أهالي الموصل يرفضون سيطرة داعش ولكنهم خائفون من تحرير مدينتهم

أهالي الموصل يرفضون سيطرة داعش ولكنهم خائفون من تحرير مدينتهم

تعيش الموصل يومها قلقةً وتنهيه مترقّبةً. هكذا هو الحال منذ استولى تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) على مقاليد الأمور في المدينة في العاشر من يونيو الماضي. هجمت جحافل هذا التنظيم على مدينة أنهكها التجاذب الطائفي بين سكانها والجيش المؤتمر بأمر بغداد. سنوات من التذمر الشعبي وسوء الأداء العسكري والسياسي الذي نخرته الطائفية والفساد، عبدت الطريق لمسلّحي داعش للانقضاض على المدينة المنهوكة والتوسع إلى ما وراءها. ولكن ماذا بعد؟ ما الذي يحدث الآن بعد ستة أشهر من حشد سياسي وعسكري عراقي وإقليمي وعالمي لضرب داعش؟

المحالّ مفتوحة في الموصل والحركة تبدو طبيعية لأول وهلة في الأسواق والشوارع. لكن تحت الرماد جمر مستعر. فالكهرباء قلما تزور المنازل، والأهالي يعيشون على المولدات الخاصة التي تلتهم الكثير من مواردهم. سعر ليتر البنزين الجيد ارتفع إلى 2500 دينار (2.5$ تقريباً) وضغوط داعش على حياة المواطنين اليومية تخنق أنفاسهم. الجو العام يشيع الخوف في النفوس ويعيد ذكريات النظام السابق. فمن لديه نقد لداعش يلجأ للهمس لأقرب المقربين ولا يجهر بأفكاره علانية. بيع السجائر ممنوع. أندية لعب البلياردو أضحت من المحرمات أيضاً. وأصبح منظر النساء وهن يتسوقن أو يتنقلن بمفردهن في المدينة نادراً. فكل امرأة تخرج بدون خمار يغطي عينيها ومحرم، تتعرض للمساءلة والمضايقة بحسب قول بعض سكان الموصل لرصيف 22.

أم محمد تحدثت عن معاناتها في ظل تنظيم داعش: "في السابق كنا نخاف من الخطف والمفخخات. الآن استجدت مخاوف إضافية". أم محمد لم تغادر منزلها منذ ستة أسابيع. تتجنب الخروج لئلا تتواجه مع أحد مقاتلي داعش. فهذا الداعشي قد يخلق لها مشكلة بحجة سوء ارتدائها النقاب أو عدم وجود محرم معها. وتقول أم محمد: "الضغط على النساء بلغ حداً لا يطاق. سمعت الكثير من القصص عن مضايقات للنساء في الشوارع والأسواق ولم يعد عندي قدرة على التحمّل. أنا مسلمة قبل أن يأتي هؤلاء. وإن تعرض لي أحدهم فسأنفجر في وجهه غضباً. لا أريد أن أحمّل عائلتي مغبة ما قد يحدث، لذلك أفضل البقاء في المنزل والصمت". إلى ذلك، تعاني هذه السيّدة مما فرضه تنظيم داعش من مناهج دراسية لأنها لا تريد أن يمتلئ عقل إبنها بـ"أفكار التكفيريين".

داعش يستجيب للضغوط العسكرية المتتالية من قوات البيشمركة الكردية والجيش العراقي وطيران التحالف، محاولاً جمع أكبر قدر ممكن من المال داخل الموصل تحسباً للمستقبل. فقد فرض ضريبة تبلغ 3% على تحويلات الرواتب من بغداد إلى العاملين في قطاعات الصحة والتربية، وضاعف بدلات إيجار مباني الأوقاف، التي كانت تعود جبايتها للدولة. كما أن الموصليين يتناقلون أخبار انتقال أُسر كبار القادة في داعش إلى تركيا ويعتبرونه تحسباً لما سيحدث في الأيام المقبلة.

أهالي الموصل يرفضون سيطرة داعش ولكنهم خائفون من تحرير مدينتهم

وفي تصرف يبدو للمراقبين عملية لغسل الأموال أو للاحتفاظ بما سيتم جمعه في الموصل إلى ما قبلالمعركة المرتقبة، أفادت مصادر مصرفية مطلعة في بغداد أن ملايين الدولارات تُحوّل أسبوعياً إلى محال معروفة لبيع الذهب في الإمارات العربية المتحدة بأسماء أفراد من الموصل في الوقت الذي لا يحتاج سوق الذهب في الموصل إلى كل تلك الكميات. كذلك رُصدت تحويلات مالية (بلغت إحداها 3 ملايين دولار) إلى تجار في تركيا حيث يمارس داعش أنشطة مصرفية وتجارية.

مع ذلك، لا يزال لدى أبي عبد الله، رجل الأعمال الموصلي الذي عايش الأحداث منذ بدايتها بعض التفاؤل والأمل. يقول لرصيف 22: "إن التأييد الذي لا يزال داعش يحظى به في الموصل يعود لعوامل اجتماعية وسياسية واقتصادية. كلّ من استفاد من داعش مادياً يؤيده، وكلّ من كان مهمّشاً بسبب طبقته الاجتماعية أو سلوكه يؤيد داعش، وكلّ من يحمل شعوراً طائفياً قوياً يفضل بقاء مقاتلين سنّة يتحكمون في الأمور عوضاً عن عودة السلطة الشيعية إلى المدينة".

والحقيقة أن التأييد في الشارع الموصلي يشمل كل البسطاء من الأميين الذين انخدعوا براية التوحيد التي يحملها داعش، إضافة إلى العديد من أبناء القرى المحيطة بالمدينة ممن جاؤوا ليستفيدوا مادياً ويعوضوا سنوات الإحساس بالفروق الطبقية بينهم وبين أهل الموصل. بعضهم ترك منزله المتواضع وجاء ليستفيد من التوزيع الأسبوعي للمنازل التي صادرها داعش على "المهاجرين". فكل بيوت المسيحيين والمحسوبين على الحكومة العراقية من مسؤولين ومرشّحين سابقين للبرلمان أو ممن هجروا منازلهم، أصبحت أملاكاً تابعة لداعش يوزعها على من يشاء من الوافدين. هكذا يشتري داعش الولاء بإغداق الأموال والأملاك في مقابل تغيير ديموغرافية المدينة لمصلحته.

"نعم، كنت مؤيداً لداعش في البداية. لم أكن أعرف الكثير عنه. كنت أرحب بأيّ تغيير لواقع الفساد والقهر الطائفي الذي كان سائداً"، يقول أبو عبد الله، ويضيف أنه بعد أن رأى نكثَ مقاتلي داعش بالوعود وقتلهم كل من ارتبط بالعملية السياسية، وبينهم من ترشح ولم يفز في الانتخابات البرلمانية الماضية، وتهجير المسيحيين وتدمير المجتمع الإيزيدي، تغيّر تفكيره تماماً. أصبح الآن يأمل بعودة الحكومة العراقية على أسس جديدة تتلافى الأخطاء السابقة وتبني العلاقة مع بغداد على ركائز مدروسة. وقد يمهد لهذا ما يتناقله الموصليون من تعليقات إيجابية على أداء رئيس الوزراء  حيدر العبادي، وما يبدو لهم حتى الآن من تقويم للمسار الطائفي الذي نهجته حكومة المالكي سابقاً.

ما يفعله داعش صدم الكثيرين وفاق توقّعات كل من كان يعارضه منذ البدء في المدينة المحتلة. فقد أفادت طبيبة تداوم في أحد مستشفيات الموصل بأنها عالجت عشرات حالات النزف لدى نساء إيزيديات أُخذن جواريَ بسبب تكرار اغتصابهن تحت عنوان "ملك اليمين أو السبايا". تقول الطبيبة إن قلبها كان يتفتت لمعاناة تلك النسوة اللواتي تحولن سلعاً تتعاقب على استعمالها وحوش بشرية. وتذكر أن عملية إجهاض واحدة تمت في المستشفى جرى على إثرها تهديدها بأقسى العقوبات إن قامت بعملية مماثلة أخرى. فبالإضافة لتحريم تنظيم داعش الإجهاض، لا مشكلة لديه في الإنجاب من خلال الاغتصاب، لأن المولود بهذه الطريقة هو ابن شرعي في عرفه.

كل يوم تعتمل انطباعات صادمة لدى الموصليين. أخبار تقدم الجيش العراقي والبيشمركة تنعش الآمال أحياناً بقرب الخلاص من داعش، ثم تعود هجمات داعش الارتدادية لتعكس الموجة وتدفع الناس نحو مزيد من الحذر. وحتى إذا نجح الجيش العراقي في طرد داعش من الموصل، فهل تسلم المدينة من هجماتهم وتفجيراتهم واغتيالاتهم مستقبلاً؟ وكيف سيكون نوع العلاقة الجديدة مع بغداد بعد أن وصم أهل المدينة بالتعاطف مع هذا التنظيم التكفيري؟

"نحن اليوم أشبه بشخص تهاوت البناية عليه ووجد نفسه محشوراً بين الركام ينتظر سماع آلة الحفر لتأتي وتنقذه. حتى الآن لا نسمع شيئاً. خائفون مما سيحدث بعد أن تنقذنا الحفارة. هل نعيد البناء حتى لا تسقط البناية مرة أخرى أم نتلقى الضربات مجدداً؟"، يسأل أبو عبد الله منهياً كلامه بنبرة قلق من المستقبل، نبرة هي في الواقع نبرة غالبية أهالي الموصل مع بدء العام الجديد.

علي أديب

علي أديب صحفي عراقي عمل في بغداد مع جريدة نيويورك تايمز ثم انتقل إلى الولايات المتحدة حيث حصل على الماجستير في الاعلام من جامعة نيويورك. يعمل كمدرس في قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة نيويورك وله إسهامات إعلامية في الجزيرة أمريكا، وPBS ويكتب بشكل مستمر لرصيف22.

التعليقات

المقال التالي