دليلكم الصوري لزيارة جزائر اليوم، عبر عينَي يوسف كراش

دليلكم الصوري لزيارة جزائر اليوم، عبر عينَي يوسف كراش

في السنوات الأخيرة، ومع انفتاح عالم التصوير الرقمي والتقنيات المصاحبة له، ظهر في العاصمة الجزائر مصورون شباب هواة للمهنة، يجوبون الشوارع والأزقة يصوّرون الناس والفضاء العمراني للمدينة. يعدّ التصوير في الشوارع عادة جديدة في الجزائر، لا يتعدى عمرها أربع سنوات، وعلى الرغم من قلّة ممارسيها، فقد بدأت بضعة أسماء في البروز على شبكات التواصل الاجتماعي.

ربما كان من أوائل هؤلاء المصورين  الفوتو-وواكر Photowalker الشاب يوسف كرّاش(27 عاماً)، خريج المدرسة العليا للسيّاحة. شابٌ صامت يرفض التكلم عن صوره أو عن مدينته، ويصوّر حتى لا يضطر للكلام. معظم أعماله بالأبيض والأسود، بتقنية المونوكروم Monochrome. عدسته تلتقط تفاصيل الشوارع الكبرى للعاصمة، وتفاصيل الشوارع الجانبية، محطات المترو، النّفق الجامعي الشهير تحت الجامعة المركزية، الأماكن المغلقة... الطبيعة الميتة للفضاء المديني حاضرة في صوره بقوة، عمارات قديمة بطوابق عديدة وشرفات خالية، نوافذ مكسورة، ساحات للخردة، أناس ينتظرون في مواقف للحافلات، أو حافلات مكتظة وركّاب ينظرون للمصوّر بملل واستنكار. حركة السير الفوضوية للمدينة يلتقطها يوسف كرّاش بدقّة، وحتى الأبيض في صوره، يكاد يكون ظلاً للأسود الطاغي.

دليل زيارة الجزائر - صورة 1

دليل زيارة الجزائر - صورة 2

عندما نبحث عن صور لمدينة الجزائر على الإنترنت، لا يطالعنا سوى صور مأخوذة من أعالي المدينة، تُبرز الواجهة البحرية والانحدار الأبيض والأزرق نحو البحر. أو صورة معكوسة من البحر، تُبرز الجبل الصغير الصاعد من الميناء إلى القصبة التركية العتيقة، والمَعْلمَين البارزين اللذين يحصران المدينة بينهما: كاتدرائية السيدة الأفريقية في الغرب، ومقام الشهيد بوَرقاته الإسمنتية الثلاث في الشرق. كل الصوّر تدور حول الصّورة النمطية للمدينة البحرية الكولونيالية الجميلة التي تتهالك منذ 30 عاماً، لا أكثر.

لا تُظهر لنا الصور كيف هي الشوارع والمتاجر، وكيف هم النّاس فيها. ولا تدلنا على الأماكن التي يجب زياراتها، وعلى أبرز معالم المدينة. الأرشيف الصوري الأكبر للجزائر يعود لما قبل الاستقلال، إلى الخمسينيات من القرن الماضي. كان المصوّرون الفرنسيون يومذاك يصورون جزائر ألبير كامي Albert Camus وايمانويل روبلس Emmanuel Robles، الشوارع العريضة ومقهى الأوتوماتيك Otomatic، وحوض السباحة في كيتاني بحيّ باب الواد. وعندما كانوا يصوّرون أهالي المدينة، الجزائريين، كان هؤلاء يظهرون بشكل فولكلوري واستشراقي. المحاولة الوحيدة التي كَسَرَت هذه النّظرة في التصوير إلى الجزائر، كانت صور المجري إيتيان سفيد Etienne Sved الهارب من النازية في الأربعينات إلى أفريقيا (صدرت الصور في كتاب تحت عنوان: الجزائر 1951، بلد في الانتظار).

بعد أرشيف الفترة الاستعمارية، نجد صوراً عادية لعقود الستينات والسبعينات والثمانينات (الفترة الاشتراكية للبلد) وصولاً للتسعينات أو ما يعرف بالعشرية السوداء، فتكوّنت حينها ألبومات ضخمة مما التقطه المصوّرون الصحفيون أو مصورو الشرطة، ليس للمدينة وحدها، بل لجميع أرجاء البلاد.

كل هذه الصور وضعت لخدمة غرض ما أو سلطة ما: إما لتسويق صورة الجزائر الفرنسية، بلد الشمس والبحر، أو لإعداد تقارير دولية أو محلية عن الوضع في الجزائر ضاع الكثير منها في الأرشيف مدى سنوات ليعاد إخراجهها مع تطور مواقع التواصل الاجتماعي. ولكن حتى السنوات الأخيرة، لم تصوّر المدينة يوماً بعيون ساكنيها، لإعادة اكتشافها وترتيب فوضاها.

دليل زيارة الجزائر - صورة 3

دليل زيارة الجزائر - صورة 4

دليل زيارة الجزائر - صورة 5

يوسف كراش يصوّر جزائر ما بعد العشرية الأولى من القرن الحادي والعشرين، المدينة-الورشة التي ترمم عماراتها المطلّة على الشوارع الرئيسية ويُعاد طلاؤها، بينما تُنسى تلك التي في العمق، والمدينة التي تنام منذ عشرين عاماً لدى السابعة مساءً. ليوسف صور كثيرة في ليل المدينة الهادئ، أشخاص ساهرون يلعبون الدومينو ويدخنون، أو يطلّون من عمارات عالية. بحر المدينة شبه غائب في صوره. الواجهة البحرية التي تبدو في البطاقات البريدية القديمة والجديدة ككورنيش جميل لا وجود لها، بل فقط بعض أجزاء من الميناء الذي يعمل بصفة «استيراد/استيراد» كما هو عنوان إحدى صوره. هذا الكورنيش يصوّره يوسف بالتقطيع، نرى تهالك شوارعه والمشرّدين الذين ينامون ويتغطون بالكراتين، أو النازحين الماليّين الذين غزو المدينة بعد تطوّر الأوضاع الأمنية في شمال مالي.

دليل زيارة الجزائر - صورة 6

دليل زيارة الجزائر - صورة 7

دليل زيارة الجزائر - صورة 8

دليل زيارة الجزائر - صورة 9

دليل زيارة الجزائر - صورة 10

في أحد ألبوماته المعنون «عبّاد الشمس المعدني» كتب كرّاش في تقديم لصور هوائيات على السطوح وفي جدران العمارات: «منذ أن استوردنا هاذه النباتات المعدنية، الحياة الجزائرية تحولت نحو تغريب وتنميط، غرّب المجتمع عن حياة كانت تخصه ويتفردّ بها». يصوّر كراش هذه الهوائيات بطريقة ساخرة، ويكتب معلّقاً على توجهاتها: عبّاد الغرب... عباد الشرق. في إحدى الصور الأخرى نرى تمثال الأمير عبد القادر (مؤسس الدولة الجزائرية) راكباً حصانه، في ساحة الأمير بشارع العربي بن مهيدي، يشير إلى الأمام، بينما تتوجه هوائيات السطوح كلها إلى اليمين في لا مبالاة.

دليل زيارة الجزائر - صورة 11

يعتبر يوسف كرّاش من أهم مصوري الجيل الجديد في الجزائر، والتزامه بحرية الممارسة خارج الأطر المعروفة على شبكات التواصل الاجتماعي يكسر النظرة المعتادة لتصوير الجزائر، التي بدأت خلال الحقبة الاستعمارية للبلاد، وواصلها بعض المصورين الفرنسيين الذين زاروا البلاد بعد ذلك، مركزةً على الفولكلور. هو وآخرون يصنعون أرشيفاً بصرياً للحاضر المعيوش، يعيدون «استعادة» المدينة، أشخاصها، فضاءاتها العامة، وأماكنها المغلقة.

صلاح باديس

صحافي وكاتب جزائري، مشارك في إدارة موقع "نفحة" Nafhamag.com، يحمل إجازة في العلوم السياسية.

التعليقات

المقال التالي