معلمات سوريات يعشن حياة المراسلات الحربيات

معلمات سوريات يعشن حياة المراسلات الحربيات

"هويتك من فضلك" عبارة اعتادها المواطن السوري. لكن بعض الأشخاص يسمعونها يومياً بضع مرات ومن جهات عدة. فالمعلمون الذين شاء قدرهم أن يدرّسوا في المناطق المشتعلة أمنياً والواقعة تحت سيطرة قوى مشتركة، يعيشون كل يوم رحلة شاقة لدى عبور الحواجز، أولها لجيش النظام وبعده بأمتار قليلة حاجز للجيش الحر، وقد يكون الثالث للنصرة أو داعش.

تروي إحدى المدرّسات: "كل من يدخل إلى منطقة ببيلا في محافظة ريف دمشق مراقب من جميع الجهات. زميلة لي تنتمي للطائفة العلوية ترتدي الحجاب أرسلوا إليها تهديداً يقول "سلمي على زوجك الضابط"، ففوجئنا كيف عرفوها وعرفوا وظيفة زوجها. إنهم يفتشوننا كل يوم. فالمرأة الموكلة إليها هذه المهمة لا توفر أي معلمة إلا وتفتشها لدى الدخول والخروح من رأسها إلى أخمص قدميها". ما يحدث في ببيلا يطال غيرها من البلدات والقرى المجاورة مثل يلدا وبيت سحم في جنوب دمشق وبرزة في شمال شرقها والمعضمية في جنوب غرب العاصمة، وجميعها لا تبعد فعلياً عن قلب المدينة أكثر من ربع ساعة.

تقول المدرّسة ن.ل. من إعدادية ببيلا: "قلما يمر يوم مدرسي دون وجود توتر أمني. وعندما يسمع الطلاب صوت الرصاص يركضون فوراً للباحة. علماً أن معظم طلاب الثانوية يحملون السلاح". وتضيف "أحياناً خلال إجراء اختبارات للطلاب، يأتينا خبر من بعض عناصر الأمن بضرورة الخروج فوراً من المنطقة، كونها مهددة وعرضة للقصف. عندئذ يفقد التعليم أهميته، ولا نعرف متى نغادر المدرسة ونصل إلى بر الأمان".

ومرات، يأتي أحدهم طالباً من إحدى المعلمات مقابلة أحد شيوخ جبهة النصرة في المنطقة رغبة منه بضمها للكادر التدريسي في المدارس الشرعية، فتقع هذه المدرّسة في حيرة. فهي تعمل تحت إدارة وزارة التربية السورية ولا يمكنها العمل مع جهة معادية لها، عدا أنها لن تشعر بالأمان إذا رفضت طلباً لبعض عناصر الجهات الإسلامية.

وكثيراً ما يقوم بعض عناصر داعش بجولات تفتيش على المدارس للتأكد من ارتداء المعلمات اللباس الشرعي موجهين لبعضهن تحذيرات حول لباسهن، برغم أنهن يرتدين الحجاب.

يتحدث أحد المعلمين عن صفقات تجري داخل هذه المناطق وبالتنسيق بين جميع الأطراف. يقول: "في بداية تعيينا لم نلحظ مثل هذا التشدد على الحواجز ثم اكتشفنا السبب. كل طرف يريد أن يمرر عن طريقنا ما يريده للداخل. فكل ما يخطر على البال يباع بأسعار خيالية في هذه المناطق، من ربطة الخبز مروراً بالسكر وصولاً إلى علب التبغ، إذ يبلغ ثمن السيجارة الواحدة الـ4 دولارات وربما أكثر. كنا نجبر أن ندخل معنا بعض الأغراض كي نبيعها لحساب بعض الجهات، علماً أن عناصر الحاجز يرمون لنا أبسط الأشياء في حوزتنا كالشاي والقهوة والسندويشة والتفاحة".

السؤال الذي يطرح نفسه ههنا هو كيف يجري التدريس في ظل هذه الظروف الصعبة. الطلاب في هذه المناطق تعايشوا مع الوضع. الكتب ليست مؤمنة للجميع، وذهاب طلاب الشهادات إلى الامتحانات ليس مضموناً، ما يحرمهم من خوض الامتحان النهائي الذي يحدد مصيرهم. أما الطاقم التعليمي، وخصوصاً المدرّسات، فهن يعشن بين نارين، فإما أن يمتنعن عن تأمين الدوام بسبب تدهور الوضع وتعرض حياتهن للخطر في كل يوم، وهذا يعني أنهن بحكم المتغيبات عن العمل ويحرمن من الراتب الشهري الذي لا يتجاوز في الأساس مبلغ الـ100 دولار. وإما أن يتعايشن تماماً مع الوضع الذي فرض عليهن. منذ بضعة أشهر، لم يكلف أي مسؤول من مديرية التربية نفسه عناء معاينة الوضع عن كثب للاطمئنان على سلامة الكادر التعليمي ولمعرفة الأحوال التي يتم التدريس فيها.

يحاول عناصر داعش أن يلغوا بعض المواد من المنهاج التعليمي وإحداها التربية القومية. كما هناك تفضيل لحصص اللغة العربية والتربية الإسلامية على حصص اللغتين الانكليزية والفرنسية، لأنهم يعتبرونهما دخيلتين، مما يكبد أساتذة هاتين المادتين معاناة إضافية، فالحصة قد تُلغى في أي وقت. يطمح القائمون على هذه المناطق لاستقلالها تماماً عن الدولة - رغم أنها في فترة مصالحة وهدنة - على غرار بعض مناطق الغوطة الشرقية التي استطاع المعلمون فيها تدريس مناهج خاصة ومبتكرة تجاري تطلعات القوة المسيطرة.

يذكر أن القطاع التعليمي تضرر كثيراً منذ بداية الحرب في سوريا، إذ يفيد تقرير صادر عن منظمة اليونيسيف أن أكثر من 3000 مدرسة دمّرت في سوريا، وقرابة 1400 تستعمل ملاجئ للنازحين.

التعليقات

المقال التالي