“ماما منيرة”، 70 عاماً، عميدة القابلات الأردنيات

“ماما منيرة”، 70 عاماً، عميدة القابلات الأردنيات

كل يوم، تستقل الحافلة في السادسة صباحاً وتقطع 80 كيلومتراً من منزلها في العاصمة عمان إلى مخيم الزعتري للاجئين السوريين من أجل تقديم خدمة القبالة القانونية للاجئات السوريات هناك. منيرة شعبان التي لم تثنِها سنوات عمرها السبعين عن مواصلة مهنة التمريض لتنال بذلك لقب "عميدة القابلات الأردنيات" مع خبرة بلغت 50 عاماً في هذا المجال.

حالما تصل إلى عيادات جمعية العون الصحي في المخيم قرابة الثامنة صباحاً، تبدأ بمتابعة اللاجئات الحوامل وتقدم لهن المشورة في مجالات الصحة الإنجابية وتنظيم الأسرة. في العيادات، تُطلق عليها النساء لقب "ماما منيرة". تقول شعبان لرصيف22: "في الواقع، يُطلق عليّ المراجعون في المخيم ألقاباً كثيرة. بعضهم يناديني دكتورة، وآخرون عمّة، لكنّ الغالبية ينادونني "ماما منيرة". أعتقد أن السبب وراء ذلك تقدّمي في السنّ، فضلاً عن قربي العاطفي من غالبية النساء المراجعات". وتضيف: "لهذا اللقب وقع كبير في قلبي. فقدت طفلتيّ قبل عقدين من الزمان. وهنا، عاد لي شعور الأمومة. أشعر أننّي أم لكل السيدات وجدة لكل أطفال المخيم".

تقول مسؤولة العيادات في المخيم الدكتورة علا الطيباوي: "تمكّنت منيرة من عقد علاقة قوية مع المراجعات. هنّ شعرن بالراحة أثناء التعامل معها ويثقن برأيها، فهي تجمع حنان الأم والشخصية المهنية القوية. وتتابع الطيباوي: "هذه الميزة دفعت بعيادات العون لاختيارها المسؤولة عن جلسات التوعية الصحية في المخيم. خلال فترة قصيرة، اخترقت مجتمع الزعتري الذي بات يتقبّل أفكاراً طالما كانت من المحرمات، تحديداً في ما يخص مسألتي المباعدة بين أوقات الحمل ومكافحة الزواج المبكر". وتقول: "رغم أنّ وظيفتها هي رعاية النساء، فقد نجحت منيرة في التواصل مع رجال المخيم واقناعهم بأهمية دعم زوجاتهنّ في مسائل تنظيم الأسرة والمباعدة بين فترات الحمل".

ماما منيرة .. 70 عاماً، عميدة القابلات الأردنيات

تجمع كل جلسة ما بين 20 و30 سيدة من المخيم. بحسب شعبان، تهدف تلك الجلسات إلى توعية النساء في مواضيع الصحة العامة ورعاية الأطفال، فضلاً عن الصحة الإنجابية التي تشمل التنظيم الأسريّ، والعناية بالصحة في فترة ما بعد الولادة، والفحوص المطلوبة لحديثي الولادة، وأهمية الرضاعة الطبيعية وطرائقها الصحيحة، بالإضافة إلى التوعية في شأن مخاطر الزواج المبكر على الفتيات.

"التعامل مع مجتمع اللاجئين ليس بأمر جديد علي" تقول شعبان، فهي سبق أن تعاملت مع اللاجئين الفسطينيين عام 1967، ثم مع اللاجئين العراقيين عام 2003. بفضل خبرتها التي استمرت نصف قرن، ترى شعبان أنّ غالبية النساء يشتركن في المشاعر ذاتها لدى الحمل والولادة بغضّ النظر عن ظروفهنّ، سواء كنّ لاجئات أم لا، ولكن تبقى للنسوة اللاجئات خصوصية مختلفة. فهنّ يلدن بعيداً عن أوطانهنّ بدون أدنى فكرة عن المستقبل الذي ينتظر أطفالهنّ.

أُنشئ صندوق الأمم المتحدة للسكان عيادات العون الصحي مع بداية تأسيس المخيم عام 2012. وتركّزت خدمات هذه العيادات على متابعة حالات الحمل في المخيم والتوعية في شأنها، وذلك من خلال 4 عيادات، إحداها عيادة الولادة الطبيعية التي تم افتتاحها عام 2013. رأى النور في العيادة حتى منتصف فبراير الماضي، وفق مسؤولة الإعلام في صندوق الأمم المتحدة زينة حوارني، 2700 مولود. تقول شعبان: "نشهد كل يوم في المخيم حوالى سبع ولادات. لست في عداد كوادر التوليد اليوم. لكنّ مشاهدة طفل يبصر النور لأول مرة هي من أكثر الأمور التي تبث السعادة في النفس". تمضي شعبان ثماني ساعات في المخيم لتقلّها بعد ذلك الحافلة نفسها مع زميلاتها إلى منازلهن في عمان. طريق العودة تستغرق في الغالب ساعتين، فتصل إلى منزلها حوالى السادسة مساءً. تقول شعبان: "لا أرى في القبالة وظيفة إنّما أسلوب حياة وشغف".

في منزلها في منطقة أبو نصير، خصّصت شعبان زاوية لعرض دروع التكريم التي تسلّمتها خلال مسيرتها المهنية التي استمرت نصف قرن. في مكان بارز، تضع شعبان درعاً تسلّمتها من الملكة نور، يُحيط بالدرع عددٌ من الدروع الأخرى التي منحتها إياها منظمات أممية وجمعيات محلية. تفاني شعبان في العمل جعل منها محطّ إعجاب العديد من الشخصيات الأممية أيضاً، فمُنحت لقب "رائدة في مجال العمل الانساني في الأردن" من قبل المدير التنفيذي لصندوق الأمم المتحدة للسكان باباتوندي أوشوتيميهينBabatunde Osotimehin، في مناسبة اليوم العالمي للعمل الإنساني قبل عامين.

مسيرة شعبان المهنية توزّعت بين 30 عاماً أمضتها في مستشفيات وزارة الصحة الأردنية و20 أخرى في معاهد التمريض والجمعيات التطوعية، لكنّ الولوج إلى هذا المسار لم يكن بالأمر السهل. "كنت من الفتيات الأوليات اللواتي درسن التمريض عام 1961، وكنت أبلغ من العمر حينذاك 16 عاماً. رغم موافقة والدي ووالدتي على خياري، فإن عمّي رأى أنّ دخولي هذا المجال يجلب العار للعائلة، لأنّ مهنة التمريض تتطلّب الاختلاط بالرجال والعمل في مناوبات ليلة". وتضيف: "أذكر أن خلافاً شديداً وقع بين والدي الذي احترم رغبتي وعميّ. رغم ذلك، توجّهت إلى أحد مستشفيات القدس للدراسة. بعد عام، أذكر أنّ عمّي طلب يدي للزواج من نجله لكننّي رفضت وأصررت على استكمال دراستي".

وعن دراستها للتمريض، تقول "في البداية، كانت توكل إلي مهمات متواضعة كتنظيف المرافق وغرف المستشفى، إذ كانت عمليات الولادة حكراً على القابلات الأجنبيات. بعد عامين من التدريب، تمّ تعيني ممرضةً مساعدة، وعام 1965 أجريت أول عملية ولادة". تتابع: "لم يتوقف طموحي عند هذا الحد. بدعم من زوجي، تقدمت لامتحان الثانوية العامة عام 1982 ونجحت بتفوق. ثم التحقت بإحدى الجامعات البريطانية للحصول على الشهادة الجامعية في القبالة".

أما حياة "ماما منيرة" الشخصية فلم تكن دائماً سعيدة. تزوجت في العام 1980 وأنجنبت طفلتين. "للأسف لم تسرِ حياتي كما كنت أتمنى. توفيت طفلتاي إثر مرض عضال. كانت إحداهما تبلغ تسع سنوات والأخرى 13 عاماً، وبعد ذلك توفي زوجي". لكنها تقول بلا تردد: "الألم الذي عشته كان دافعاً للعطاء. بعد وفاة جميع أفراد أسرتي وتقاعدي من العمل في وزارة الصحة، خصّصت حياتي للعمل التطوعي. حالياً أنا ناشطة في الجمعية الأردنية للعناية بمرضى السكري، وجمعية أمراض الدم، وجمعية مكافحة أمراض السرطان الأردنية فضلاً عن ملتقى سيدات الأعمال والمهن الأردني". وتضيف: "أؤمن بأهمية التمكين الاقتصادي للمرأة وضمان حقها في التعليم وحمايتها من الزواج المبكر. أسعى لإيصال تلك الرسالة إلى كل الأمهات لضمان مستقبل أفضل لبناتهن، سواء كان ذلك من خلال عملي في مخيم الزعتري أو من خلال نشاطات الجمعيات التطوعية التي أنتمي إليها".

نادين نمري

صحفية أردنية متخصصة في صحافة حقوق الإنسان، لديها اهتمام خاص بقضايا الحريات الدينية والأقليات في الشرق الاوسط، والجندر وحقوق الطفل والأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، مناهضة لعقوبة الاعدام. حائزة على جائزة صحافة حقوق الانسان للعام 2015 المقدمة من منظمة صحفيون لحقوق الإنسان ومعهد الإعلام الاردني. تعمل في مجال الصحافة المكتوبة منذ 12 عاما.

التعليقات

المقال التالي