الجدل حول تنظيم مهنة الدعارة في العالم العربي

الجدل حول تنظيم مهنة الدعارة في العالم العربي

في المجتمعات الغربية، يأخذ النقاش حول ممارسة الدعارة أبعاداً فلسفية وينطلق كل حديث عنها من مفهوم الحريات الفردية. أما في المجتمعات العربية، فمن الملاحظ أن خطاب الجمعيات حول هذه المسألة لا يزال خجولاً وفي طور التأسيسي.

قبل مدة، نشرت صحيفة الإندبندنت البريطانية قصة مومس إنكليزية تطالب بإصدار قانون يمنع ممارسة الدعارة. بعد أن روت المومس معاناتها الناتجة من العمل، تناقلت وسائل التواصل الاجتماعي الخبر وخرجت أصوات تطالب بتجريم الدعارة وحماية النساء من الاستغلال. من جهة أخرى، انطلقت حملة واسعة تطالب وكالة "الأسوشيتد برس" الأمريكية باستخدام تعبير عاملات الجنس بدل كلمتي مومس وعاهرة اللتين تستخدمهما في تقاريرها ومراسلاتها، وذلك بهدف إضفاء المزيد من الاحترام على العاملات في هذا المجال وإعطاء هذا النوع من العمل مزيداً من الشرعية.

في الدول الغربية، يأخذ النقاش منحى فلسفياً. في مقابل وجهات النظر التي تدافع عن الحرية الشخصية في بيع الجسد وتقديم المتعة مقابل المال، هناك آراء تعتبر أن هذا الفعل هو عنف ضد المرأة واستغلال لجسدها. أدى هذا الخلاف إلى قوننة الدعارة في دول أوروبية عدّة مثل بريطانيا وألمانيا حيث أنشأت عاملات الجنس نقابات خاصة بهن للمطالبة بحقوقهن، وإلى منع الدعارة في دول أخرى كالسويد التي بدأت بتجريمها منذ العام 2009 بعد أن كانت مباحة. بين هذين الخيارين، تعتمد بعض الدول كالنروج خيار الالتفاف على المسألة فتعترف بالحرية الشخصية في تقديم المتعة الجنسية مقابل المال ولكنّها تعاقب الزبون والسمسار، وذلك في محاولة منها لمحاصرة الظاهرة.

في العالم العربي، تونس هي الدولة الوحيدة حيث تملك عاملات الجنس بطاقة بغاء من وزارة الداخلية تخولهن ممارسة الدعارة بشكل قانوني بعد إجرائهن الفحوص الطبية التي تؤكد خلوهن من الأمراض المنقولة جنسياً. فبعد أن كانت الدعارة ممنوعة، تم تشريعها بقرار من وزير الداخلية عام 1943. نظّم القرار هذه المهنة وحدد حقوق وواجبات العاملات فيها. في تقرير أجرته وكالة الصحافة الفرنسية، تقول إحدى عاملات الجنس التونسيات: "المرأة حرة بجسدها. لدي بطاقة من وزارة الداخلية وأخضع لفحص الإيدز كل شهر. الفقر هو ما يدفعني إلى هذا العمل"، مختصرةً بذلك نظرة عاملة الجنس التونسية إلى هذا العمل. بعد ثورة الياسمين، بدأت الدولة ذات التوجه الإسلامي بإغلاق بيوت الدعارة الرسمية وسط تخوف المواطنين من تزايد حالات التحرش ولجوء العاملين في هذا القطاع إلى ممارسة عملهنّ بطريقة غير قانونية قد تؤدي إلى تعريض الفتيات للاستغلال.

في باقي الدول العربية، ينظر إلى هذا الموضوع بطريقة مختلفة من منطلقات دينية وذكورية ونفعية. من الناحية القانونية تنص معظم قوانين الدول العربية على تجريم الدعارة ومعاقبة النساء العاملات فيها. إلا أن الواقع الميداني يوحي بعكس ذلك إذ تنتشر هذه الظاهرة بشكل كبير من دون أن تؤدي الحلول الأمنية إلا إلى تفاقم دعارة السوق السوداء حيث تبيع النساء أجسادهن ويحدد الآخرون التعرفة.

في المملكة المغربية مثلاً، تسيّر الشرطة النسائية في شوارع الرباط والدار البيضاء دوريات بحثاً عن عاملات الجنس وتقوم باعتقالهن على اعتبار أن المرأة هي المدانة الأولى والأخيرة على الرغم من كونها الحلقة الأضعف وأقل المستفيدين. هذا التصور هو السائد في المجتمعات العربية الذكورية، ومن خلاله يتم التعامل مع الدعارة كخطر على المجتمع تشكّله المرأة التي اختارت هذا العمل. شرطة الآداب موجودة في جميع الدول العربية وهي بطبيعة الحال تعاقب المرأة وتغض النظر عن الرجل زبوناً كان أم سمساراً.

وبرغم كل هذه التعقيدات، تبدو الجمعيات النسوية غائبة عن القضية تقريباً ربما بسبب انشغالها بمسائل أخرى تعتبرها ذات أولوية مثل تمكين المرأة من المشاركة في الحياة السياسية. في حديث لرصيف22، تقول إحدى الناشطات في جمعية "كفى" اللبنانية إن هذا الموضوع لا يمكن التطرّق إليه حصراً من منطلق نسوي تحت عنوان حماية المرأة، بل يجب تناول أبعاده الدينية والأخلاقية.

تنحصر المطالبات بإيجاد حلول لظاهرة الدعارة وحماية المرأة بأصوات قلة من الناشطين الحقوقيين. في لبنان كما في دبي، تغض الدولة النظر عن الدعارة لأسباب اقتصادية، فهي تشكّل عامل جذب للسائحين ومورداً مالياً لخزينة الدولة. قبل بضعة أشهر، أطلقت جمعية "كفى" اللبنانية حملة اعلانية هي الأولى من نوعها، تحت عنوان "الهوى ما بينشرى"، وطالبت بتجريم الدعارة على اعتبار أن هذا العمل هو عنف ضد المرأة واستغلال لجسدها، وأن النساء اللواتي يخترن هذا المجال هن قلة قليلة، وأنه، في أغلب الحالات، يتم استقطاب الفتيات من قِبل السماسرة ويحصل استغلال موقعهن الضعيف لخداعهن أو تهديدهن أو ابتزازهن بهدف دفعهنّ إلى ممارسة الدعارة.

ترفض جمعية "كفى" قوننة الدعارة، لأنها ترى في القوننة غطاء للقوادين والمؤسسات التجارية التي تستفيد من الدعارة، وتشريعاً لعملها. بمعنى آخر، ترى أن القوننة تشرّع استغلال المرأة وشراء جسدها. تتقاطع "كفى" في هذا الخطاب الداعي إلى تجريم الدعارة مع "فدرالية الرابطة الديمقراطية لحقوق المرأة" المغربية التي تطالب باعتماد تجارب الدول الأوروبية التي قرّرت مكافحة الظاهرة والقضاء عليها من خلال معاقبة السمسار والزبون على السواء.

في المقابل، هناك أصوات عدّة تتطلع إلى تشريع الدعارة وقوننتها بدل تجريمها ومنعها. طالبت المخرجة المصرية إيناس الدغيدي، على حسابها الخاص على تويتر، "بتقنين بيوت البغاء حتى نحمي المجتمع من الأمراض" وأضافت أن "مصر كانت في قمة التحضر عندما كانت بيوت البغاء مرخصة". ولفتت الدغيدي إلى أن قوننة الدعارة تقضي على ظاهرتي التحرش والاغتصاب المنتشرتين في المجتمع المصري.

الدغيدي هي نموذج عن الأصوات التي تطالب بتشريع الدعارة، والتي تطرح مبررات كثيرة لدعوتها هذه، كحصر الظاهرة في أمكنة معينة تحت أعين الدولة والرقابة الصحية تفادياً للأمراض المنقولة جنسياً والتخفيف من حالات الاغتصاب والتحرش الجنسي ومنع استغلال الفتيات بالإضافة الى أسباب اقتصادية. "الدعارة تساهم في دعم اقتصاد البلاد ويجب أن تكون لدينا الجرأة للإقرار بذلك"، قالت المستشارة البرلمانية خديجة الزومي في مجلس المستشارين المغربي. يعتبر أصحاب نظرية القوننة أن تجريم الدعارة لن يؤدي سوى إلى ازدهارها في الخفاء وتعريض الفتيات إلى المزيد من العنف والاستغلال، فالحديث عن القضاء على البغاء "يوتوبي" وغير قابل للتحقّق.

في العالم، لم تعد ممارسة الدعارة تقتصر على النساء فقط إذ دخل الشباب هذا المجال. فقد تحدثت تقارير عدّة عن أن مثليي الجنس باتوا يمتلكون سوقهم الخاصة لبيع المتعة الجنسية للرجال مقابل المال. وفي أمريكا اللاتينية، لم يعد مستغرباً أن تجد شاباً يضع إعلاناً في جريدة يعرض فيه تقديم المتعة الجنسية للنساء مقابل خمسين دولاراً. وفي بعض الأماكن، تجد "سوبرنايت كلوب" تقصده المرأة لتختار الشاب الذي يعجبها مقابل المال. هنا تنقلب الصورة فتصبح المرأة زبوناً والشاب عامل جنس، ربما دفعته إلى ممارسة "المهنة" الأسباب نفسها التي دفعت زميلاته إليها وربما يتعرض للاستغلال عينه الذي كنّ هنّ عرضةً له، وهذا ما يخرج القضية من إطارها النسوي ليجعلها قضية مشتركة.

التعليقات

المقال التالي