ملف قيادة المرأة في السعودية: الماضي والحاضر والمستقبل

ملف قيادة المرأة في السعودية: الماضي والحاضر والمستقبل

قبل أيام، أُفرج عن المذيعة ميساء العمودي والناشطة لجين الهذلول، بعد حبس دام ستين يوماً جراء مخالفتهما قانون منع المرأة من قيادة السيارات. ويستمر التساؤل: هل هناك أمل في نجاح "حملة 26 أكتوبر" المطالبة بالسماح للمرأة بقيادة السيارة في السعودية؟

قصة لجين وميساء

في الثلاثين من نوفمبر الفائت، عزمت لجين على عبور الحدود السعودية الإمارتية وهي في مقعد السائق، مستخدمةً رخصة قيادة إمارتية. ووثقت رحلتها ومنعها من دخول المملكة عبر تويتر. وقالت لمتابعيها، وعددهم يتجاوز المئتي ألف: "أنا الآن (على بعد) 10 دقايق عن الحدود السعودية بسيارتي. معي رخصتي الإماراتية (اللي صالحة في كل دول مجلس التعاون) وجوازي السعودي"، مستخدمةً وسم #قيادة_المرأة_للسيارة. وقد حصلت هذه التغريدة على أكثر من ثمانمئة إعادة تغريد. وأضافت لجين في تغريدةٍ أخرى حصلت على نحو ألف إعادة تغريد، أنه بناءً على اتفاقية دول مجلس التعاون، التي تتيح للحائزين رخص قيادة من أيّة دولة في المجلس القيادة في تلك البلاد من غير جدال، لا يحق لأحدٍ إيقافها عند عبورها للحدود.

وبعد أن أمضت لجين يوماً وليلةً في سيارتها على حدود المملكة، مُصِرةً على الدخول، زارتها ميساء العمودي لمساندتها معنوياً. ولكن سرعان ما اعتلقتهما السلطات السعودية. وبعد 23 يوماً من الحبس على ذمة التحقيق، أحيلتا إلى محكمة الإرهاب في المملكة.

وبعد إطلاق سراحهما، أعرب الفنان الكوميدي فهد البتيري، زوج لجين، عن فرحه بالخبر وقال:

واستخدم المغردون وسم #الافراج_عن_لجين_الهذلول أكثر من 25 ألف مرة في غضون أسبوع، بالإضافة إلى استخدامهم وسم #الافراج_عن_ميساء_العمودي أكثر من 21 ألف مرة. ومن الكويت، شارك المصمم الجرافيكي محمد شرف في تصميمٍ أعرب من خلاله عن تضامنه مع لجين وزوجها:

الحاضر إنعكاس للماضي

قضية قيادة المرأة للسيارة في السعودية تثير منذ فترة طويلة سجالاً بين مؤيدين ومعارضين. وكانت أولى الحملات التي طالبت بقيادة المرأة للسيارة في المملكة قد نُظّمت في نوفمبر 1990، حين تظاهرت سعوديات في العاصمة مطالبات برفع الحظر عن قيادة النساء للسيارات. وقد تباينت تقديرات عدد المشاركات. ففي رواية قيل إنهن كنّ سبعين، وفي روايات أخرى قيل إنهن كنّ 7 متظاهرات أو 45 في 15 سيارة.

عن تلك التظاهرة، ، قيل إنهن اعتُقِلن بضع ساعات في البداية، ولكن حينما أطلقت السلطات سراحن، جرى اعتقال أزواجهن وأولياء أمورهن لعدم قدرتهم على السيطرة عليهن، ومنعوا جميعاً من السفر مدة سنة. أما مَن كانت موظفة حكومية، فقد طُرِدت. وحينذاك، كانت ردة فعل المجتمع صارمةً أيضاً، فنددت منابر المساجد بفعلتهن، واتُهمن بالسعي إلى تدمير المجتمع السعودي.

اختفى هذا النوع من الحملات قرابة عقدين من الزمن. وإذ بها تنطلق مجدداً عام 2011 مع بروز وجيهة الحويدر ومنال الشريف على موقع اليوتيوب وهما تقودان السيارة في المملكة، فأثار ذلك سجالاً كبيراً.

حرب على حرية القيادة

الآراء في شأن قيادة المرأة تقع بين حدَّي معارضتها وتأييدها ليس لكونها حرية فردية فقط بل لأنها كذلك مدخل للحديث عن أبعادها الدينية والاجتماعية. قال فهد سال، وهو من عداد الشخصيات السعودية الشهيرة على موقع يوتيوب ولديه أكثر من ثلاثمئة ألف متابع، أن لجين لا تمثل المرأة السعودية ولا تمثل قضية قيادة المرأة داخل المملكة لأنها لم تأخذ القضية بجدية، واستهزأت بموظفي الجمارك. وقد حصل الفيديو على قرابة المليون مشاهدة وعلى إعجاب قرابة تسعة وثلاثين ألف مستخدم.

وظهرت آراء ومواقف بعضها غريب وبعضها الآخر مهين لشعوب أخرى. على سبيل المثال، يبرر المؤرخ السعودي صالح السعدون حظر القيادة بأن "النساء خارج السعودية يغتصبن على الطريق وليس لديهن مشكلة، وهنا لدينا مشكلة". وحينما ضحك عليه ضيوف البرنامج الآخرون، أضاف أن المرأة السعودية ملكة، و"لها شرف أن يقود بها زوجها وأخوها وابنها وابن أختها وابن أخوها. الكل رهن إشارة من يدها".

 

وما من أحد ينسى قول الشيخ صالح اللحيدان أن القيادة تؤدي إلى العقم لأنه "حينما تركب السيارة وهي تقود، ينشغل عنها الذهن، والفكر، والعقل، وحينما تجلس طولياً، يرتد الحوض، وعن طريق الارتداد يحصل ضغط على المبايض".

القضية على مواقع التواصل الاجتماعي

بعيداً عن المشايخ والمؤرخين، للحملة مؤيدون كثيرون في المملكة. وأكبر دليل على ذلك، أن الحملة لم تتوقف يوماً منذ نشأتها في مطالبتها "بحق المرأة في قيادة سيارتها بنفسها"، كما تقول رسالة الحملة على الموقع الرسمي، على الرغم من كثرة الصعوبات.

وتضيف الحملة: "ليس للحملة مطالب غير قانونية أو غير شرعية، فالشرع والقانون يكفلان حق حرية التنقل للإنسان رجلاً كان أو امرأة، والنظام الأساسي للحكم في المملكة العربية السعودية يكفل هذا الحق للرجال والنساء، عدا أن الملك عبدالله بن عبدالعزيز ملك المملكة العربية السعودية، ترك هذا الأمر للمجتمع. بناء على كل ما تقدم، وُلدت فكرة الحملة من مجموعة من نساء ورجال الوطن، لتحريك المطالبة بهذا الحقّ، والعمل على التسريع بإصدار القرار الرسمي بالسماح".

وقد قامت الحملة بمشاريع عدة، منها تقديم التماس للحكومة السعودية لرفع الحظر عن قيادة المرأة، وحصلت على نحو خمسة وعشرين ألف توقيع. واستفادت الحملة من مواقع التواصل الاجتماعي لنشر أهدافها وجلب اهتمام الآخرين، لأن "مستخدمي الإنترنت في السعودية هم الأكثر استخداماً لتويتر في العالم" للعام 2013، حسب دراسة قام بها قسم الإحصاءات في موقع Business Insider. ولدى الحملة قرابة سبعة وثلاثين ألف متابع على تويتر، ومن مؤيديها الدكتورة الأكاديمية هتون أجواد الفاسي في مكة، والكاتبة السعودية إيمان النفجان وغيرهما الكثيرات.

في المقابل، وبسبب انقسام المجتمع السعودي في شأن هذه القضية، ظهرت على تويتر آراء ضد الحملة استخدمت وسم #لن_تقودي. يقول أحد المستخدمين إن على المرأة المطالِبة بالقيادة التزام المنزل والتوبة، فالتوبة تجب ما قبلها.

ويستخدم البعض الوسم المناهض للحملة على سبيل السخرية.

وعلى سبيل السخرية أيضاً، غنّى الكوميدي السعودي هشام فقيه "لا يا إمرأة لا تقودي" مقلداً أسلوب المغني الشهير بوب مارلي.

ويبقى السؤال: هل القرار حقاً بيد المجتمع السعودي كما صرح الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز؟ هذا ويُسمح للنساء بالقيادة في السعودية داخل مجمعات خاصة أو مجمعات جامعية.

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيد عن التجاذبات السياسية القائمة.

التعليقات

المقال التالي