خداع المخابرات بالكحول والإسلاميين باللحية الطويلة

خداع المخابرات بالكحول والإسلاميين باللحية الطويلة

قبل إحدى تظاهرات حي القيمرية في دمشق القديمة، والتي كانت في 20 يوليو 2011، كنا قد تجمعنا في أحد المقاهي بانتظار وصول الباقين منفقين الوقت في أحاديث عادية أو مشفرة، فالمقهى الواقع في حي مُستعمر بالأمن يفرض قدراً كبيراً من الحذر والتخفّي.

كان التجمّع عند أحد المفارق الضيقة من الحي، ولتضييع فرصة الملاحظة على الأمن المنتشر بكثافة شديدة، تفرّقنا كل اثنين أو ثلاثة إلى مجموعة تدعي بأنها تودّ شراء شيء ما من أحد المتاجر إلى أن صرخ "الهتّيف"، أي مطلق الهتافات: "واحد واحد واحد، الشعب السوري واحد". فكان الترديد ثم المسير الأشبه بالانتحار، لكون عدد المتظاهرين لم يتجاوز الثلاثين في منطقة تعج بقوات حفظ النظام والمخابرات.

لم تمض عشر دقائق حتى توقف المتظاهرون عند إحدى الزوايا، ومع ازدياد الحماسة هتف أحدهم بعبارة غير شائعة في حينه، بل غير متفق عليها حتى بين المتظاهرين، "الشعب يريد إسقاط النظام". كانت هذه العبارة السبب في هجوم كتلة من الأمن و"الشبّيحة" مع العصي والسكاكين، مما دفع بالمجموعة المتظاهرة إلى سباق الريح كل حيث تفضي به قدماه. انتهى الأمر بي مع خمسة آخرين، بينهم  الشاعران محمد ديبو ووائل سعد الدين، والكاتب باسل زينو إلى باب منزل قديم في نهاية إحدى الحارات. كنا نحاول كبت لهاثنا كي لا يشعر بنا أصحاب البيت، وقد أوشكت إحدى الفتيات أن تغيب عن الوعي من شدة الخوف والإعياء، فرششنا على وجهها الماء، ثم اتفقنا على الخروج اثنين اثنين بعد أن استطلعنا هدوء الشارع المحاذي.

كان دوري في الخروج مع تلك الفتاة، وفي محاولة لدفع الريبة عنا قلتُ لها: أنا خطيبك الآن، وأنت تشاجرت مع أمّي، تشكِينها لي وأنا أهدئ الموقف. خرجنا ونحن نصرخ حاجبين ضحكنا من كوننا مثّلنا المشهد فعلاً، بدأت هي تذمّ أمي وأنا أردّ عنها التهم، إلى أن أصبحنا بمحاذاة الجامع الأموي فذهب كلّ منا في سبيله.

إذا كانت الحاجة أم الاختراع فإن جهاز المخابرات الأسدي أبوه وجده، فقد علمنا أن نخترع أساليب قد لا تخطر على بال الشياطين للهروب من قبضته.

بعد خروجي من سوريا ووصولي إلى باريس تساءل أمامي أحد الاصدقاء عن كيفية تهريب الحشيش من هولندا- التي يُباع فيها الحشيش قانونياً- إلى فرنسا على الرغم من كل الاحتياطات الأمنية التي قد تنتشر في أية لحظة مع الكلاب المدربة عبر الحدود. أجبته أنهم يستطيعون تهريبها عن طريق السيارات الكشافة التي تنطلق قبلهم بخمسة كيلومترات وتنبههم عند حدوث أي خطر، وإن وقعوا بين أيدي الشرطة يدَّعون أن شخصاً أغميَ عليهِ في الطريقِ وهم مستعجلون لنقله إلى المستشفى. أعجب صديقي بالفكرة واقترح علي مازحاً أن أعمل في التهريب، إن لم أكن قد مارسته فعلاً، فتركته عند حسن ظنه- أو سوئه- بأن كل السوريين مهربون لكن من نوع آخر، فالحشيش الممنوع في فرنسا، تقابله أدوية ومنشطات وكاميرات ولافتات ليست ممنوعةً فقط، بل قد تقضي على حاملها في سوريا، وإن ممنوعات قومٍ عند قومٍ عجائب!

كان لكل ناشط في الثورة جهاز جوّال ليس باسمه، بل مسجل إما بإسم شهيد أو بإسم شخص غادر البلد، وكان الاتصال في الأحياء غير الآمنة يتم بعيداً عن المنزل بعشرين متراً وتدوم المكالمة أقل من دقيقة. هذا ما عشناه مدى أشهر في حي الوعر الحمصي، عندما كانت غالبية أحياء حمص تتعرض للقصف ليلاً. أما لغة التشفير ولا سيّما في بداية الثورة فكانت أقرب إلى لغة الأطفال الذين يحاولون أن يخبئوا قطع الحلوى عن الكبار. قبل 15 مارس، لم يكن الحديث عبر تشات الفيسبوك إلا عن الطقس والمطر والرحلة إلى دمشق، للدلالة على أول تظاهرة، ثم تتالت حفلات الشواء والسهرات والموالد وأعياد الميلاد ومجالسِ العزاء، وكأن مخابرات النظام التي تراقب كل شيء لن تعرف أن هناك تظاهرة على أهبة الانطلاق!

في سوريا ثمة أغنية مخصصة لحواجز التفتيش، وهي من الأغاني الهابطة التي تروق للواقفين على الحواجز، لذلك حين كنا نعبر بالسيارة، كنا نشغّل إحدى تلك الأغاني فنمر بسلام، بل أحياناً قد يحيينا الجنود مبتسمين، خصوصاً إذا وضعنا قنينة من العَرَق بالقرب من السائق لنثبت لهم أننا لسنا إسلاميين. بالطبع تغيّرت هذه الوسائل مع نصب الحواجز الإسلامية، فأصبح القرآن واللحية والسواك بطاقات المرور الجديدة.

كان استخدام هذه الوسائل وغيرها شائعاً بين جميع المطالبين بالحرية، لكن ثمة طريقة خفية كانت تحمي المارة عبر الحواجز.

في كراجات العباسيين بدمشق، وقبل سفري إلى حمص برفقة فدوى سليمان، اتصل بنا سائق سيارة الأجرة، وحين وصلنا إليه كان معه عنصرا أمن أوقفاه بسبب نمرة السيارة (حمص- البياضة) وقاما بالتشييك على بطاقته الشخصية لمعرفة إن كان مطلوباً. حين شاهدانا طلبا هويتيْنا أيضاً، فهممت بأن أسبق فدوى لأقدم لهما هويتي، لكنها سبقتني مخرجة هويتها بسرعة وهي تنظر إلى عيني أحدهما نظرةً ثابتةً باردة، فما كان من عنصر الأمن إلا أن تحوّل إلى طفل وديع. احتجت إلى بعض الوقت لأفهم هذا التحول المفاجئ، بل احتجت إلى مواقف أخرى كنا نمر بها عبر الحواجز بسلام، وكانت فدوى مصرة على أننا محميون ولن نُمس. كانت تردد: سننجو لأن هدفنا أن نحرر طاقة الحب والجمال حتى عند الآخر، فحريتنا لن تكون كاملة إن لم نحرر الآخر معنا، وحين لا نراهم أعداءً لنا لن يرونا هم أعداءً لهم، بهذا نمسحَ شيفرة الحرب ونزرع شيفرة الحب.

لعله هاجس الأنثى الرافض للنزاعات والحروب، والميال دوماً إلى السلام والحياة، لكن هذه الطمأنينة تبقى غير مفهومة مع أنها سلاح القلة، وتتجلى في إحساس غامض بأنك ومن معك لن تُعتقلوا ولن تُصابوا. منذ بدايات الثورة سيطر عليَّ ذلك الإحساس كشيء يحوطني ويطمئنني دائماً. ففي المظاهرة الأكثر انتحاراً في دمشق في 15 مارس كان الاعتقال أمراً واقعاً، وعلى الرغم من ذلك لم يساورنا شك في أننا سنخرج سالمين، وقد بقي هذا الإحساس مجهولاً بالنسبة إلي حتَّى عرَّفته فدوى وتحدثت عنه مراراً، فأصبح أشبه بطيف ضوء بعيد، مع أنني لا أؤمن بالغيبيات.

العبور الآمن بفضل الخدع يترك بصمة لذته بعد النجاة، لكنه بفضل ذلك اليقين المجهول يكون أكثر لذة. هذا العبور عاد وفسّره لي محمد ديبو بعد شهور من إصراري على خروجه، بتأكيده أنه سيبقى في دمشق، فهو سيعيش طويلاً حتى يشهد لحظة حرية السوريين وكرامتهم، وبتأكيده أيضاً أنّه يعلم ذلك ومتيقن منه، لكنه لا يعرف مصدره ولا يستطيع أن يفسره كما قال، بل مؤمن به، وكفى.

نشر الموضوع على الموقع في تاريخ 01.07.2014

عمر يوسف سليمان

كاتب سوري، مقيم في باريس. متخصص في المقالات النقدية والدراسات حول قضايا المجتمع المشرقي المعاصر، التي تستمد جذورها من التراث العربي والإسلامي.

التعليقات

المقال التالي