صلاة جمعة على الطريقة اليابانية

صلاة جمعة على الطريقة اليابانية

"الهدف من الصلاة هو النهي عن الفحشاء والمنكر والهدف من الزكاة تطهير الإنسان وتزكيته، والهدف من الصيام تهدئة النفس". بهذا الكلام الروحاني توجّه إمام مسجد كوبيه في اليابان إلى جموع المصلّين. الإسلام في اليابان يختلف عن الإسلام في ديار المسلمين.

تاريخ التواجد الإسلامي في اليابان يعود إلى منتصف الحرب العالمية الأولى. ظروف الحرب وما رافقها من عمليّات هجرة وتهجير من بلاد المشرق والقوقاز أفضت إلى تجمّع جالية إسلامية صغيرة من التتار والأتراك. عام 1919، وجد أبناء هذه الجالية أنفسهم في بلاد لها مفهوم للدين يختلف تماماً عمّا يعرفونه. تعرّفوا على طقوس غريبة عنهم يمارسها الشعب في مناسبات الزواج أو الموت أو المحن. في اليابان يستعين البعض بطقوس من كل الديانات والبعض الآخر لا يعطي الدين حتى لحظة تفكير، معتبرين الإمبراطور، المتحدّر من سلالة إله الشمس، مرجعهم الأعلى، وهي معتقدات تكوّنت عبر مئات السنين في مجتمع مترابط لم يغزُه أحد.

سرعان ما رحّب اليابانيون بالتتار. كانوا ينظرون إليهم كفئة يمكن استخدامها لحكم الصين الشرقية حيث ينتشر الإسلام. حينها كان اليابانيون يفكرون في خلق ولاية صينية تتبع لهم ويحكمها الأمير عبدالكريم، حفيد السلطان عبد الحميد الثاني. منحوا التتار حقّ السكن وسهّلوا لهم بناء المساجد في بلاد الشمس وسهّلوا لهم ممارسة ديانتهم بحرّية. في هذه الظروف شُيّد جامع كوبيه، أول مسجد في اليابان بتمويل من أبناء الجالية المسلمة المتجمّعة هناك. صمّم المهندس التشيكي يان جوزيف شفاغر Jan Joseph Svagr المسجد على الطراز العثماني، وفي العام 1935 تم افتتاحه، بعد سبع سنوات من العمل.

إبان الحرب العالمية الثانية، اضطر معظم الأجانب في اليابان إلى الاتجاه ناحية كوبيه المسَيجة، بعد اعتبارهم أعداء لليابان كونهم كانوا محسوبين على فرنسا أو بريطانيا أو غيرها من دول التحالف. حوصر "الغرباء" في المدينة لكنهم تابعوا تجارتهم وكان من بينهم ما لا يقل عن 120 مسلم وعائلاتهم. حينها ازدهر جامع كوبيه وصار ملتقى للمسلمين يجتمعون فيه يومياً ويتبادلون أخبار الحرب ويواسون بعضهم البعض في زمن قلّة التواصل! اليابان أمّة تحترم المعتقدات، وكانت كل حروبها و توسعاتها تاريخياً مبنية على تحقيق المكاسب الاقتصادية، لا على التقوقع أو التبشير أو الطائفية؛ فهي لا ترى أي خطر من تغلغل أيّة ديانة لثقتها باليابانيين العمليين إلى درجة أن مكانة الدين في حياتهم محدودة جداً.

ميزات المجتمع الياباني انعكست على نسيج المجتمع الإسلامي في كوبيه وجوارها. هناك يعيش اليوم أكثر من 4,000 مسلم. صلاة الجمعة تستقطب المؤمنين المنتشرين في دائرة قطرها 80 كلم ويقطنها 18 مليون شخص. العمل الدؤوب همّ أبناء الجالية الأكبر، وصلاة الجمعة تمارس بتقوى وإيمان خاليين من التزمّت ومن تأثيرات الحركات الإسلامية المنتشرة في الدول الإسلامية. صلاة الجماعة هناك تعتبر من أساليب التواصل الاجتماعي خاصة بالنسبة إلى القادمين الجدد إلى اليابان. نهار الجمعة يقصد حوالي 140 مصلّياً مسجدهم. بينهم ثلاثة يابانيين اعتنقوا الإسلام وعشرين عربياً وموزاييك غني من أعراق آتية من آسيا وأوروبا. تنوّعهم تكشفه طريقة لباسهم التي تدل على أنهم غرباء في بلد يرتدي جميع موظفيه من الرجال بذلة زرقاء داكنة، قميصاً أبيض وربطة عنق. أغلبية المصلّين لا تتجاوز أعمارهم الأربعين سنة، ومعظمهم يمارسون التجارة بين بلدهم الأم واليابان.

لطالما كان المجلس المُشرف على سير العمل في جامع كوبيه يستقدم إماماً عربياً ليؤمّ المصلّين. لكن الأئمة كانوا يأتون إلى اليابان ويتمسّكون ببقائهم هناك و"يتشاطرون" على القوانين اليابانية ليحققوا مبتغاهم. مؤخراً، اتفق المجلس على استقدام إمام من الهند. يتمتع جامع كوبيه باستقلالية مادية. شهرياً، يدخل إلى صندوق الجامع مدخول يتأتّى من بدلات إيجار بناء سكني وموقف للسيارات مجاور للمسجد. كما أن عدداً كبيراً من المصلين يضع مساهمات في صندوق مثبّت قبالة المدخل، هذا بالإضافة إلى تبرعات يقدّمها مسلمو اليابان.

الأسبوع الماضي كان الإمام في زيارة، فوكّل أخاه سليمان بالحلول مكانه. يتقن سليمان اللغة العربية الفصحى، من دون أيّة لكنة أجنبية. قد تظنه سعودياً متخرجاً من جامعة الإمام محمد بن سعود أو أحد خرّيجي الأزهر الشريف! صعد الإمام الشاب درجات ثلاث، الساعة الواحدة تماماً (مراعياً أوقات الدوام وليس فقط دخول الظهر). كان يرتدي لباساً تقليدياً يكشف عن أصوله الهندية. وقف وألقى خطبة الجمعة، ثم الدعاء وبعدها أقام الصلاة.

ثماني دقائق كانت كافية لإنهاء الإمام خطبته من على المنبر الرخامي في باحة المسجد المربّعة التي تقارب مساحتها حوالى 120 متراً، ويعلوها طابق صغير مخصص للنساء، بدا لي شاغراً. الخطبة  كانت روحانية بالمعنى الغربي ولكن إسلامية بامتياز من دون أي تناقض مع مقاصد الإسلام. قال سليمان: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله... البرّ هو حسن الخلق وهو هبة من الله تعالى لمن يحبّه من عباده والإثم هو سوء الخلق"، وأضاف: "إن المجتمع المثالي الحضاري هو الذي يتمثل أفراده بأخلاق حسنة في كل سلوكياتهم وأمورهم… الهدف من الصلاة هو النهي عن الفحشاء والمنكر والهدف من الزكاة تطهير الإنسان وتزكيته، والهدف من الصيام تهدئة النفس". بعد خطبته القصيرة، بدأ سليمان بالدعاء لنصرة المسلمين، وإصلاح زعمائهم ورؤسائهم وسلاطينهم وختم دعاءه باستغفار الله سبحانه تعالى. وحين أتم دعاءه أقام الصلاة وتلا آيات عدّة من سورة آل عمران بصوته الشبابي الرخيم أمام مصلين لا يفهم معظمهم اللغة العربية، لكنهم يسارعون إلى ترديد كلمة "آمين". انتهت الصلاة تمام الساعة 1:30 وسرعان ما انفضّ  المصلّون متجهين إلى أعمالهم، بعد إتمامهم فريضة الصلاة دون تعرّضهم لأيّ خطاب سياسي أو تعبوي. فلكل منهم معتقداته واهتماماته السياسية. بابتعاد الإمام عن هذه الأمور المنتشرة في خطب الجمعة في بلادنا، حيث الإمام محلل ومرشد سياسي، يترك المجال لكل مسلم بأن يمارس حرّيته الفردية، وأن يشعر بإنسانيته وحقه في الاختيار دون تدخل خارجي. وهكذا لا تتحوّل المبادىء الإسلامية إلى مسألة ثانوية مقارنة بالتوجيه السياسي.

كوبيه تبعد عن كعبة المسلمين 9,178 كلم شرقاً، وتسبقها بست ساعات في مواقيت الصلاة والصيام. في مسجدها الذي قاوم دمار الحرب العالمية الثانية وزلزال هانشين العظيم سنة 1995، يمارس المسلمون الإسلام بطريقة أخرى.

الإسلام في اليابان - صلاة جمعة على الطريقة اليابانية

مصدر الصور: doktoraji.wordpress.com

تم نشر هذا المقال على الموقع بتاريخ 12.02.2014

كلمات مفتاحية
الإسلام العالم

التعليقات

المقال التالي