الجنة تحت أقدام هؤلاء… الرجال

الجنة تحت أقدام هؤلاء… الرجال

يحملهن إلى أسرّتهن، ويحكي لهن حكاية قبل النوم، ثم يقضي الليل يجهز الغذاء ليوم الغد، يحضر ملابسهن ويلمع أحذيتهن، قبل أن يأوي إلى سريره استعداداً ليوم آخر من الأبوة والأمومة معاً. هكذا يكون يوم المهندس سامر أحمد (30 عاماً) مع طفلتيه التوأم، ميس ومريم، اللتين أكملتا هذا الشهر عامهما السادس.

يقول سامر: "تركتني أمهما بعد الولادة، تركت لي حملاً ثقيلاً، وصرت أنا الأب والأم لطفلتين. لم أستطع التفكير في الزواج مرة أخرى لعدة أسباب، أولاً لأن أمهما كانت حب عمري ولا أتخيل أن تحل امرأة أخرى محلها وتحصد حلمها ببيتنا وأطفالنا. والسبب الثاني أنني لا أستطيع أن أتزوج بامرأة ستضطر إلى خدمتنا أنا وطفلتي، لذلك كان قراري حاسماً منذ اليوم الأول: سأكون أنا الأب والأم".

كان الإنترنت خير معين لسامر، وجد فيه الكثير من الاستشارات المنزلية ومن الإرشادات حول الأطفال وتربيتهم. يقول سامر: "أول ما تعلمته عن الاهتمام بالأطفال كان من الإنترنت، فنساء عائلتي سيساعدنني، لكن بعد أن يوجهن إلي النصيحة بالزواج مرة أخرى لأرحم نفسي من هذا العناء". قرر سامر الاعتماد على الشبكة في كل شيء، كيف يغير الحفاظات؟ كيف يناول طفلتيه الطعام؟ هو لا ينكر مروره بحالات إحباط كثيرة، خاصة عندما كانت أحدى الطفلتين تمرض، لكنه تغلب على الأزمة وواصل تربيتهما.

يقول سامر: "كنت أتركهما في الحضانة صباحاً، وأركض إلى المكتب لأعود بهما إلى البيت بعد نهاية عملي، حتى بلغتا السادسة من العمر، وأصبح بإمكانهما الاعتماد على نفسيهما بعض الشيء، فأزاحتا حملاً بسيطاً عن عاتقي”، ويضيف بابتسامة صغيرة “أتمنى أن أراهما سيدتين ناجحتين في حياتهما، لأكون قد أتممت رسالتي ووفيت بوعدي لأمهما".

هكذا يكون الرجال .. الجنة تحت أقدام هؤلاء الرجال

أب آخر يحمل مكنسته ويجوب البيوت، ينظف ويغسل السجاد ويفعل كل شيء مقابل أجر زهيد، لا هم لديه سوى أن يجعل زوجته "هانم" وطفلتيه سعيدتين. إنه محمود عبدالله البالغ من العمر 31 عاماً، من العياط إحدى قرى محافظة الجيزة بمصر. عامل نظافة حر في مدينة أكتوبر، يتراوح دخله الشهري ما بين 400 إلى 800 جنيه (57 إلى 114 $)، وفي بعض الأيام "لاشيء" على حد تعبيره. يبدأ يومه من الساعة السابعة صباحاً حتى العاشرة مساء، ويعود إلى بيته بقوت اليوم وبعض السعادة.

الفقر والحالة الاجتماعية تدفع الكثيرين بحسب محمود إلى الطلب من نسائهن العمل في تنظيف المنازل، ولكنه رفض ذلك. يبدأ كلامه عن زوجته قائلاً: "كانت فتاة جميلة جداً وكان يتقدم لخطبتها أفضل شباب المنطقة، لكنها اختارتني، أنا محدود الدخل لأنها تحبني. سيظل رضاها بظروفي ورفضها لمن كانوا أيسر مني حالاً طوقاً في رقبتي، لن أسمح بأن تذل يوماً لأحد أو تُهان، وسأعمل ليل نهار حتى أسعدها".

يتعرض محمود لكثير من المصاعب وتوجه له أحياناً إهانات في عمله. يعرف جيداً مدى صعوبة العمل في تنظيف المنازل، لذلك يصر على ألا تتعرض زوجته لما يتعرض له.

"تركت وطني لأحميها من نظرات الناس"، هذا ما قاله علي سربت، الدكتور العراقي الكردي المقيم في أمريكا منذ أكثر من عشرين عام. "تزوجنا أنا وجوان بعد قصة حب كبيرة في الجامعة. بعد زواجنا بأقل من سنة أصيبت جوان بسرطان الرحم، وكان العلاج الوحيد استئصال الرحم".

لم يكن من الصعب على علي أن يتفهم كيف تشعر سيدة في مقتبل العمر في مثل هذا الموقف. "عانت جوان من نوبات الاكتئاب الحاد وخضعت لعلاج نفسي لتستطيع تقبل كونها لن تكون أماً". تأزم الموقف بشدة، وكان على علي الاختيار بين ترك جوان أو الزواج من امرأة أخرى وفقاً لنصائح العائلة وبعض الأصدقاء. يكمل علي كلامه: "هل أفرّط في حب عمري بسبب مرض أصابها ليس لها ذنب به، أم أساندها حتى تجتاز هذه المحنة وأكون الزوج والإبن لها في نفس الوقت؟ كانت الإجابة حاسمة بالنسبة لي، وبالفعل تخطينا جزءاً كبيراً من الأزمة، فعادت جوان بعد عامين لعملها كموظفة في إحدى شركات البترول في العراق".

لكن المجتمع العراقي بشكل خاص والعربي بشكل عام، لا يترك من هم في مثل وضع جوان على حالهم وينقسمون دوماً إلى قسمين. قسم يظهر الشفقة، وقسم يتهامس من وراء ظهرها. قرّر علي سربت الهجرة إلى أمريكا ليخفّف من وطأة ذلك على جوان، التي ترى قراره بالسفر أصعب تضحية قام بها لأجلها.

تقول جوان "لو كان حلم الأبوة لدى علي غريزياً، فإن حبه للعراق لم يكن كذلك. لقد رفض علي من قبل العديد من فرص السفر إلى دولٍ أوروبية، لكنه في ذلك الوقت قرر دون تردد أن نبتعد عن المشفقين علينا لنبدأ حياة جديدة في بلد آخر".

نشر هذا الموضوع على الموقع في تاريخ 24.01.2014

كلمات مفتاحية
الـ22 الرجل

التعليقات

المقال التالي