أين العالم العربي اليوم من مرض التوحد؟

أين العالم العربي اليوم من مرض التوحد؟

في مارس 2008، أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة تخصيص الثاني من أبريل يوماً للتوعية وتسليط الضوء على الحاجة إلى تحسين حياة الأطفال والبالغين الذين يعانون من التوحّد على نحو يكفل لهم حياة كريمة. وبرغم مرور 72 عاماً على أول تشخيص لاضطراب التوحد على يد الطبيب الأمريكي ليو كانر، ما زال هذا المرض الأكثر غموضاً بين الاضطرابات العصبية والذهنية لدى الأطفال، لا سيما مع عدم التوصل للأسبابه الحقيقية أو لوسائل علاجه.

يعرف اضطراب التوحد بحسب الدليل التشخيصي الإحصائي في طبعته الخامسة على أنّه "حالة من القصور المزمن في النمو الارتقائي للطفل يتميّز بانحراف وتأخر في نمو الوظائف النفسانية الأساسية المرتبطة بنمو المهارات الاجتماعية واللغوية، وتشمل الانتباه، والإدراك الحسي، والنمو الحركي". تبدأ هذه الأعراض خلال السنوات الثلاث الأولى ولم تُكتشف حتى الآن العوامل النفسية والبيئية المسبّبة لها، بل يغلب الظن بأنّ العوامل المسببة ذات جذور عضوية في المخ والجهاز العصبي المركزي.

وفيما تزخر الدول الغربية بعدد من البحوث ومراكز تشخيص ورعاية المصابين بالتوحد، تعاني الدول العربية من نقص في الخدمات المتوفرة لمئات الأطفال المتوحدين وسط غياب تام للمعلومات المتعلقة بكبر المشكلة.

أمضت لمى أربعة أعوام في محاولة فهم حالة ابنها الصحية. وبعد مراجعات للأطباء والمختصين، تمّ تشخيص حال طفلها بأنه مصاب بالتوحد، إلا أنّ معضلتها لم تنتهِ، لا بل امتدت لما بعد ذلك من محاولات باءت جميعها بالفشل جعلتها تشعر أن ولدها أصبح "حقل تجارب لعلاجات فاشلة".

وحاولت لمى وضع طفلها في حضانة الأطفال التابعة لوزارة التربية والتعليم الأردنية. ولكن، بعد فترة قصيرة، طلبت الإدارة منها نقل ابنها إلى مركز متخصص. وتجمع المراكز الحكومية أو ما يعرف بـ"المنارات" الأطفال المصابين بالتوحد مع الأطفال الآخرين من ذوي الاحتياجات الخاصة. وهو دمج أثّر، بحسب لمى، سلباً على طفلها. فبدلاً من أن تتحسّن حالته تراجعت. وكان وضع طفلها في المراكز الخاصة يفوق قدرتها المالية، إذ تراوح الكلفة الشهرية بين 600 و1200 دولار، وهي باهظة جداً في بلد يُقدّر متوسط دخل الفرد السنوي فيه بـ5200 دولار.

في سعيها لتوفير الرعاية اللازمة لنجلها، تعمل لمى اليوم منظفة في إحدى الجميعات التي تُعنى بالأطفال المصابين بالتوحد. وإلى الراتب الرمزي، تعهّد المالك بتوفير التدريب والتأهيل لابنها مجاناً. تُعدّ لمى واحدة من المحظوظات اللواتي تمكنّ من إيجاد جهة تتكفل رعاية طفلها بينما لا تجد أُسر فقيرة كثيرة أي وسيلة لمساعدتها في رعاية أبنائها.

لا يختلف الوضع في الأردن عن الوضع في باقي الدول العربية. فغالبية المؤسسات المعنية بالتوحد تابعة للقطاع الخاص. يقول أستاذ التربية الخاصة والتوحد في جامعة الحسين بن طلال، الدكتور غالب الحياري: "للأسف تفتقر الدول العربية بشكل عام للتشريعات التي تضمن حقوق المصابين بالتوحد من حيث الرعاية وخدمات التأهيل. في حين أن غالبية المبادرات الوطنية التي يتمّ اطلاقها هي آنية تنتهي مع انتهاء مدة المشروع. وبذلك، تبقى المؤسسات الوحيدة المعنية بالتوحد هي المؤسسات التابعة للقطاع الخاص".

الدول العربية الرائدة في اهتمامها بالتوحّد

ولكن ثمة تجارب أكثر نجاحاً انطلقت في بعض الدول العربية، تحديداً لبنان والكويت. يقول الحياري: "في هاتين الدولتين، تمّ وضع برامج تعديل سلوكي فعّال للتعامل مع المصابين بالتوحد". يعزو الحياري ذلك إلى أنّ إدارة المؤسسات فيهما تتبع القطاع التطوعي المكون من جمعيات خيرية ودينية.

ويُعدّ مركز الكويت للتوحد أحد أبرز المراكز المتخصصة في دول الخليج. تأسّس عام 1994 ويتبع الأمانة العامة للأوقاف الكويتية كما يعتمد على الدولة ودعم المتبرعين ويوفّر خدمات التشخيص والبرامج التدريبية المتخصصة وتأهيل الكوادر للتعامل مع التوحّد.

أما في لبنان، فرغم وجود أكثر من جمعية تطوعية، تبقى الجمعية اللبنانية للتوحّد الأكثر بروزاً. ومنذ عام 2005، نجحت في توفير خدماتها لنحو 600 طفل مصاب بالتوحد، في حين يبقى نقص التمويل العائق الوحيد الذي يحول دون وصولها لعدد أكبر من الأطفال.

إلى الكويت ولبنان، تُبذل جهود في تطوير مراكز على مستوى عالٍ في كل من الإمارات العربية المتحدة وقطر. تعمل دول الخليج على استقطاب كفاءات عربية وأجنبية لتطوير برامج التعامل مع مرضى التوحد، بحسب الحياري.

لا أعداد دقيقة

لا تتوفّر أي دراسة موثّقة لنسبة المصابين باضطراب التوحد في الدول العربية وانما يقتصر الأمر على تقديرات جزئية. ففي لبنان، أجرى المركز الطبي التابع للجامعة الأمريكية في بيروت العام الماضي دراسة شملت أطفالاً تراوح أعمارهم بين 16 شهراً وثلاث سنوات في دور حضانة بيروت الكبرى وجبل لبنان. وبيّنت هذه الدراسة أنّ نسبة انتشار التوحّد هي حالة واحدة على كل 67 طفلاً. أما في مصر، فتُقدّر الأمانة العامة للصحة النفسية عدد المصابين بـ800 ألف أي ما نسبته 1% من السكان.

وفي السعودية، أجرت جامعة الملك سعود بالتعاون مع الجمعية السعودية الخيرية للتوحد دراسة أظهرت أن أعداد المصابين يصل إلى 120 ألفاً. إلا أنّ الدراسة أشارت أيضاً إلى أنّ خجل الأهالي من التصريح يسبب عائقاً كبيراً لحصر أعداد المصابين.

تجدر الإشارة إلى أنّ الدراسات العالمية تظهر ارتفاعاً ملحوظاً في عدد الأطفال الذين تمّ تشخيصهم. فعام 2000، كانت النسبة واحد لكل 150 طفلاً. وبحسب آخر الدراسات الصادرة عن مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية CDC عام 2010، ارتفعت النسبة إلى واحد لكل 68 طفلاً.

يقول مستشار حالات التوحّد وصعوبات التعلم، الدكتور جاك سركيس: "فعلياً، لا يمكننا التعويل على النسب التي تحدثت عنها مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها. تعتمد هذه الأرقام على دراسات مستمدة من خمس مناطق في العالم ولا تشمل الدول العربية". ويوضح: "لعل الفارق في نسب الإصابة بالتوحد يعود إلى الاختلاف على تعريف الاضطراب، فضلاً عن الخلط بينه وبين اضطرابات أخرى". ويتابع: "في الأردن على سبيل المثال، يبلغ عدد الحالات المسجلة رسمياً لدى المجلس الأعلى لشؤون الأشخاص المعوقين 3000. لا تعكس هذه الأعداد الواقع، فهناك العديد من الحالات غير المعرّفة فضلاً عن حالة الإنكار لدى العديد من الأسر".

رغم وجود حالات الإنكار، يلفت سركيس إلى حصول تقدم كبير في درجة الوعي لدى الأسر في التعامل مع أطفالها، ويقول: "تستطيع المراكز المتخصصة المساهمة في تحسين حالة الطفل بنسبة 10%، لكن الدور الأكبر هو للأسرة".

هل من علاجات متوفرة؟

يخبرنا سركيس: "إلى الآن، لم يتمّ تحديد العوامل المسببة لهذا الاضطراب. وتندرج الأسباب ضمن إطار الفرضيات التي توزّعت بين عوامل جينية ووراثية وأخرى بيئية كظروف الحمل والولادة أو نقص الأكسجين عند الولادة أو اللقاحات، وانتقال الفيروسات والأمراض المعدية، وتناول بعض المواد الكيميائية السامة، أو خلل في المناعة".

ويتابع: "لأن السبب غير معروف، تبقى التدخلات العلاجية ضمن إطار الفرضيات، إذ لم يتم إثبات علاج ناجع للاضطراب باستثناء التدخلات السلوكية التي تُساهم في تحسن حالة الطفل لا شفائه". ويقول: "للأسف، تسعى جهات عدّة لاستغلال معاناة أهالي الأطفال عن طريق طرح علاجات لم تُثبت فعاليتها على غرار الأدوية والعلاج بالأكسجين المضغوط والبدلة العلاجية TheraSuit واخضاع الطفل لنظام غذائي معين"، مضيفاً "تمتاز تلك العلاجات بكلفة عالية جداً تصل إلى آلاف الدولارات. في المقابل، لا يشعر معظم الأطفال بتحسن. ليس هذا النوع من العلاجات سوى متاجرة بأحلام الأهالي بتحسن أبنائهم".

ويختم: "أكثر ما تحتاج إليه الدول العربية اليوم هو توفير التأهيل اللازم للخريجين الجدد للتعامل مع حالات التوحد، لأن غالبية العاملين حالياً في هذا المجال هم من خريجي التربية الخاصة. آن الأوان لاستحداث تخّصص جامعي يُعنى باضطراب التوحد على وجه التحديد. فبغض النظر عن مدى قدرة الدول العربية على توفير المباني والمراكز المختصة بالتوحد، يبقى النقص كبيراً في الكوادر البشرية المؤهلة لمواجهة هذا التحدي".

نادين نمري

صحفية أردنية متخصصة في صحافة حقوق الإنسان، لديها اهتمام خاص بقضايا الحريات الدينية والأقليات في الشرق الاوسط، والجندر وحقوق الطفل والأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، مناهضة لعقوبة الاعدام. حائزة على جائزة صحافة حقوق الانسان للعام 2015 المقدمة من منظمة صحفيون لحقوق الإنسان ومعهد الإعلام الاردني. تعمل في مجال الصحافة المكتوبة منذ 12 عاما.

كلمات مفتاحية
الـ22 الأطفال الطب

التعليقات

المقال التالي