روماريو: "عبقري منطقة الجزاء" المظلوم

روماريو: "عبقري منطقة الجزاء" المظلوم

في شتاء 1966، ومن إحدى ضواحي ريو دي جينيرو الفقيرة، خرج إلى العالم دي سوزا فاريا روماريو Romario المهاجم ذو الـ167 سنتم الذي ألهم الملايين حول العالم بأهدافه الساحرة، والفتى المشاكس الذي  شكل على الدوام وجبة دسمة للصحافيين الرياضيين، فاقتفوا أخباره وتصريحاته، وعضو البرلمان البرازيلي الحالي صاحب الشعبية الجارفة في بلاد السامبا.

روماريو أعظم هدّاف

"روماريو أعظم هدّاف شاهدته في حياتي وهو حتماً ضمن تشكيلتي المثالية"، قال دييغو مارادونا Maradona. أثناء مشاهدتك لمقاطع فيديو لروماريو، ينتابك شعور بأن شغفه بتسجيل الأهداف سينتقل إلى جسمك وبأنك بحاجة دائماً إلى مشاهدة المزيد منها، بل يوحي إليك بأنه قادر على تسجيل هدف متى أراد ذلك وبالطريقة التي يحب.

فهو قناص لا يشق له غبار. يحوّل الكرات إلى داخل المرمى بلمسة واحدة وبتقنية عالية. كما يمتاز بالارتقاء المدهش في الكرات الهوائية وبسرقة أهداف رأسية من أمام مدافعين يزيد طولهم عن طوله بأكثر من عشرين سنتمتراً أحياناً. وقد صقل مهارته في الارتقاء والتسجيل بلمسة واحدة من ممارسته رياضة الكرة الطائرة الشاطئية التي لم ينقطع عنها طوال مسيرته.

في الكرات الإنفرادية كان روماريو قادراً على تخطي أي حارس يقف بوجهه، ومن ثم إسكان الكرة في مرماه. وقد أذاق معظم الحراس العظماء الذين عاصروه هذه الكأس المرّة. وهذه نقطة تشابه بينه وبين الظاهرة رونالدو Ronaldo. امتاز روماريو أيضاً بانطلاقاته السريعة من منتصف الملعب و بإجادته تسلم الكرة داخل الصندوق والالتفاف حول نفسه والتسجيل من زوايا صعبة. لا ينسى جمهور ميلان الإيطالي الكرة التي تسلمها روماريو "أيندهوفن" داخل المربع الصغير من بين ثلاثي دفاعهم الذهبي باريزي Baresi ومالديني Maldini وكوستاكورتا Costacurta ثم داعبها بطريقة محنكة وأودعها شباكهم.

 

اللاعب المشاكس

"لماذا عليّ أن أشارك في التمرينات ما دمت أعرف تماماً ما عليّ فعله خلال المباراة؟"، قال روماريو. اتسم "عبقري منطقة الجزاء" خلال مسيرته بغرابة الأطوار داخل الملعب وخارجه، وبكثرة مشاكله مع المدربين الذين لعب تحت إدارتهم بسبب تخلّفه المتكرّر عن مواعيد التمارين ومخالفاته المستمرة لأنظمة الفرق في ما يتعلق بالسهر والغذاء والخروج إلى الحانات وما إلى ذلك.

لم تستهوه الحياة في أوروبا واكتفى بتجربتين بارزتين مع ايندهوفن الهولندي وبرشلونة الإسباني بين عامي 1988 و1995، إضافة إلى رحلة غير مؤثرة مع فالنسيا الإسباني. لم تخلُ تلك التجارب من المشاكل والمشادّات الكلامية مع المدربين واللاعبين ورافقتها تصريحات نارية كان يصوبها باتجاه القوانين والأنظمة.

"عندما أنام بشكل كاف لا أسجل الأهداف في اليوم التالي، أنا بحاجة دائماً للسهر خارجاً لكي أسجل"، هكذا رد روماريو على الذين انتقدوا تردّده الدائم إلى الحانات. لم يتهاون اللاعب البرازيلي يوماً مع من يوجّه إليه نقداً. عندما قال بيليه قبيل مونديال 94: "نحن بحاجة لأكثر من روماريو للفوز بكأس العالم"، حمل عليه بعنف وقال عنه: "بيليه هذا مكانه في المتحف، لقد انتهى منذ فترة طويلة". وفي تصريح لاذع آخر قال عنه: "لقد حباه الله قدمين سحريتين لكنه أهمل باقي أعضائه وخاصةً لسانه فهو لا ينطق إلا بالترّهات".

روماريو وكأس العالم

برغم أن حياة روماريو الاحترافية استمرت أكثر من عشرين عاماً عاصر خلالها خمس بطولات كأس عالم كلاعب، فإن الحظ العاثر رافقه دائماً كلما تعلّق الأمر بهذه المسابقة، فكان يدفع ثمن تصريحاته النارية حيناً وثمن التجاذبات والحسابات الشخصية في الكرة البرازيلية أحياناً.

استُبعد إبن العشرين ربيعاً عن اللائحة المشاركة بمونديال 86 في المكسيك بقرار فني من مديري المنتخب يومذاك. ولم تشفع له سنوات الإبداع مع ايندهوفن الهولندي للحصول على أكثر من ستين دقيقة من اللعب في مونديال إيطاليا 90.

أما المدرب كارلوس البرتو باريرا Alberto Parreira فقد اضطُر تحت وطأة الضغط الجماهيري والخوف من عدم التأهل إلى مونديال أمريكا 94 إلى تجاوز خلافه السابق مع روماريو واستدعائه مرة أخرى للعب في المباراة الحاسمة في التصفيات أمام الأورغواي. سجل روماريو هدفين في تلك المباراة وتأهلت البرازيل.

ذهب روماريو مع منتخب بلاده إلى الولايات المتحدة فكانت تجربته المونديالية الجدّية الأولى، ولسوء الحظ الأخيرة. قدّم روماريو مستويات كبيرة هناك وحصد لقب أفضل لاعب في البطولة بل أن بعض النقاد ذهب إلى إطلاق تسمية "مونديال روماريو" على تلك الدورة.

 

وفي المونديال التالي في فرنسا 98 فاجأ المدرب ماريو زاغالو Zagallo عشاق الكرة البرازيلية باستبعاد روماريو عن القائمة بحجة الإصابة يومذاك، وهذا أمر أنكره اللاعب أكثر من مرة، فيما اعتبر كثيرون أن هذا القرار جاء بإيحاء من النجم السابق زيكو Zico مساعد زاغالو، وهو كان على خلاف قديم مع روماريو. هكذا حُرم الملايين حول العالم من مشاهدة الثنائي الذهبي روماريو ورونالدو المعروف بـ"رو رو" في مونديال واحد.

ولم يكن مونديال 2002 في كوريا الجنوبية أفضل حالاً بالنسبة لروماريو، فقد تجاهل المدرب سكولاري Scolari نداءات الجماهير والإعلام وحتى رجاء الرئيس البرازيلي شخصياً بضم روماريو. عقد روماريو في تلك الفترة مؤتمراً صحافياً لاستعطاف المدرب، بكى خلاله بكاء الأطفال أمام عدسات الكاميرا في مشهد مؤثر، لكن سكولاري كان قد قال كلمته ومشى.

من المستطيل الأخضر إلى قاعة البرلمان

في مقابلة أجرتها قناة "بي بي سي" مع روماريو عام 2013، ورداً على سؤال حول التناقض بين تصريح سابق له قال فيه إنه يكره السياسة والسياسين، وبين دخوله بعد اعتزاله الكرة معترك السياسة من باب البرلمان، أجاب روماريو: "فعلاً، عندما توقّفت عن اللعب لم تكن السياسة في رأسي إطلاقاً، لكن ابنتي التي ولدت قبل ثماني سنوات وكانت تعاني من "متلازمة داون" جعلتني أغيّر رأيي، فقد اكتشفت أنه لا يوجد في المجلس من يتكلّم بإسم هؤلاء الأشخاص وإذ ذاك قرّرت خوض الانتخابات". حصل روماريو على سادس أكبر عدد من أصوات سكان ريو دي جينيرو في الانتخابات العامة للعام 2010، وبدأ حياةً جديدة.

لكي نحكم على تجربة روماريو علينا أن نأخذها بكليّتها. فروماريو الشاب النزق الذي يهوى الحياة الماجنة ويعتبر أن لغته المفضّلة هي لغة النساء، هو نفسه روماريو المهاجم الاستثنائي الذي كان يتلذّذ بمراوغة المدافعين وتسجيل الأهداف بكل الطرق، ثم الاحتفال بها بطريقة طفولية مخرجاً لسانه من فمه، وهو أيضاً السياسي المحبوب في ريو دي جينيرو والذي قال عن نفسه: "خلقني الله لأنير طريقكم بأهدافي"، والذي شبّهه كارلوس باريرا بالمسيح المنقذ في العام 1994، وهو العام الذي حصل روماريو خلاله على الكرة الذهبية للمرة الأولى والوحيدة.

التعليقات

المقال التالي