الموالد الشعبية في مصر: طقوس ربّانية في مواجهة التطرف

الموالد الشعبية في مصر: طقوس ربّانية في مواجهة التطرف

تعد الموالد الشعبية من أكثر العادات حضوراً وبهاءً في الثقافة الشعبية المصرية، ففيها تتجسد أبرز التقاليد وتكشف الكثير عن ملامح هذا الشعب ذي النزعة الصوفية الرافضة للتطرف الديني.

تاريخيّاً، دخلت الموالد الشعبية إلى مصر على أيدي الفاطميين، في القرن العاشر الميلادي. وتؤكد الكثير من المراجع التاريخية والدراسات الأدبية مثل "موسوعة مصر القديمة" للمؤرخ سليم حسن، وكتاب "الموالد والتصوف في مصر" لنيكولاس بيرخمان، أن الاحتفالات الشعبية بموالد الأولياء والقديسين امتدادٌ تاريخي لما كان يفعله قدامى المصريين في احتفالاتهم بموالد الفراعنة والآلهة، والتي كان من أهم ملامحها تقديس صاحب المولد المحتفل به. كما تشير المراجع إلى أن الكرامات والخوارق المنسوبة للأولياء والقديسين تتشابه كثيراً مع ما يحكى عن معجزات وخوارق تنسب للآلهة المصرية القديمة.

2850 مولداً في مصر

لا تخلو محافظة أو مدينة مصرية من الموالد الشعبية التي ينتظرها البسطاء والفقراء على أحر من الجمر. فهي ملاذهم الوحيد للتطهر النفسي، والشفاء الروحي والتخلص من أعباء الحياة. وصل عدد الموالد في مصر، وفقاً لإحصاء حديث صادر عن الجمعية المصرية للمأثورات الشعبية إلى 2850 مولداً للمسلمين والأقباط. ومن أشهر هذه الموالد حالياً موالد الحسين والسيدة زينب والسيدة نفيسة والسيدة عائشة في القاهرة، ومولد أحمد البدوي في طنطا، وإبراهيم الدسوقي في مدينة دسوق، ومحمد بن أبي بكر في ميت دمسيس قرب مدينة أجا (دلتا مصر)، وعبد الرحيم القنائي في قنا، وأبو الحجاج الأقصري في الأقصر (صعيد مصر)، فضلاً عن الاحتفالات ببعض أولياء الإسكندرية وأشهرهم أبو العباس المرسي وسيدي جابر. أما الأقباط فيحتفلون بموالد كثيرة للسيدة مريم العذراء والشهيد ماري (القديس) جرجس في القاهرة وكفر الدّوار، وميت دمسيس، والقديسة دميانة بمحافظة الدقهلية، ومار مينا بالصحراء الغربية.

هناك طقوس واحدة يقوم بها المصريون في موالد الأولياء والقديسين على السواء. لا يتعاملون مع الموالد على أنها احتفالات دينية فحسب، بل هي بالأساس احتفالات دنيوية، تعبر تعبيراً صادقاً عن الخصوصية الثقافية المصرية. ومن الأمور اللافتة أن تجد الكثير من المسلمين يشاركون في موالد القديسين وتحديداً مولد العذراء، ومار مرقس، وأن تجد الأقباط يواظبون على حضور موالد آل البيت خاصة مولد السيدة زينب.

الليلة الكبيرة تنبض بالحياة

العادات والتقاليد الأصيلة التي يمارسها المصريون في الموالد الشعبية، عبَّر عنها الشاعر الكبير صلاح جاهين في رائعته "الليلة الكبيرة". نقل جاهين كل تفاصيل المولد الثرية، بدقة شديدة تُظهر تأمله العميق في التراث الشعبي المصري. ووصف جمهور المولد المتنوع بين الفلاحين والصعايدة وأهل القنال، الذين يتركون منازلهم كل عام متجهين إلى القاهرة للاحتفال بمولد سيدنا الحسين، أو غيره من الموالد الأخرى التي تشهدها العاصمة، لتزدحم الساحات الأمامية للمسجد بخيام أهل الريف والجنوب المصري التي حملوها معهم.

كما وصف جاهين الأجواء راسماً لوحة نابضة بالحياة للمظاهر الاحتفالية بالموالد وما تتضمنه من فولكلور شعبي مثل "الأراجوز، وبائع اليخت، والمراجيح، والرايات الملونة، والملاهي، ورفع الأثقال والنيشان، والحاوي". وببراعة تحدث عن أشهر المأكولات التي أصبحت جزءاً أساسيّاً في ثقافة الموالد لدى المصريين فيقول: حمص حمص تل ما ينقص عالنار يرقص/ يرقص ويقول/ دا اللي شاف حمص ولا كلش حب/ واتلوع ولا طلشي.

وتعبيراً عن فوضوية المولد يقول جاهين: يا ولاد الحلال/ بنت تايهة طول كدا/ رجليها الشمال فيها خلخال زي دا. ويستوحي من التراث: يا أم المطاهر رشي الملح سبع مرات، في مقامه الطاهر رشي وايدي سبع شمعات.

يزدحم المولد بعرائس الحلوى، والسيرك وألعاب الأطفال، كل ذلك يرصده جاهين في رائعته قائلاً: فوريره للعيّل/ يا أبو العيال ميل/ خدلك سبع فرارير/ زمارة شخليلة/ عصفورة يا حليلة/ طراطير يا واد طراطير، ويواصل: الليلة الليلة السيرك تعالوا دي فُرجة تساوي جنيه قولو هيه.

ويبرع جاهين حين يصف الليلة الكبيرة، آخر ليالي المولد، والتي يصل فيها الاحتفال إلى الذروة: الليلة الكبيرة يا عمي والعالم كتيرة/ مالين الشوادر يابا من الريف والبنادر. ويُختتم الأوبريت الشهير بأذان الفجر والصلاة.

كرامات سيدنا الولي

برغم الجدل الدائر منذ زمن بعيد حول حرمة زيارة الأضرحة والتبرك بالأولياء، فإن جمهور المولد لا يلتفت للانتقادات التي يوجهها البعض لممارساتهم العتيقة. فزيارة الأضرحة ومقامات الأولياء الصالحين تمثل أهمية كبيرة لدى جمهور المولد. وتجد من يأتي ليسكب همومه على عتبات آل البيت ويظل يطوف حول مقام الولي المُحتفل به منشداً بعض أشعار الصوفية وكلمة "مدد" لا تفارق لسانه، وسيدات جئن ليبحن بأسرارهن لأم العواجز "السيدة زينب"، ورجال جاؤوا من أقصى الجنوب ليفوا نذورهم لسيد الشهداء الإمام الحسين، فيكلفوا أنفسهم ما ليس بواجب عليهم توسماً في أن يفك الله كرباً ما أو يستجيب لدعوة ما، وتجد من يطعم الفقراء، ومن يوزع الأموال على المحتاجين، وفتيات يتبركن بالسيدة نفيسة متمنين الستر وابن الحلال.

الدراويش يذوبون عشقاً

يُمثل المُنشد الشهير ياسين التهامي قيمة روحية كبيرة لدى جمهور الموالد، فيحرص على حضور الليلة الكبيرة، التي يحييها شيخ المداحين بحنجرته الشجية العذبة، وأمامه حشود من الدراويش والعاشقين، ويسقيهم حبّاً تذوب فيه القلوب. يجوب المداح الشهير موالد الأولياء في شتى البلاد، حاملاً رسالة التصوف على عاتقه، متغنياً بأشعار ابن الفارض والحلاج، ومرتجلاً الكثير من الأناشيد التي يحفظها جمهور المولد عن ظهر قلب ويرددها في حفلات الذكر.

أصبحت أشعار أقطاب التصوف مع صوت ياسين التهامي زاد المريدين والدراويش، والبسطاء الذين لا ينشغلون بتفسير تلك الأشعار، لكنهم يجدون أنفسهم هائمين مع المُنشد الشهير حين يغني "أكاد من فرط الجمال أذوب"، ويتوحدون معه عندما يردد نشيده الشهير "قلبي يحدثني بأنك مُتلفي روحي فداك"، ويُلهب حماس العشاق حين يُنشد: يا سيدة يا سيدة.. يا أم الشموع القايدة.

وهناك جمهور آخر يختار أن يسهر على صوت سلطان المداحين، وأيقونة الإنشاد الشيخ الراحل أحمد التوني. كان للتوني حضوره الخاص، بسبحته التي لم تغادر يديه حتى وفاته العام الماضي، يطرق بها على كأسه الزجاجية فتنبعث منها موسيقى تخصه وحده لتنسجم مع إيقاع الطبول والدفوف، فتتسلل إلى قلوب المحبين، مصحوبة بأشعار "قلوب العاشقين، والكلمة القديمة، أنا بمدح اللي يفوح المسك من قدمه". متعة التوني كانت في الإنشاد لساعات طويلة، متنقلاً بين الطبقات الصوتية المختلفة ببراعة فائقة، وفطرية أذهلت الكثيرين، بل جعلته يجوب بلاد العالم المختلفة بكأسه الزجاجية وسبحته المعهودة، وموسيقى صوته العذب.

دراسات رصدت الظاهرة

أستاذة الأدب الشعبي الدكتورة عائشة بكر اهتمت في كتابها "موالد الأولياء والقديسين" الصادر حديثاً عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، برصد التقارب بين طرق الاحتفال بموالد المسلمين والأقباط، تقول: هناك تقارب شديد بين الاحتفال بموالد الأولياء والقديسين، وهذا يؤكد فكرة النسيج الثقافي الواحد، الذي يُشكل الشخصية المصرية بثنائية دياناتها "القبطية والإسلامية". وتضيف بكر أن الموالد وبركات الأولياء ومعجزاتهم أثرت بشكل كبير في وجدان المصريين، مشيرة إلى أن هذا يطابق مقولة هيرودوت: إن المصريين كانوا أشد الشعوب تديناً فكانوا يعتقدون أن كل شيء في العالم ملك للآلهة، وأنهم منبع كل خير وعلى علم برغبات الناس الدنيوية.

وفي دراسته الشهيرة "الموالد، دراسات للعادات والتقاليد الشعبية" يركز عالم الاجتماع الدكتور فاروق أحمد مصطفى على توضيح التأثيرات السيكولوجية لفكرة المولد على الفرد، ويقول: إن المشاركة الجماهيرية في الاحتفال، تحول الجمهور من مجرد متلقٍ سلبي إلى مشارك فعال، فيسقط الحاجز بين الإبداع والتلقي، وتنفذ العروض الشعبية إلى وجدان وعقل الجمهور بيسر وسهولة ومن ثم يمكن المرء أن يتفاعل مع التجارب الإنسانية.

ويضيف أن الضمير الشعبي والعقل الجمعي المصري حوَّلا الموالد من مجرد احتفالية دينية إلى صيغة طقسية دنيوية ودينية، تندمج فيها ذات الفرد مع ذات الجماعة، وتتحقق فيها حالة من الهروب من الروتين اليومي، والتواصل النفسي والإحساس بالترابط والتآلف.

التعليقات

المقال التالي