​هل زرتم "سوق التنابل" السوري من قبل؟

​هل زرتم "سوق التنابل" السوري من قبل؟

ربما لا يعرف الكثيرون "سوق التنابل" الذي هو محطة جذب لعدد كبير من السوريين على اختلاف أحوالهم المعيشية. فالفقير يجد فيه مصدراً للرزق، والغني يجد راحة له. في حي الشعلان الدمشقي العريق والمميز بطابعه العمراني، يقع هذا السوق الذي يعود تاريخه إلى عام 1989، عندما ابتكر فكرته بائع خُضر، وسرعان ما أصبح مركزاً للعديد من التجار، ولنساء يهيئن الخضر في بيوتهن ويجهزنها للبيع في متاجره.

تتوزع في السوق مختلف أنواع الخضر والفواكه المعدة للاستهلاك، والتي تشكل حلماً لمعظم السيدات اللواتي يرغبن في اختصار الوقت داخل المطبخ، خصوصاً إذا كنّ عاملات. ولكنه أيضاً المكان الذي لا تحبذه النساء الكبيرات في السن، أو "الحموات"، اللواتي يعتبرن أن الجيل الجديد من النساء اعتاد الدلال.

لم يعد وجود الخضر المعدة للطبخ فوراً مقتصراً على "سوق التنابل" منذ زمن، بعدما بات في معظم المناطق الراقية في العاصمة دمشق، مثل المالكي، الروضة، أو المزة، عربات جوالة تحتوي على كل ما تحتاج إليه السيدة لإعداد الطعام، ولا تكاد تطل حتى تتهافت على أصحابها الطلبات.

حركة السوق تغيرت كثيراً عما كانت عليه عام 2011. يقول أبو محمود، صاحب أقدم المتاجر في سوق التنابل "أبناء أبو مسلم الشاغوري": "أنا وعائلتي تجار في منطقة الشعلان ولكن لم تمر علينا فترة صعبة كهذه التي نمر بها اليوم، قلّ  عدد زبائنا خصوصاً فيما يخص شراء الفواكه. فأنا شخصياً استغنيت عنها في بيتي وباتت رفاهية". ارتفع سعر الخضر، بحسب أبو محمود، خمسة أضعاف عما كان عليه قبل الأزمة، إلا "أن طبقة معينة من المجتمع السوري لا تزال حريصة على شراء الكوسا والباذنجان المحفور والبقدونس المفروم، كون السيدات لسن بارعات في إعدادها".

سوق التنابل السوري - خضار

تقول سيدة تشتري بعض الأصناف من الخضر لعشاء تعده في منزلها: "هذا السوق وُجد لراحة النساء. فأنا لا أجد ضرورة في تضييع وقتي بحفر الكوسا وتقشير الثوم، وبرغم ارتفاع ثمنها، أجدها مناسبة لوضعي وأفضل أن أشتريها شبه محضرة للطهو. وكثيراً ما أفكر أن وجود سيدات مثلي كفيل بإيجاد فرص عمل ودخل لبعض الأسر السورية الفقيرة”.

يؤكد “أبو عماد”، وهو صاحب محل في سوق "المدللات" كما يسميه، على هذه الفكرة: “في الحقيقة الكثير من ربات المنازل يجدن في هذا العمل فرصة مناسبة لإعانة الأسرة، وإن كان الدخل متواضعاً. فكما يقول المثل الدمشقي الشهير "بحصة بتسند جرة". المقابل المادي مقابل تحضير 10 كيلوغرامات من الكوسا لا يتجاوز دولاراً واحداً، وأجر إعداد كيلوغرام من البامية، التي يعتبر إعدادها مهمة صعبة على الكثيرات، لا يصل إلى ربع دولار، ولكن مع ذلك، تتهافت الكثير من السيدات على هذا العمل، وأصبحن يعملن ضمن ورشات متخصصة في إعداد الخضر حسب مواسمها، تقع بمعظمها في منطقة كفرسوسة".

يعيد معظم الباعة في سوق التنابل الفضل في نجاح هذا السوق إلى ورشات كفرسوسة. فقد أفرزت الأزمة السورية عدداً كبيراً من الحالات الاجتماعية الصعبة، نتيجة سوء الوضع الاقتصادي وخسارة الكثير من العائلات لمنازلها في الريف الدمشقي، مما دفع ببعض السيدات إلى طرق أبواب هذا السوق بحثاً عن فرصة عمل من خلال إعداد الخضر. من جهة أخرى، يقول أحد العاملين في إحدى محال الشعلان: "يقصد يومياً هذا المكان ليلاً المئات من المحتاجين باحثين عن البضائع التي باتت على وشك الفساد، إذ أصبحت أي وجبة مرهقة مادياً بالنسبة للأسر المتوسطة الدخل والفقيرة”.

سوق التنابل السوري

معظم محتويات سوق التنابل مستوردة، حسب أحد التجار، والسبب؟ يجيب: " لأن الخضر والفواكه التي نجنيها من بلدنا أصبحت قليلة، واعتمادنا الكلي على الاستيراد". تخضع أسعار الخضر للرقابة والتفتيش، وغلاؤها نجم عن اختلاف كل مقومات الحياة السورية. يقول التاجر: “استيراد الخضر من محافظة إلى أخرى أصبح مرهقاً، وكذلك ضريبة الدخل التي تعادل 450 دولاراً شهرياً، وأجرة إشغال رصيف، التي باتت تقارب 200 دولار”.

على الرغم من الظروف الصعبة التي يعيشها السوريون، لا يزال للشعلان وسوق تنابلها صيت ذائع  وأهمية كبيرة لدى الكثير من المواطنين، إذ يبقى هذا السوق مرتبطاً بذكريات جميلة، وبحاضر يحاولون جاهدين أن يبقوه جميلاً.

التعليقات

المقال التالي