الخليج

ثوانٍ قليلة كافية لأي مدخّن "ليملأ رأسه" بتدخين دوخة بمدواخه الخشبي، أو بالتحديد 7 ثوانٍ بحسب الدكتورة وداد الميدور، مديرة برنامج مكافحة التبغ الدولي التابع لوزراة الصحة في الإمارات العربية المتحدة. تقول الميدور أن المدواخ هو "أداة تستخدم لحرق التبغ وشفطه عن طريق الفم ليصل إلى الرئتين، من ثم يصل النيكوتين للمستقبلات بكميّة مركّزة. ولذلك، يسبّب الدوخة".

لكلّ من لا يعرف المدواخ، فهو أداة أشبه بشكلها إلى الغليون إنما أصغر حجماً. يُصنع من الخشب وله أشكال كثيرة. في البداية، لجأ المدخّنون إلى عظام الحيوانات المجوّفة كمدواخ، إلا أنهم باتوا يستخدمون خشباً استثنائياً ذا تصاميم جذابة.

أما "الدوخة" فهو التبغ المستخدم، و"المضرب" العلبة التي توضع فيها كمية من التبغ تكفي بضعة أيام، في حين تستخدم محفطة لحفظ أدوات التدخين هذه، بالإضافة إلى الفلاتر، وهي مصفاة توضع على رأس المدواخ وتأتي نوعَين، عادي وتوربو. يوضع في المدواخ تبغ عربي يُزرع في مناطق غنية بالمياه العذبة وحيث الأنهر الصغيرة ويعتمد على المواد العضوية كأسمدة. يتمّ تجفيف أوراق هذا التبغ طبيعياً بوضعها في الظلّ ليعمل هواء المنطقة الدافئ على تجفيفها.

ليس المدواخ عادة أو هواية جديدة. إنه معروف جداً في المجتمع الخليجي، لا سيما في الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان، وبات أخيراً منتشراً في دول خليجية أخرى. إلا أن هناك لغطاً واختلافات حيال نشأته. يقول البعض إنه انتقل إلى المجتمع الإماراتي بفضل حركة التجارة مع دول مجاورة كإيران والعراق، بينما يؤكّد البعض الآخر أنه ابتكار محليّ اخترعه سكان الجبال للحصول على متعة التدخين بواسطة أداة مصنوعة يدويّاً من العناصر المتوافرة في البيئة.

عُرف المدواخ في الإمارات قبل فترة طويلة كأداة تدخين يستخدمها كبار السنّ أثناء مجالس السمر، إلا أن كثيرين يتّفقون على أنه ولد في سلطنة عمان قبل عقود. وإذا أردنا العودة إلى التاريخ، فقد دخل التبغ إلى منطقة الشرق الأوسط عام 1500 وخلال الإمبراطورية العثمانية، جرت محاولات عدّة لوقف وحظر تدخين كل أنواع التبغ.

مهما كان مصدره، بات المدواخ منتشراً في المجتمع الإماراتي، لا سيما بين الشباب. تشير الميدور إلى أنه حتى الآن ليس ثمة إحصاءات دقيقة عن المدواخ وأن "الإحصاءات المتوافرة هي عن استخدام التبغ الذي يصل 16% في الفئة العمرية بين 13 و15 عاماً".

إلا أنّ أحد المسؤولين في كبرى الشركات الإماراتية لبيع تبغ المدواخ، "سكوربيون" Scorpion  التي تأسست عام 2010 أكّد أن أغلبية زبائنهم إماراتيون فوق الـ18 من العمر وذوي دخل متوسط أو مرتفع. وأشار إلى أن أهم أسواق المدواخ هي الإمارات العربية المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدة.

غير أن المدواخ على غرار السجائر والشيشة يُعتبر مضرّاً بالصحة لا بل آفة اجتماعية، بحسب الميدور. كثيرون قد "جرّبوا" المدواخ وهم لم يتجاوزوا عمر 11 عاماً أو حتى باتوا من المدخينين المنتظمين وهم ما زالوا في المدرسة لأنهم يريدون مشاركة الأصدقاء في طريقة التدخين هذه.

يعتبر هؤلاء الشباب أن ميزات المدواخ متعددة: الشعور بأن رأسك يدور، والرائحة الجميلة التي لا تلصق بالملابس خلافاً لرائحة السجائر العادية، مما يجعل التدخين أمراً سهلاً بعيداً عن أنظار الأهل. وليس انتشار المدواخ بين الشباب الإماراتي استثناءً، لا بل هو منتشر في مدارس قطر والبحرين وبات أخيراً منتشراً في المملكة العربية السعودية.

ترى الميدور أن المشكلة الأكبر في المدواخ تكمن في أن "جميع أنواع التبغ مضرّة، إلا أن المدواخ تحديداً يوصل كمية كبيرة من النيكوتين إلى الدماغ في فترة قصيرة جداً" وتؤكد أن تأثيراته مشابهة للإدمان على مادة النيكوتين. فمن بين أضرار تدخين المدواخ التي لا تقلّ عن السجائر أو الشيشة، نجد الإصابات بالجلطة الدماغية وانسداد الشراين والتهاب الرئتين والحلق بالإضافة إلى سرطان اللثة والشفاه واللسان.

وعلى الرغم من كل أضرار التدخين على أنواعه التي أضحت معروفة عربياً وعالمياً، ما زالت التوعية غير كافية والجهود ناقصة للحدّ من استهلاك المدواخ. وفي هذا السياق، تشدّد الميدور على أن الجهود باتت تُبذل في الخليج العربي، لا سيما بفضل قانون مكافحة التدخين الذي أقرّه وزراء الصحة في دول مجلس التعاون الخليجي من أجل تنظيم كل أنواع التبغ ومن ضمنها المدواخ.

وتلفت الميدور إلى أن رفع أسعار المدواخ والدوخة قد تساهم في الحدّ من استخدامه بين الشباب، مشيرةً إلى أن استخدامه بين الشباب "ما زال ظاهرة جديدة وتحتاج للمزيد من الأبحاث والدراسات من أجل محاربتها محاربة فاعلة ومسؤولة".

باميلا كسرواني

صحافية لبنانية عملت في مجال الصحافة المرئية والمسموعة وتعمل في الصحافة الإلكترونية بين دبي ولبنان. تحمل ماجستير في الإعلام من جامعة السوربون الفرنسية.

كلمات مفتاحية
الخليج

التعليقات

المقال التالي