اعرف عدوك

اعرف عدوك

ما يمتلكه المواطن شرق الأوسطي من اهتمام  في الحقيقة هو على العكس مما يتوقعه الغرب من حكوماتنا، فالغرب يعتقد أن حكوماتنا لا تهتم بنا، لكنها على خطأ. حكوماتنا تصرف نصف ميزانياتها علينا، وعلى السهر على راحتنا وأمننا، ومعرفة أين يتواجد كل فرد منّا عادة، ومن هم أصدقاؤنا، ومن هم أقرباؤنا، وما هي نقاط قوتنا، وما هي نقاط ضعفنا؛ بل إنهم حتى يسبرون أغوارنا السحيقة، فيعرفون أيضاً من أحببنا، ومن عشقنا، ومَن مِن طرف واحد، ومَن مِن طرفين... يعرفون ما بين الحاجب وريف العين، فهم العيون الساهرة على راحة المواطن الذي يقولون عنه (العينتين). إنهم يعرفون ما هو عمل العينتين، وما هي الأقساط التي يجب أن يدفعها العينتين، وكم عدد أبناء العينتين، وأين يذهب في الصباح العينتين، ومن أين يأتي في نصاص الليالي العينتين.

العينتين مهم، وإلا ما كانوا سموه بالعينتين، حتى أنهم فرزوا لكل عينتين عينين ساهرتين، على مبدأ مخبر لكل مواطن، على حساب المواطن طبعاً، ومن البادجيت تبعه بالتأكيد، ففي بلاد تدخل شمس المخابرات إلى كل البيوت فيها لا يدخلها الطبيب، ليس بسبب صحة أبنائها العال العال، بل لأن صحته غير مهمة على الإطلاق، مهمة فقط كمعلومة في عصر المعلوماتية شرق الأوسطية، فالمواطن المريض لا بد وأن يستجير في عز مرضه بذوي السلطان، كي يتكرموا عليه بالعلاج، وكي يكتبوا عنه في الصحف والمجلات، أن فلاناً تم علاجه على حساب السلطان، وما أكرم السلطان، ما أشهم السلطان، وما أروع السلطان!

أنت لا تعرف أهميتك أيها المواطن، لقد فرزنا لك ولأبناء حارتك زبالين، زبال في المساء، وآخر في النهار، واحد يعرف ماذا أكلت البارحة أكثر من القطط التي ترمقك شذراً الآن، لأنك منذ أسبوعين لم ترم لها ما عليه القيمة من بقاياك، أصلاً من مثلك لا بقايا له، لا يترك خلفه الآثار، يمسح الصحون باللسان، ويهرس العظام بالأسنان، فيسجل الزبال، هذا مواطن أندبوري عايف التنكة، حتى قطط الحارة لا تشكر منه، كما أن أمه لا تحبه، ويرد الجيران على سلامه على مضض في أحسن الأحوال، إنه بلا جاذبية، ولا خوف منه كما قال معلم الزبال. وما إن تموء القطط شاكرة لكرمك حتى ينتبه عمّك الزبال، ما الذي يحدث معك، ترمي فروج البروستد كما هو تقريباً، هكذا دوَّن زبّال النهار، وتخشخش الأموال في جيوبك حال عودتك متأخراً، كما سمعت آذان زبال الليل المرهفة. يا سيدي لقد انقلب بهذا الأندبوري الحال، وصار الجيران يبادرونه بالتحية وهو يرد على مضض، وصارت أمه تدعي له ليل نهار، بل إنه نفحنا المال فأخذناه شاكرين، فنحن زبالين نأخذ الإكراميات، لكن لو أعطانا إياها كما هي وظيفتنا لرفضناها، فنحن لا نرتشي يا سيدي.

ـ وكم أعطاك هذا البطران؟!!

ـ ألف دينار

ـ كذاب... أعطاك ألفين.

ـ إي والله يا سيدي صحيح كلامك، أنا قصدي حصتنا ألف، وهي الألف حصتك بالتمام والكمال ما بينقصوا ولا دينار.

إذن للحيطان آذان، وللشوارع عيون، وللشجر رادارات، وللتكاسي عدادات، تعد وتحصي ما تنفست، ما أطلقت من آهات، ما نطقت به من ملاحظات، وما صرخت به من قهر لحظة زيَّن لك السائق الكلام، فيأخذ منك أجرته حسب ما تفوهت به، يعرفون نوع ألمك، يعرفون حجم قهرك، يعرفون وجعك، وعندما يحين وقتك، يعرفّونك بأنفسهم على وجعك، وعلى هون بيوجعك، وهون ما بيوجعك، حتى تخرج من عندهم مؤهلاً من جديد للحياة في هذه البلاد.

فإلى أين أنت ذاهب يا مواطناً في هذه البلاد، إلى أين تمضي بأحلامك وأفكارك عن الحرية والجمال، أنت لا تعرف شيئاً عنَّا، لم تقدِّر مدى قوتنا، ظننت أنك بخبطة قدمك الهدارة ستحتل الصدارة؟ هذا فقط في الأغاني، ويجب أن نذكِّرك بأننا نحن الذين سمحنا بأن تسمعها، حافظنا على رجاحة عقلك قدر الإمكان، من المعرفة وأولاد الحرام تبعها، وتركنا لك مساحة لا بأس بها للصراخ، حتى لو ضدنا، لأننا نعرف أن أحداً لن يسمع صراخك وسط صراخ كتَّابنا، فنحن أيضاً عندنا كتَّاب، بل عندنا اتحاد للكتّاب، واتحاد للنساء يتميزن بشواربهن الكثيفة عن باقي النساء، ويدافعن عن سلطة الرجال، وليس أي رجال، فنحن بالنسبة إليهن فقط رجال، فإلى أين تمضي يا من تظن نفسك رجلاً، أنت لا تعرف عن رجولتنا شيئاً، ونحن نعرف كل أسباب خوفك.

اعرف عدوك، والسلطان يعرف أن لا عدو له إلا الشعب، بينما الشعب لم يعرف أن لا عدو له سوى السلطان، إلا عندما بنفسه على حقيقته بان. لكن بعد أن قال له معلموه حكام الكرة الأرضية: اظهر وبان عليك الأمان.

 

تم نشر المقال على الموقع بتاريخ 28.10.2013

كلمات مفتاحية
لقمان ديركي

التعليقات

المقال التالي