شمسي: مدرسة سيرك للأطفال المهمشين في المغرب

شمسي: مدرسة سيرك للأطفال المهمشين في المغرب

في حي شعبي في مدينة سلا (مدينة مجاورة للعاصمة المغربية)، توجد واحدة من أهم المدارس في المغرب وأندرها في المنطقة: شمسي لفنون السيرك.

في أواخر التسعينات من القرن الماضي، انطلقت "شمسي" مشروعاً موجّهاً للأطفال الذين لا يرتادون المدرسة، تحت إشراف «الجمعية المغربية لمساعدة الأطفال في وضعية غير مستقرة» AMESIP، واستمرت مدة عشر سنين إلى أن أصبحت المدرسة الوطنية للسيرك "شمسي"، تحت إدارة "ألان لايرون"، المدير السابق للمركز الثقافي الفرنسي في إحدى المدن المغربية.

تعتمد المدرسة على فريق مكوّن من اختصاصيين اجتماعيين وأساتذة مغاربة وفرنسيين، يدربون ويشرفون سنوياً على العشرات من الأطفال والشباب، الذين يواجهون ظروفاً صعبة تمنعهم من استكمال تعليمهم في مدارس عادية.

كانت "شمسي" في بدايتها نافذة أمل لأطفال لم يتمكن أهاليهم من توفير تكاليف مدارسهم، فتكفلت بهم الجمعية آنذاك وأعادت تأهيلهم دراسياً. تطور الأمر إلى تلقينهم فنون السيرك، والموسيقى، والرسم، ومهارات أخرى، إلى أن تخرجت أول دفعة سنة 2012.

يوضح أحد المسؤولين في المدرسة أن ضمن أهداف "شمسي" إتاحة فضاء مشترك لأطفال قدموا من أحياء مهمشة وأسر مفككة وفقيرة، لا يعرفون إلا القليل عن السيرك. أصغر هؤلاء التلاميذ يبلغ 15 سنة وأكبرهم 25، طموحاتهم كبيرة وأملهم في الاعتماد على أنفسهم بعد التخرج والعمل أكبر، برغم أن ذلك يعدّ صعباً في بلد كالمغرب حيث الفرص قليلة جداً لفنانين مثلهم، إلا أنهم يعتبرون "شمسي" بيتهم الثاني وفرصتهم للتعلم فيها لا تقدّر بثمن.

في انتظار العثور على الفرصة المناسبة، التي تكون غالباً مع فرق سيرك أجنبية، تساعد "شمسي" خريجيها على الاستمرار في العمل، من خلال عروض مدفوعة الأجر، تساهم في إغناء سيرتهم الذاتية والمهنية.

"تعلّمت كيف أتعامل مع جسدي أولاً" يقول مراد، تلميذ في "شمسي" على مشارف التخرج، التحق بها قبل خمس سنوات، وكان محظوظاً إذ اُختير من بين مئات المرشحين. يؤكد مراد أنه قادر اليوم على أن يصبح مدرباً، وهو ما يتعلمه حالياً، بالإضافة إلى المهارات المختلفة التي اكتسبها.

نادية التي كانت تقضي معظم وقتها متدربةً على حركات بهلوانية في بحر سلا، تعلمت الكثير أيضاً في "شمسي"، بعد أن اكتشفت شغفها بالسيرك، وتوقفت عن الدراسة للتفرغ له تماماً.

مراد كنادية، اكتفى بالثانوية العامة وقدم من الدار البيضاء ليحقق هدفه في الحصول على شهادته. يقول: "أعمل جاهداً للوصول لذلك، وأسعى إلى تطوير مهاراتي. تعلمت مثلاً الرقص المعاصر الذي لم أكن أعرف عنه شيئاً، وأصبحت قادراً على تصميم عرض خاص بي". على المستوى الشخصي، لا يتعلم الطلاب في شمسي فنون السيرك والحركات البهلوانية فقط، بل مهارات يستخدمونها في حياتهم اليومية، انطلاقاً من كون تعاليم السيرك تملك أبعاداً نفسية، ومنها التوازن الداخلي، تقدير الذات، القدرة على المشاركة، التعاون، والثقة بالآخرين. اكتسب مراد مثلاً مهارات التواصل والتعامل مع الآخرين بمختلف أعمارهم وثقافاتهم.

هؤلاء الشباب، راقصين وممثلين صامتين يمشون على الحبل أو يقومون بحركات بهلوانية، أثبتوا أنهم قادرون على خوض أكبر التحديات وأداء عروض متقنة في حضور مئات المتفرجين حتى قبل أن يتخرجوا. وأثبتوا كذلك أنهم قادرون على الإبداع داخل المدرسة وخارجها، والمساهمة في خلق خط خاص بها، وفن مغربي معاصر.

تتكفل "شمسي" بجميع مصاريف تلاميذها، وتوفر لهم أماكن للمبيت، لا سيما للقادمين من مدنٍ بعيدة، مثل مراد، الذي يأتي من الدار البيضاء. تقول ثورية بو عبيد، رئيسة "الجمعية المغربية لمساعدة الأطفال في وضعية غير مستقرة": "من الواجب دعم هؤلاء التلاميذ ودعم مدرستهم حتى تستمر في احتضان أكبر عدد من الأطفال ذوي الظروف الخاصة، كما يجب على آباء الأطفال أن يكونوا فاعلين في دعم أبنائهم. معاً سنوفر لهم ظروف عيش أحسن، ومستقبلاً جيداً".

بين مراد وزملائه نقاط مشتركة عدّة. أهمها تحدّي الظروف السيئة والسعي إلى ترجمة أحلامهم في أن يصبحوا نجوم سيرك. يقول: "لكي أصبح نجماً، يجب أن أحقق هدفاً كل ثلاثة أشهر في مدرسة شمسي، وهذا ينطبق على الجميع، كلٌ في اختصاصه"، ويضيف: "هذا ليس سهلاً، إذ يتطلب مجهوداً كبيراً للوصول إلى مستوى مهني مرموق".

سارة الرّايس

صحافية مغربية مستقلة، مساهمة في مواقع عربية أخرى ومهتمة بالفنون المعاصرة والبديلة والقضايا النسوية والإنسانية.

التعليقات

المقال التالي