Zlatan: السلطان المغرور الذي يعشقه الجميع

Zlatan: السلطان المغرور الذي يعشقه الجميع

"زلاتان إبراهيموفيتش Zlatan Ibrahimović لا يقوم بتجارب أداء". بهذه الكلمات رد الشاب اليافع الذي لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره على آرسين فينغر Wenger مدرب آرسنال الإنكليزي، وأحد أبرز مكتشفي المواهب في العالم، عندما شاء اختباره مدة قصيرة قبل اتخاذ قرار التعاقد معه.

14 عاماً من الإبداع المتواصل والإبهار، كانت كفيلة لتؤكد أن تلك الكلمات لم تخرج عبثاً ولم تكن ترهات تفوه بها مراهق، بل دلالات مبكرة على أن السويد مسقط رأسه، أو البوسنة بلد والده، أو كرواتيا بلد أمه، لن تنجب مثيلاً لزلاتان على المدى القريب.

لا يمكن لأي متابع كروي أن يكره إبرا، فسواء كان من مشجعي أحد الفرق السبعة التي ارتدى اللاعب قميصها، أو من مشجعي أي فريق آخر، لا يمكن سوى التصفيق له مع كل هدف يسجله، ومع كل تصريح ناري يلهب به وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.

يتفق الجميع على أن الغرور صفة مذمومة، لكن عندما يصل الأمر إلى قائد المنتخب السويدي، ترى الجميع متلهفاً لرؤية ما تحمله جعبة غرور السلطان الزاخرة بالمفاجآت من أقوال وأفعال تشعل حماسة الجماهير، وتزيد من محبتهم له.

تعتبر مسيرة زلاتان واحدة من أكثر الرحلات الكروية نجاحاً في التاريخ، فباستثناء فريقه الأم "مالمو"، تمكن النجم من تحقيق 22 لقباً في أربع بلدان مختلفة ومع ستة فرق.

بدأ إبرا مشواره الاحترافي مع مصنع النجوم أياكس أمستردام، ثم غادره إلى السيدة العجوز، ليرحل بعد الهبوط الفضائحي إلى إنتر ميلان، ثم إلى البارسا في أقصر تجاربه، ثم يعود إلى قطب ميلان الثاني، قبل أن يستقر به المقام في عاصمة النور مع فريق البي إس جي.

لقد تمكن قائد المنتخب السويدي خلال مسيرته الممتدة منذ العام 1999 من تسجيل ما لا يقل عن 327 هدفاً وصنع عشرات الأهداف مع الأندية التي مثلها، كما توج بعد خوض أكثر من مئة مباراة مع منتخب بلاده بلقب الهداف التاريخي (51 هدفاً)، وأجمع المتابعون على منحه جائزة "بوشكاش" أبدية لتخصصه في تسجيل الأهداف الإعجازية بكعب قدمه، وترشحه المستمر لجائزة أفضل هدف التي تمنحها الفيفا.

اللاعب الذي جمع بين عدائية روي كين R.Keane وشراسة كانتونا Cantona وخفة هنريك لارسون Larsson ودقة رونالدينو Ronaldinho، تميز عنهم جميعاً بتصريحاته الساخرة ومواقفه الطريفة داخل الملعب، وهذا ما جعله أيقونة استثمارية تتسابق الشركات إلى الظفر بتوقيعها.

في مجموعة من أكثر تصريحاته شهرة على الإطلاق، يجاوب زلاتان صحافياً سأله عن شرائه سيارة بورش بالقول: "لا، بكل تأكيد، لقد طلبت طائرة فهي أسرع بكثير". أما بعد خروج منتخب بلاده من سباق التأهل لنهائيات البرازيل، فقال إبرا: "كأس العالم بدون زلاتان، بطولة لا تستحق المشاهدة”.

عندما كان إبرا في صفوف ميلان، وصف المهاجم الكرواتي جون كارو Carew مهاراته بالقول إنها عديمة الفائدة، فجاء الرد الصاعق من السلطان: "ما يستطيع فعله كارو مع الكرة أستطيع فعله ببرتقالة!". ولم يكن رده على الصحفية التي استفسرت عن كونه شاذاً جنسياً إلا أشد وطأة من رده على كارو، إذ قال لها: "بإمكانك الحضور إلى منزلي مع شقيقتك وعندئذ سأريك من هو الشاذ!".

لم يحضر السلطان لزوجته شيئاً في عيد ميلادها، إذ "يكفي أن لديها زلاتان" كأفضل هدية حصلت عليها في حياتها، كما أنها كانت لتسكن في أفخم فندق في باريس يشتريه زوجها لو لم يفلح في إيجاد المنزل المناسب بعد انتقاله إلى سان جيرمان.

يتخذ إبرا من محمد علي كلاي مثلاً أعلى له، فهو الرياضي الذي لا يقول كلمة إلا ويقرنها بالفعل، كما يؤكد أنه يستطيع اللعب في مراكز اللاعبين الأحد عشر داخل الملعب، إذ إن "اللاعب الجيد يجب أن يبدع في كل المراكز" على حد قوله.

أكثر تصريحات زلاتان قسوة كانت من نصيب غوارديولا Guardiola مدربه في برشلونة الذي كان سبباً رئيسياً في خروجه من الكامب نو بعد موسم واحد فقط. فقد قال عنه اللاعب ساخراً: "عندما يتحدث غوارديولا عن فلسفته بالكاد أكون مصغياً. من يرغب في سماع كلام فارغ عن العرق والدماء والدموع وأشياء من هذا القبيل!". على النقيض تماماً، أعرب زلاتان عن إعجابه بمورينيو Mourinho مدربه في إنتر ميلان، مؤكداً أن غوارديولا يغار منه ويرغب في أن يصبح مثله.

لم يقتصر الغرور المحبوب للسلطان على الأقوال، بل إن مواقفه الطريفة مع اللاعبين والحكام داخل الملعب، لم تكن أقل شهرة من تصريحاته اللاذعة. فتارة ينظر باستعلاء من دون أن يرف له جفن للاعب حاول استفزازه، أو يحاول تبين رقم لاعب آخر في محاولة للتقليل من شأنه، كما يطلب من الحكم الذي يريد منحه بطاقة صفراء التقدم نحوه، فهو لا يذهب إلى أحد، بل يرسل معالج الفريق الفيزيائي إلى لاعب غير مصاب لأجل أن يضحك فقط.

برغم امتلاكه كل مقومات نجوم الصف الأول في عالم كرة القدم، بقي زلاتان بعيداً عن جائزة الكرة الذهبية، ولم يتمكن حتى من الوصول إلى منصة تتويج المراكز الثلاثة الأولى. يعيد المتابعون هذا الإخفاق الذي لا يلام عليه إلى بضعة أسباب، أولها وجوده في زمن رونالدو Ronaldo وميسي Messi، وثانيها تنقله الدائم من فريق إلى آخر، وثالثها فشله في إحراز لقب دوري الأبطال، التي يحققها الفريق الذي يخرج منه السلطان مباشرة (أنتر ميلان – برشلونة).

قبل أيام، كشف اللاعب المتمرد عن وجهه الإنساني، مقدماً لفتة لا يمكن إلا لزلاتان أن يقدمها. المخضرم السويدي خلع قميصه في مباراة فريقه الأخيرة أمام كان في الدوري الفرنسي، ليظهر عشرات الأسماء (من بينها عبد الله) الموشومة على ظهره وبطنه وصدره، في حملة جديدة أطلقها برنامج الغذاء العالمي بهدف محاربة الفقر، وقال زلاتان تعليقاً على مشاركته: "يعرفني الناس أينما ذهبت ويهتفون باسمي ولكن هناك أسماء لا يعرفها ولا يهتف لها أحد... لو استطعت أن أوشم أكثر من 50 اسماً لفعلت، كي يتذكر العالم أن هناك 805 مليون شخص يعانون من الجوع”.

قد لا تكون جائزة القدم الذهبية التي تمنح لأفضل لاعب تجاوز الثلاثين من عمره كافية لإبرا، لكن النجم الذي قال عن نفسه إنه "إله كرة القدم"، استطاع أن يكسب قلوب جميع الجماهير على اختلاف توجهاتها، ولم يسبق لأي جمهور فريق مثّله العملاق سابقاً، أن شتمه أو قام بتخوينه وتشويه صورته. هو لاعب يقدم للمتابعين كل ما يتمنون رؤيته في كرة القدم، ولا يتوانى عن القول: "أنا الشمال أنا الجنوب أنا الشرق أنا الغرب، أنا زلاتان إبراهيموفيتش".

عمر قصير

صحافي سوري مقيم في تركيا، مساهم في عدد من وسائل الإعلام السورية المكتوبة والمرئية. متخصص في الشؤون الرياضية.

التعليقات

المقال التالي