مقبرتا الجنود الحلفاء تتحولان إلى منتزهات لسكان غزة

مقبرتا الجنود الحلفاء تتحولان إلى منتزهات لسكان غزة

كأنهما قطعتان فنيتان من أوروبا وليستا في أرض قطاع غزة، إحداهما في شماله والأخرى في وسطه. المكانان عبقهما غربي، وتشكل الأشجار الخضراء سوراً لهما وتنتشر فيهما الورود والشواهد. إنهما مقبرتا جنود الحلفاء الذين قتلوا في الحرب العالمية الأولى (1914-1918) في المعارك التي دارت على أرض غزة. وهما من أقدم المقابر في فلسطين اليوم.

وصف إحداهما ينطبق تماماً على الأخرى، وجمال المكانين حوّلهما إلى مزار للراغبين في التأمل والهروب من واقع الحياة الصعب، ليجدوا بين الشواهد المنتظمة ما يفتقدونه في محيطهم، وفي البساط الأخضر من الأعشاب مكاناً جميلاً للاستراحة.

ورغم إصرار الغزيين على تحويل المقبرة لمكان استجمام، فإن القائمين عليها يؤكدون أنها ليست متنزهاً وإن كانت مفتوحة للزوار. مع ذلك، يتساهل القائمون عليها مع الناس ويتيحون لهم الاستمتاع بها. تفتح المقبرة أبوابها يومياً باستثناء الخميس والجمعة، باعتبارهما يومي إجازة، في نظام يماثل ما يتّبع في الحدائق والمتنزهات لا في المقابر. بذلك تحولت مقبرة قوات الحلفاء من مكان رقد فيه الأموات إلى متنفس للأحياء في غزة.

مزار للعائلات

في المساحات الخضراء داخل “مقبرة الانجليز”، كما يحلو لأهل غزة تسميتها، تجلس العائلات بكبارها وصغارها. تمتد أرض المقبرة على سبعة وعشرين دونماً قُدمت هبة من شعب فلسطين لدفن جنود قوات الحلفاء المتوفين خلال الحرب العالمية الأولى. يقول خالد أبو زايد، أحد الساكنين بالقرب من المقبرة "تحولت إلى مزار للعائلات المقيمة بالقرب منها خاصة في فصل الصيف ومع ازدياد ساعات انقطاع التيار الكهربائي. لا يجد الناس مكاناً للخروج إلا مقبرة الإنجليز". ويضيف خالد إنه بات يشاهد عائلات تأتي بسياراتها من أماكن بعيدة لزيارة المقبرة وقضاء الوقت فيها.

مقبرتا الجنود الحلفاء تتحولان إلى منتزهات لسكان غزة - صورة 1

أما أحمد أبو غزالة، أحد الزائرين للمقبرة فيقول: "لا يوجد في قطاع غزة حدائق أو أماكن مخصصة للعائلات وبعيدة عن صخب الحياة، لذا لا أجد سوى مقبرة الإنجليز خياراً متاحاً أمامي للاستمتاع". ويضيف أنه يأتي هنا بين حين وآخر ويستمتع بقراءة شواهد القبور ومعرفة جنسيات أصحابها.

وحدة الأديان على أرض المقبرة

سبعمائة وثلاثة وثلاثون جندياً يرقدون في أرض المقبرة وسط قطاع غزة. وما يقرب من أربعة آلاف جندي يرقد في المقبرة الأخرى شمال قطاع غزة. أما جنسياتهم وبياناتهم فنجدها منقوشة على شواهد قبورهم. لا تستغرب إذا وجدت إنجليزياً يرقد بجوار كندي أو فرنسي أو إيرلندي. حتى الأديان توحدت على أرض المقبرة، فنجمة داود التي ترمز إلى الدين اليهودي تجدها منقوشة على أحد شواهد قبور القتلى اليهود من جنود الحلفاء بجوار شواهد نقش عليها الصليب، وليس بعيداً عنهما تجد الهلال منقوشاً على شواهد قبور ثلاثة جزائريين كانوا ضمن قوات الحلفاء. في الركن الشمالي من المقبرة، نصب تذكاري للقتلى الهنود المسلمين، يقابله نصب آخر للهنود الهندوس.

بعض القبور مكتوب عليها عبارات تدل على وضع صاحب القبر، فيوجد قبران متلاصقان لاثنين بينهما صلة قربى، وقبر كتب عليه “ابن أبيه الوحيد”، كما هنالك كلمات نثرية تقال في المتوفين الذين تراوح أعمارهم بين سبعة عشر وثمانية وعشرين عاماً.

مقبرتا الجنود الحلفاء تتحولان إلى منتزهات لسكان غزة - صورة 2

حارس المقبرة موظف هيئة الكومنولث

اذا ما أتيحت لك الفرصة لزيارة المقبرة فسترى رجلاً مسناً يتحرك كالنحلة بين شواهد القبور، ينظم أرض هذا القبر ويقلع الحشائش عن قبر آخر، ويهتم بالمزروعات. إنه محمد عواجة حارس المقبرة، الذي يسكن مع عائلته في بيت فيها منحته إياه حكومة المملكة المتحدة.

يعمل محمد حارساً للمقبرة بقرار من هيئة الكومنولث (هيئة أسستها الحكومة البريطانية للإشراف على مقابر الحروب) منذ نحو عشرين عاماً، وقد حصل على وسام شرف من المملكة المتحدة تقديراً لأعماله. يعتبر أن المقبرة جزء من حياته، فهو مقيم فيها وعلى دراية بقصة كل متوفىٍ فيها ونوع عمله في قوات الحلفاء، وهذا ما جعله يتحول إلى “مرشد سياحي” لزوار المقبرة.

مقبرتا الجنود الحلفاء تتحولان إلى منتزهات لسكان غزة - صورة 3

بعض أعضاء هيئة الكومنولث يأتون في فترات ليست متباعدة للاطلاع على أوضاع المقبرة. يتذكر محمد العائلات البريطانية التي كانت تأتي لزيارة المقبرة دورياً، والتي كانت توكل إلى أشخاص إرسال صور لقبور أبنائهم المدفونين هنا، إلا أن عددهم قل كثيراً بسبب الأوضاع السياسية.

توفر الحكومة البريطانية موازنة مالية كبيرة، للحفاظ على جمال المقبرة، إذ يتبع لها مثلاً مشتل كبير لزراعة الزهور، مهمته تزيين المقبرة واقتلاع الشتول اليابسة وغرس شتول جديدة مكانها، وهناك مشغل خاص في فرنسا يقوم بصنع شواهد القبور واستبدال ما يتلف منها.

كلمات مفتاحية
غزة فلسطين

التعليقات

المقال التالي