غياب القانون يهدر حقوق الأسر وعاملات المنازل

غياب القانون يهدر حقوق الأسر وعاملات المنازل

خلّف غياب إطار قانوني واضح لتنظيم قطاع عاملات المنازل في الدول العربية علاقة مشوهة بين الأسر العربية والعاملات، بحيث باتت حقوق كلا الطرفين منتهكة. وفي وقت ترى منظمة العمل الدولية أن “الدول العربية تبذل حالياً جهوداً لتنظيم القطاع، يبقى غياب إطار شامل لإدارة ملف العمّال المنزليين المهاجرين سبباً رئيسياً لعدم تكافؤ تلك العلاقة”.

وبرزت إشكالية عاملات المنازل مع ازدياد أعدادهن في المنطقة. فوفقاً لبيان لمنظمة العمل الدولية حمل عنوان "التعاون للخروج من العزلة: حالة العمال المنزليين في الأردن ولبنان والكويت" وصدر نهاية العام الماضي، شهدت الدول العربية زيادةً في أعداد العمال المنزليين المهاجرين (غالبيتهم من النساء) الذين أصحبوا المقدم الأول للرعاية في المنازل.

ترجع المنظمة ذلك إلى عوامل عدّة، منها نقص البنى التحتية والرعاية الاجتماعية والتحولات الديموغرافية والتغييرات التي طرأت على الأسر وتبدل أنماط العمل والدخل ومشاركة المرأة العربية في سوق العمل.

من جهتها، تركّز منظمات عمالية وحقوقية على المشاكل التي تواجهها عاملات المنازل، والتي تتركّز في قضية الكفالة وطول ساعات العمل والحرمان من الحقوق العمالية كالإجازة السنوية، فضلاً عن انتهاكات تتعلّق بعدم دفع الرواتب وعدم توفير الرعاية الصحية والإساءة الجنسية والجسدية في بعض الحالات.

لكن تعتبر بعض الأسر العربية أنّها تعرضت للخداع من قِبل مكاتب الاستقدام والعاملات بعد أن تبيّن لتلك الأسر أنّ مؤهلات العاملة لا تتوافق مع متطلباتها. تتركز الشكاوى التي تقتدمها الأسر في ضياع الحقوق نتيجة رفض العاملات العمل أو هروبهن بعد فترة قصيرة، بالإضافة إلى اقتصار الفحص الطبي على الأمراض السارية والحمل فيما يُستثنى من الفحوص الأمراض المزمنة كالسرطان والسكري وفحص الطب النفسي.

تشكّل قصة "نهى" نموذجاً للمتضررات من فجوات نظام عاملات المنازل في الأردن. فمنذ أن علمت نهى بحملها حتى بدأت بتوفير جزءٍ من راتبها لجمع مبلغ يتيح لها توظيف عاملة منزل من إحدى الدول الآسيوية لتساعدها في رعاية طفلها بعد انتهاء إجازة الأمومة وعودتها إلى العمل. تمكّنت "نهى" من جمع مبلغ 2500 دينار أردني (3510 دولارات أمريكية) وهو مبلغ كبير نسبياً لموظفة في القطاع العام، إلا أنّ مساعدة عاملة منزل في رعاية رضيعها كانت السبيل الوحيد أمامها للعودة إلى العمل في ظل غياب لخدمات الدعم والمساندة للأمهات العاملات وعدم توفر دور حضانة مناسبة.

لكن ما لم يكن بالحسبان لدى "نهى" ، تعرض طفلها بعد يومين من عودتها إلى العمل لإصابة شديدة في عينه ووجنته. ورغم ادعاء العاملة أن ما جرى كان نتيجة لسقوط الطفل من يدها، بيّن التقرير الطبي أن الطفل كان قد تعرض لضرب مبرح. عند التحقيق، اعترفت العاملة بفعلتها مبررةً سلوكها بأنها لم تستطع تحمّل بكاء الطفل المستمر، فضلاً عن عدم رغبتها في العمل وشعورها بالحنين لوطنها. نتيجة لتلك الحادثة، تمّ توقيف العاملة ثم جرى ترحيلها لاحقاً على نفقتها الخاصة. أمّا "نهى" فخسرت كل ما دفعته من أموال مع أن العاملة لم تمض سوى 4 أشهر من أصل عامين، مدة الاستقدام في عقود عمل عاملات المنازل، والأهم أنها خسرت وظيفتها بعد أن فقدت الثقة بمقدمي خدمات الرعاية كافة.

توضح ليندا كلش، المديرة العامة لمركز "تمكين" للمساعدة القانونية وحقوق الانسان المتخصص بقضايا العمال المهاجرين "في الدول العربية بشكل عام مشكلة في نوعية العاملات اللواتي يتمّ إرسالهن إليها. فهنّ في الغالب غير مدرّبات على العمل ويجهلن اللغة ولا يتم تعريفهن بطبيعة الأسرة التي سيعملن لديها. كما لا يتمّ التحقق من حالتهن النفسية قبل مباشرتهن العمل". وتتابع "في الحالات التي تعاني فيها العاملة من أوضاع نفسية مضطربة ونتيجة لضغط العمل، ينجم عن بعض العاملات سلوكيات غير سوية كإيذاء أحد أفراد الأسرة، وتحديداً الأطفال أو كبار السن كونهم الفئات الأكثر ضعفاً".

في المقابل، تشير كلش إلى أنه في وقت يتمّ تسجيل مخالفات ترتكبها العاملات، يبقين الحلقة الأضعف وعرضة للاستغلال من أصحاب العمل، لافتةً إلى السجل الطويل للانتهاكات بحق عاملات المنازل.

وبحسب الملاحظات التي جمعها مركز تمكين في عدد من الدراسات لأوضاع عاملات المنازل المهاجرات في الدول العربية، تبين أن مشاكلهنّ متشابهة في كل الدول العربية وغالباً ما تتعلّق بحجز وثائق السفر وأوراقهن الرسمية، وطول ساعات العمل، والحرمان من الإجازات الأسبوعية والسنوية، وعدم شمولهن بنظام العمل الإضافي، فضلاً عن تعرّضهن للإساءات اللفظية والبدنية. وفي حين يعاني لبنان والأردن من مشكلة عزوف أصحاب العمل عن دفع الرواتب، تبقى هذه المشكلة أقل شيوعاً في دول الخليج.

يتماشى تعليق كلش مع ما ورد في بيان لمنظمة العمل الدولية صدر نهاية العام الماضي ونص على أنّ "عدم وجود إطار شامل لإدارة العمال المنزليين المهاجرين يؤدي إلى نشوء علاقة عمل غير متكافئة بين العامل وصاحب العمل".

وتشير سجلّات "تمكين" إلى حالة لعاملة من جنسية آسوية عملت لدى سيدة استقدمتها لمدة عام من دون أن تتقاضى سوى راتب ثلاثة أشهر. أفادت العاملة أنها كانت تعمل أكثر من 18 ساعة يومياً في ظروف غاية في الصعوبة، فضلاً عن تعرّضها لسوء المعاملة والضرب الأمر الذي دفع بها لطلب العودة إلى بلادها، إلا أنّه جوبه بالرفض. نتيجة ذلك، حاولت العاملة قتل نفسها عن طريق قطع شريان يدها ليتم نقلها لاحقاً إلى المركز الوطني للصحة النفسية، وتسعى "تمكين" حالياً لمساعدتها على العودة إلى بلادها وتوفير المال اللازم لذلك.

بحسب كلش "تعاني الدول العربية من إشكاليتين، الأولى متعلقة بالتشريعات الناظمة لعاملات المنازل، والثانية الواقع الإجرائي. في مجال التشريعات، تقول كلش "تحاول غالبية الدول العربية تطوير تشريعاتها بما يضمن حماية أفضل للعاملة وصاحب العمل". وتضيف "لكن وإن كانت الأردن تعدّ متقدّمة على غيرها من الدول العربية لأنّ عاملات المنازل يخضعن لقانون العمل فيه، فإن الواقع مختلف لعدم تطبيق القانون".

وفي هذا السياق، يوضح أمين عام وزارة العمل الأردنية حمادة أبو نجمة أنّ "نظام عاملات المنازل في الأردن يُعدّ الأكثر تطوراً وتماشياً مع الحقوق العمالية بالمقارنة مع الأنظمة الشبيهة في الدول العربية. فبموجب قانون العمل الأردني، إن عاملات المنازل مشمولات بالقانون ويخضعن للحقوق والواجبات الواردة فيه". في المقابل، يُقرّ أبو نجمة بوجود اختلالات في التطبيق "رغم أنّ قانون العمل ينص على عقوبات بحق المخالفين سواء صاحب العمل أو العامل، لكن الإشكالية تكمن في صعوبة التطبيق". ويوضح "ينص قانون العمل على تعويض صاحب العمل في حال تغيب العامل من دون تقديم تبرير، لكن عاملات المنازل لا يملكن ما يكفي من المال لتعويض صاحب العمل، وتالياً يتردد صاحب العمل في التقدم بالشكوى". ويضيف "أما إذا كانت المخالفة من صاحب العمل، فإننا نواجه صعوبة التأكد من اتهامات العاملة كون تلك الانتهاكات تحدث خلف أبواب المنازل".

ولمواجهة هذه التحديات، يشير أبو نجمة إلى نظام أقرّه مجلس الوزراء نهاية العام الماضي يتضمن بنداً للتأمين الإلزامي على العاملات لتعويض صاحب العمل في حال هروب العاملة أو امتناعها عن العمل ولتوفير علاجها في حال المرض، فضلاً عن توفير مراكز إيواء للعاملات وتصنيف مكاتب الاستقدام وفقاً لالتزامها بشروط الوزارة، لافتاً إلى أنّ النظام سيدخل حيّز التنفيذ قريباً. ويرى أبو نجمة أن هذا النظام سيشكل المخرج للتعامل مع الفجوات في الإجراءات والتطبيق ويحقّق أكبر قدر ممكن من العدالة لصاحب العمل والعاملة.

وفي وقت لا يعير المسؤولون في الدول العربية اهتماماً لدور نظام الكفالة كمسبب لهذه العلاقة غير المتكافئة بين صاحب العمل والعاملات، ترجع منظمة العمل الدولية الخلل في العلاقة إلى نظام الكفالة الذي يتسبّب بتوزيع غير عادل للقوة، فضلاً عن عدم تغطية معظم قوانين العمل في المنطقة للعمال المنزليين.

تتوافق ملاحظات منظمة العمل الدولية مع ما جاء في تقرير أطلقته منظمة هيومان رايتس ووتش بالتعاون مع الشبكة الدولية للعمال المنزليين والكونفدرالية الدولية للنقابات العمالية في أكتوبر 2013 وحمل عنوان "المطالبة بالحقوق: حركات العمال المنزليين وأوجه التقدم العالمية على مسار إصلاحات حقوق العمال"، اعتبرت أنّ الشرق الأوسط قد فشل في حماية عمال المنازل.

وبحسب التقرير، يتمّ ربط تأشيرات العاملات في السعودية والكويت والأردن ولبنان بأصحاب العمل. ويستطيع "الكفيل" ترحيل العاملة المنزليّة حين يشاء، كما أنّه يصادر في كثير من الأحيان جواز السفر. وفي السعودية، تحرم العاملة من حقها في رفض العمل، وإن كان ذلك لسبب مشروع. ويمنح نظام الكفالة أصحاب العمل السيطرة المطلقة على عاملات المنازل فيما تفقد العاملات الفارّات الوضع القانوني، وهذا يعرّضهنّ للملاحقة القانونيّة.

واعتبر التقرير ذاته أنّه على الرغم من أنّ الأردن ضمّت العمالة المنزلية إلى قانون العمل، قبل نحو 7 سنوات ووضعت نظاماً يحدد ساعات عملهن بثماني ساعات، فهنالك تراخ في تنفيذ القوانين، كما هو الحال أيضاً في البحرين التي، رغم توسّعها في تدابير الحماية للعمال المنزليين، لم توفّر تدابير الحماية الأساسية كساعات العمل والإجازة الأسبوعية والحد الأدنى للأجور.

وفي ظلّ هذه الظروف، شهد لبنان في 25 الشهر الجاري تأسيس أول نقابة للعاملين والعاملات المنزليين في العالم العربي. النقابة لم تصبح قانونية لكونها لم تحصل بعد على الموافقة المطلوبة من وزارة العمل اللبنانية، وهو الأمر الذي يبدو إلى الآن بعيد المنال، إذ أصدرت الوزارة بياناً اعتبرت فيه الخطوة غير قانونية.

حقوق الأسر - حقوق عاملات المنازل في العالم العربي

الصور من أ ف ب

نادين نمري

صحفية أردنية متخصصة في صحافة حقوق الإنسان، لديها اهتمام خاص بقضايا الحريات الدينية والأقليات في الشرق الاوسط، والجندر وحقوق الطفل والأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، مناهضة لعقوبة الاعدام. حائزة على جائزة صحافة حقوق الانسان للعام 2015 المقدمة من منظمة صحفيون لحقوق الإنسان ومعهد الإعلام الاردني. تعمل في مجال الصحافة المكتوبة منذ 12 عاما.

التعليقات

المقال التالي