كيف يدفئ تنظيم الدولة الإسلامية فراش الحب؟

كيف يدفئ تنظيم الدولة الإسلامية فراش الحب؟

مع تسلسل مشاهد الذبح والرجم والحرق والقتل، ليس الذعر هو الوحيد الذي ينتاب المواطنين الذين يعيشون تحت سلطة داعش أو في محيطها... بل قد يكون الحب أيضاً. حب يرمي بالأشخاص في فراش دافئٍ تلبيةً لغريزة الحياة التي يوقظها الاحتكاك الدائم بالموت.

بقراءة متأنية في تاريخ الحروب وتأثيرها على الحياة الزوجية الجنسية والعاطفية، يتبيّن تحسن في العلاقات الجنسية كماً ونوعاً. هذه خلاصة توصل لها بحثٌ لجامعة فلوريدا في الولايات المتحدة، في شأن الثورة الجنسية "الصامتة" التي بدأت في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي. يبرز هذا البحث معطيات عدة تؤكد أن تلك الثورة الجنسية التي يُزعم أنها انطلقت في الستينيات، تعود إلى الفترة التي امتدت ما بين نهاية الحرب العالمية الثانية وبداية حرب فييتنام، وأتت نتيجة 15 عاماً من الكساد والحروب. نمت لدى المواطنين رغبة جامحة في الاستمتاع بالحياة وعيش اللحظات وكأنها الأخيرة، فراحوا يستغنون عن القيود التقليدية التي كانت تتحكم بمجتمعهم، وتكاثرت العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج وكذلك حالات الحمل.

بحثت المؤرخة والخبيرة في تاريخ العائلات ماري كابار Marie Cappar عن التغيرات التي طالت الحياة الحميمة والزوجية في بلجيكا خلال الحرب العالمية الأولى، وهي حرب ساهمت في خرق العادات الاجتماعية وتغيير النظرة للجنس. اللافت في دراستها هو مقارنتها للقيم في المجتمع قبل بدء الحرب، وخلالها وبعد انتهائها. كان دور المرأة في بداية القرن العشرين وقبل انطلاق الحرب العالمية الأولى تقليدياً، في مجتمعٍ بطريركي كلاسيكي. تبقى الفتاة تحت سلطة الوالد إلى أن تنتقل إلى سلطة الزوج، دون أن تتمتع بالحق في اتخاذ القرارات. القواعد الاجتماعية لم تجعل من الحب حينذاك لا شرطاً للزواج ولا معياراً لنجاحه، والعلاقات الجنسية كان هدفها فقط إنجاب الأطفال. اللذة ممنوعة، واستخدام الواقي الذكري أمرٌ مكروه، وذلك حتى اندلاع الحرب. مآسي الحروب ساهمت بشكلٍ كبير في محو الحدود الأخلاقية، فأحاطت بيوت الدعارة بالمعسكرات، وكثرت العلاقات العابرة بين الجنود وفتيات الهوى، وتفاقمت ظاهرة الزواج بالوكالة، وتطايرت رسائل الحب في جميع الأنحاء "ما من شيء أفعله غير أن أحبك وأرغب فيك"، "أقبلك بجنون"، "أشتاق إليك إلى حدٍ لا يوصف"… وبعد انتهاء المعارك، رجعت القيم الأخلاقية إلى قواعدها القديمة، وتم إغلاق القوسين اللذين سمحا للحب بأن ينتصر.

الحب هو أمرٌ عرفت قيمته فعلاً أجيال الحرب. في  مقالٍ نشر في شبكة fox news، تتحدث Nuala Calvi عن نساء ما سمي بـ"الجيل الأعظم"، أولئك النساء اللواتي عرفن معنى التضحية باسم الحب، على عكس الأجيال اللاحقة. حوالى 70 ألف امرأة بريطانية وعشرات الآلاف من النساء من جنسيات أخرى، تركن عائلاتهن ومنازلهن وكل ما يملكنه في الوطن الأم، ليلاقين أزواجهن في الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية. هي أعظم حادثة هجرة للنساء إلى أمريكا في التاريخ. أتين لأنهن أقمن وعوداً لأزواجهن، وعرفن أن عليهن الوفاء بها، مهما كان الثمن.

لا خلاف على كون أجمل أفلام الحب هي تلك التي تصور علاقة شغف أيام الحرب: فليم Pearl Harbor، فيلم The End of the Affair، فيلم Beyound Borders، فيلم Casablanca، فيلم The English Patient وغيرها من الأفلام. أجمل رسائل الحب أيضاً هي تلك التي كتبت بقلمٍ أفجعته حرب ما. "ما زلت (وسأزال) لا أصدق تلك الأعجوبة الخيالية في حبك لي"، كتب الطبيب البريطاني توماس لحبيبته الممرضة النمساوية كايتي والكر، وهما اللذان وقعا في الحب خلال الحرب العالمية الثانية، ضمن مجموعة من الرسائل الرائعة التي نشرتها ابنتهما أخيراً احتفالاً بحبهما. الحرب تمتن علاقات الحب بين الأفراد، لأنهم يرون فيها وسيلة للمقاومة. وفي أصعب الظروف التي تدفع بالأشخاص نحو حافة الموت، تولد قصص الحب الذي لا يخشى شيئاً ولا أحداً.

عاشت معسكرات الاعتقال النازية على سبيل المثال حكايات حب وشغف تدفع الإنسان للحلم، مثل حكاية مالا البلجيكية وإديك البولندي اللذين وقعا في الحب في معسكر أوشفيتز بيركينو. كان الثنائي يلتقيان سراً بمساعدة زملائهما في المعسكر، إلى أن قررا الهرب ونجحا في المحاولة، قبل أن توقفهما على الطريق نحو سلوفاكيا دورية ألمانية، أعادت بهما إلى المعسكر. بعد أشهرٍ من العذاب الجسدي في المعسكر، قرر النازيون إعدام الثنائي أمام المساجين، كلٌ  في القسم المخصص لجنسه. إديك مات شنقاً، في حين قررت مالا قطع شرايينها لتموت بقرارٍ من نفسها. تلك القصة الدراماتيكية كانت رمز المقاومة لجميع السجناء الآخرين في المعسكر، ووهبت القوة والشجاعة للعشاق من بينهم.

يظن العدو أنه يكبت الحب والأمل باستخدام جميع أنواع التعذيب والإذلال والقتل، بينما هو في الواقع يقرّب العشاق بعضهم من بعض. عندما يرمي تنظيم الدولة الإسلامية ثنائياً في حفرة، ليقوم برجمهما حتى الموت بتهمة الزنا، يظن بأنه يطبق الشريعة، لكنه في الحقيقة يكتب قصة "روميو وجوليات" جديدة.

نشرت قبل مدة رسالة كتبتها كايلا مولر التي اختطفها تنظيم الدولة الإسلامية في العام 2013، وأعلن مقتلها منذ أيامٍ قليلة. تقول عاملة الإغاثة الأمريكية في رسالتها التي كتبتها العام الماضي لعائلتها وأحبائها "رأيت النور في الظلمة، وتعلمت أنك حتى ولو كنت مسجوناً بإمكانك أن تكون حراً. أنا أشعر بالامتنان للتجربة التي أعيشها وأصبحت أرى الخير في كل الظروف. قررت الاستسلام لله. وحياتي مرتبطة بالحب".

كريستين أبي عازار

صحافية لبنانية تعمل في مجالي الإعلانات والصحافة المكتوبة. متخصصة في الشؤون الاجتماعية والثقافية في منطقة الشرق الأوسط. عملت سابقاً في مجلة ماري كلير Marie Claire العالمية بنسختها العربية.

التعليقات

المقال التالي