لماذا وضع النساء في كردستان أفضل من باقي الدول العربية؟

لماذا وضع النساء في كردستان أفضل من باقي الدول العربية؟

تعدّ كردستان العراق نموذجًا في منطقة الشرق الأوسط من حيث نسبة انخراط النساء في العمل السياسي، إذ تصل نسبتهن في مجلس النواب إلى 30%. جاء تعينهن في مناصب رفيعة اليوم، كرئاسة اللجان النيابية، نتيجة نضال حازم للوصول إلى ما هنّ عليه. مع ذلك، لا يخلو الأمر من بعض العراقيل والصعاب والأوهام.

كم هو عدد النساء في البرلمان الكردي؟

تشكل الكوتا النسائية 30% من نسيج البرلمان الإقليمي لكردستان التي تتمتع بحكمٍ ذاتي. وهي نسبة حددت بموجب القانون منذ العام 2009، بعد أن كانت 25% في الفترة الممتدة بين 2004 و2009. منذ الانتخابات النيابية الأخيرة عام 2013، حصلت النساء على 34 مقعدًا نيابياً من أصل 111. تُرجع النساء المنتخبات نجاحهن إلى بضعة عوامل منها الضغط المفروض من نشطاء المجتمع المدني، ونظرة القادة الأكراد للمرأة التي ناضلت إلى جانب الرجال في مواجهة اضطهاد صدام حسين، بالإضافة إلى رغبة السلطات في رفع معايير الحياة السياسية في كردستان في نظر الغرب، بغية إقناع العالم بأن كردستان جاهزة لتصبح دولة مستقلّة عن العراق. "منذ عشرين عامًا، كانت البرلمانيات الكرديات وعلى الرغم من قلّة عددهنّ ذوات سمعةٍ سيئة" تقول "رواز فيّاق حسين" النائبة الخمسينية المنتخبة عام 2013 وهي من مواليد السليمانية، ثاني أكبر مدينة في الإقليم. "منذ ذلك الحين نشأت لدى السلطات الكردية رغبةٌ سياسية بإشراك المرأة في العمل السياسي» تقول رئيسة المجلس الأعلى للنساء "فلورين جورجي سودان"، مضيفةً أن في البرلمان الحالي، تترأس النساء أربع لجانٍ نيابية من أصل 21، الأمر الذي كان يتعذر حصوله في الماضي.

كيف تعمل الكوتا؟

تحدد أصوات الناخبين الذين يقترعون لمصلحة مرشح أو لائحة مرشحين في الوقت عينه، عدد النساء في المجلس، وفي حال عدم وصول نسبتهن إلى 30% يتم تعيين العدد المطلوب من النساء اللواتي رشحّن على لوائح الأحزاب. بذلك، تلزم الأحزاب دائمًا بترشيح امرأة على الأقل مقابل كل رجلين. في الجولة الانتخابية الأخيرة، وصلت 13 امرأة إلى مقاعد المجلس عن طريق الاقتراع من دون اللجوء إلى نظام الكوتا، وهذا ما جعلهن فخورات بأنفسهن. تقول "ريواز فايق حسين" إنها انتزعت مقعدًا نيابيًا من رجل بفضل حصولها على عددٍ من الأصوات يعطيها الأسبقية.

ما هو وضع النساء في الحياة السياسية في الشرق الأوسط مقارنةً بكردستان؟

إذا ما أردنا المقارنة بين كردستان ودول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، نجد أن نسبة مشاركة النساء في الحياة السياسية في تلك المنطقة تنخفض إلى 16% في العام 2013. وحدها الجزائر استطاعت أن تتخطى كردستان بتسجيلها 32% مشاركة للمرأة، وذلك بفضل نظام الكوتا. لجأت دولٌ عربية أخرى إلى إقرار هذا النظام، من بينها تونس وليبيا والعراق، كجزءٍ من خطةٍ وطنية لإيصال نسبة مشاركة النساء إلى 25%. من دون هذا النظام، وصلت أفضل نسبة إلى 12% في سوريا، في حين أنّ لبنان أوصل 4 نساء إلى البرلمان الذي يضم 128 مقعدًا، بنسبة لا تتخطى 3.1%. لا يطبّق لبنان أي نطام كوتا نسائية مما يجعله في المرتبة الـ140 عالميًا من حيث نسبة مشاركة المرأة في الحياة السياسية.

كيف وصلنّ إلى ما هنّ عليه اليوم؟

سنتطرّق إلى مسيرة نائبات ثلاث، كلٌّ  منهن تنتمي إلى حزب مختلف. رغم نشأة "ريواز فايق حسين" في قريةٍ صغيرة في عائلة غير مثقفة، انخرطت في الجمعيات الطلاّبية ومن بعدها النسائية في حزب الاتحاد الوطني الكردستاني الذي تأسس عام 1975 عقب حرب الاستقلال. بطبيعة هادئة جداً، عملت رواز أستاذة في القانون التجاري، إلى أن شجعها زوجها النائب السابق لتقدم ترشحها للبرلمان. أمّا زميلتها "فالا فريد إبراهيم" فقد تم انتخابها للمرّة الأولى في العام 2013 بفضل نظام الكوتا. هي عضو في الحزب الديمقراطي الكردستاني الحاكم الذي تأسس عام 1946. تقول إبراهيم، الحاصلة على دكتوراة في القانون الجنائي الدولي، من مكتبها في مقرّ البرلمان في أربيل: "طلب منّي أعضاء الحزب تقديم ترشحي للانتخابات نظرًا إلى الشهادات الجامعية التي أحملها". أمّا بالنسبة لـ"بروا علي حما"، فهي مثال السيدة المتحدّرة من عائلة متواضعة بمسيرة أكاديمية مشرّفة، الأمر الذي أعطاها الأفضلية في أعين الناخبين وأوصلها إلى البرلمان عن حزب غوران (التغيير).

النساء في كردستان - النائبة «بروا علي حما» في الوسط وحولها النائبتان منيرة عثمان وبهار عبدالرحمن محمد النائبة "بروا علي حما" في الوسط وحولها النائبتان منيرة عثمان وبهار عبدالرحمن محمد

لماذا اخترن أن يصبحن نائبات؟

تقول "ريواز فايق حسين"، من مقهى في مدينة السليمانية: "كان ذلك بمنزلة حلمٍ تحقق بالنسبة لي. لطالما أردت أن أهتم بمشاكل الناس وأجيب عن أسئلتهم... تابعت تحصيلي العلمي لكي لا أصبح كوالدتي التي أمضت حياتها في المنزل تهتم بنا من دون أن تساهم ماديًا مع العائلة ومن دون أن تعبّر عن رأيها". عائلة "فالا فريد إبراهيم"، في المقابل،  حثت أبناءها على التميز عن باقي أفراد المجتمع. قدّمت إبراهيم أطروحة الدكتوراة عن المجازر بحق شعب كردستان. تقول: "اخترت أن أصبح نائبًا في البرلمان لكي أدافع عن حقوق الإنسان وأحمي أفراد المجتمع من السلطات المتغطرسة". تعتقد "بروا علي حما" من جهتها أنه من الضروري للمرأة أن تشارك في اتخاذ القرارات: "كامرأة أفهم معاناة جميع النساء. بجب علينا أن نكون إلى جانب الرجل في المجلس لكي نرتقي بقضايانا إلى أبعادٍ أخرى".

ما هي الصعوبات التي واجهتهنّ؟

بالإضافة إلى مصاعب الحياة السياسية التي تواجه أيضًا الرجال، كان على النائبات أن يبذلن مجهوداً إضافياً ليبرزن في مجتمعٍ ذكوري. تقول حسين: "بعض معارف والدي كانوا يسألونه: كيف تسمح لها بالخروج؟ كيف تسمح لها بالظهور على التلفاز؟"، لكن والدها لم يعط للأمر أهمية. في المقابل، دفعت رواز ثمن انخراطها في الحياة السياسية، بمقاطعة أحد إخوتها الأكبر سنًا لها منذ خمس سنوات. أثناء حملاتهنّ الانتخابية تواجه النساء بضعة عوائق. تقول إبراهيم: "كان من الصعب علينا الخروج أو الاحتكاك بالغرباء ولكن مهما كان حجم المصاعب، ها أنا ذا نجحت في تخطيها". تكتفي إبراهيم بهذا القدر من الكلام وهي فخورةٌ جدًا بما أنجزته. تقول حسين إنّه يمكن للمرأة أن تشعر بالعزلة في  مسيرتها السياسية، ولكنها تثني على استقلاليتها واستقلالية زميلاتها عن قرارات الأحزاب التي ينتمين إليها. تقول بروا: "كنّا كثيرات، ومن أحزاب مختلفة، عندما رفضنا التصويت على اقتراح تشكيل الحكومة الأخيرة التي ضمت وزيرة واحدة فقط. وافق حزب غوران الذي أنتمي إليه على هذه التشكيلة. لكنني رفضت".

ما هو رأي الرجال؟

تقول بروا: "يعتقد الكثير من الرجال أن لا مكان لنا في البرلمان، كما يعتقدون أننا لا نملك المقومات للعمل البرلماني". عندما سألنا "ريبين"، المهندس ذا الـ24 عامًا، عن رأيه، كان جوابه معقدًا: "بعض النساء لا يناسبهن العمل السياسي لأنّهن عاطفيات ولكن البعض الآخر لسن كذلك". أما سائق الأجرة الخمسيني، فيعتقد أن المرأة تمتلك قدرات الرجل ذاتها ولكنه يتساءل عمن سيهتم بالأطفال. لقد رأينا أن النائبات يحظين بدعمٍ من أبائهن وأزواجهن، ولكنهن قد واجهن معارضةً من  أشقائهنّ. البعض الأخر يبقى حذرًا أيضاً من تخطيهنّ الحواجز التي فرضها المجتمع الكردي على المرأة. "منذ سنتين، أثارت برلمانية عراقية ضجةً إعلامية وأصبحت حديث الساعة بعدما تكلمت في البرلمان وهي واقفة تصرخ في وجه رجل. جعلها تصرفها هذا محطّ انتقاد من الصحافة وأصحاب الرأي. هامش الحريّة، الذي يمنحه المجتمع الكردي للمرأة بسيط جداً. فبمجرّد رفع يديها اعتبرت أنها تخرق القواعد" يقول "سان سارافان"، الناشط في جمعيات الدفاع عن حقوق المرأة، راسماً صورة قاسية جداً عن الواقع الذي تعيشه النساء المنتخبات من الشعب. هذا الرجل الثلاثيني يحمل أفكارًا راسخة عن النائبات اللواتي يمثلنه، والتي يعتبرهن مجرد تمويهٍ لوضع المرأة الحقيقي: "في كردستان، ليس أمام النساء سوى خيار أن يصبحن رجالًا لكي ينخرطن في السياسة، وهنّ لسن سوى دمىً يسهل التلاعب بهنّ. في مجتمعنا لا قيمة للفرد بشكل عام، ويصبح الوضع أصعب عندما يتعلق الأمر بالنساء. طالما ستبقى المرأة في نظر عائلتها إما مدعاة فخرٍ أو مسببة للعار، فلا شيء سيتغيّر".

هل تعمل النائبات لخير النساء في كردستان؟

في حرم المجلس، تعمل النائبات لإحقاق العدالة في مجتمعٍ كردي ما زال ذكوريًا بامتياز. في خطوةٍ للحد من ظاهرة العنف المنزلي، أنشأ المجلس مراكز لإسكان الحالات التي تعرضت للعنف، وهو يعمل على تشديد العقوبات على من يرتكب هذا الفعل. لقد سجل في كردستان صيف 2014 ما يقارب 1990 حالة عنف منزلي لدى مراكز الشرطة، وذلك بحسب إحصاءات وزارة الداخلية. كما سجلت 14 حالة وفاة و11 حالة انتحار و43 حالة قتل عبر الإحراق و15 حالة إحراق للنفس. في العامين 2008 و2011 وبفضل الناشطات والبرلمانيات، تم التصويت لمصلحة تعديل بعض النصوص القانونية بهدف منع الختان والزواج الإجباري ووضع حدود لتعدد الزوجات. أمّا على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي، فقد اقترح حزب غوران إلى جانب أحزاب أخرى تخصيص مبلغ صغير لكل امرأة غير عاملة من أجل ضمن استقلاليتهنّ.

ماهي الأعمال الأخرى التي تنجزها النائبات؟

لا تكتفي نائبات كردستان بالشؤون النسائية، فمن ضمن أولوياتهن صوغ الدستور المستقبلي لكردستان مثلاً. إضافةً إلى منصبها في البرلمان، تشغل حسين منصب عضو في لجنة النفط، أمّا إبراهيم، فهي رئيسة لجنة القوانين. تؤكد حما من جهتها أنهن، لحظة انتخابهن، لم تعد النساء من أولوياتهن. "نعم، نحمل مسؤولية التصويت على قوانين لمصلحة المرأة ومسؤولية تحسين أوضاعها، لأن الشرخ بين وضع المرأة ووضع الرجل كبير، ولكن هناك الكثير من الملفات الأخرى  منها الاقتصادي والاجتماعي التي تستدعي المعالجة". من جهتها، تتابع إبراهيم أبحاثها في القانون الدولي وتدرس قضية المجزرة بحق الأيزيديين، كما أنها تعمل على موضوع إقرار البرلمان لتعويضات تُصرف لمصلحة ضحايا الجرائم بحق الإنسانية.

التعليقات

المقال التالي