مستشفى المواساة الدمشقي: لوحة تجريدية قرب السجائر

مستشفى المواساة الدمشقي: لوحة تجريدية قرب السجائر

إنه من أكبر المستشفيات الجامعية - والمستشفيات عموماً - في سوريا، وأكثرها استقبالاً للمرضى والحالات الإسعافية. كان مسؤولاً عن علاج وإنقاذ حياة أعداد كبيرة من مصابي الحرب، وهو أول مكانٍ تتجه إليه الكاميرات وأهالي المفقودين عند حصول التفجيرات الكبرى في دمشق. يعود تاريخ تأسيس “مستشفى المواساة” إلى العام 1956، ويتبع وزارة التعليم العالي، لا وزارة الصحة، وإن كنتَ تسكن في دمشق أو زرتها أكثر من يومٍ واحد، أو شاهدتَ نشرة أخبارٍ واحدة في يومٍ تعرضت فيه العاصمة لتفجير أو قذائف الهاون، فلا بد أنكَ سمعتَ به.

يحوي المستشفى اليوم - وفقاً لموقع جامعة دمشق - 820 سريراً، وستة أقسام تتفرع إلى نحو 42 شعبة ووحدة فرعية، بالإضافة إلى مجموعة من التجهيزات وأجهزة المعاينة والفحص، يندر أن تجتمع في مستشفى واحد في سوريا، ففيه تتركّز معظم أنواع الأعمال الجراحية، كما يحتكر بعضها مع بقية المستشفيات الحكومية.

هذه الإمكانات لم تكن مخصصة لدمشق وريفها وحسب، فكثيراً ما يتم تحويل حالات جراحية أو علاجية إليه من مستشفيات خاصة أو حكومية في دمشق والمحافظات الأخرى، أكان لضيق المكان أو لعجزه عن تنفيذ إجراءات طبية ما، الأمر الذي انخفض اليوم إلى أدنى درجاته بسبب صعوبة التنقل بين المحافظات، وهذا ما حصر خدمة المستشفى بسكان دمشق وريفها بشكل أساسي، لكونها إسعافياً تختص بأجزاء محدودة من المدينة دون غيرها، وصارت بقية الحالات تُحوّل إلى مستشفى المجتهد.

يشكل مستشفى المواساة اليوم ملجأ لأعداد متزايدة من المرضى، نظراً لأجور العلاج والمعاينة المنخفضة مقارنة بالمشافي الخاصة وبعض المشافي الحكومية، إذ يسود فيه نظام الاستشفاء المتبع في معظم المشافي الحكومية، والذي يعني تقاضي نسبة مئوية من الأجور القانونية تبلغ 30%، وهي تقريباً الأكثر انخفاضاً بين المشافي الحكومية.

قسم العينية - ومثله الإيكو القلبي - من الأقسام القليلة المزدحمة في المستشفى، في حين يهيمن الهدوء على معظم الأقسام الأخرى، سواء لعدم وجود مرضى أو لعدم السماح بدخول العامة إليها، دون تحويلة من طبيب أو موعد سابق. الطابع الغالب على الموجودين داخل المستشفى من المرضى ومرافقيهم هو الطابع الريفي، سواء كان السبب حركة النزوح الواسعة إلى داخل دمشق من ريفها وأرياف المحافظات الأخرى، أو لكون مستشفى المواساة مختصاً باستقبال حالات الإسعاف من الريف، بالإضافة لتعطل الكثير من المؤسسات الصحية الكبرى في الريف الدمشقي، كما هو الحال في كل سوريا، التي وصلت نسبة المشافي المعطلة فيها إلى 60% وفقاً لنقيب الأطباء عبد القادر حسن.

جولة في الداخل

عبور المدخل الرئيسي لا يتطلب أن تحمل صفة خاصة أو أن تقدم شرحاً لسبب دخولك، على عكس الإجراءات المتبعة في معظم المؤسسات الحكومية. وفي الفسحة بين المدخل وباب المبنى الرئيسي، يدخل الطلاب مسرعين يرتدون أرديتهم الطبية على عجل، ويتوزّع آخرون على الأدراج والأرصفة يدخنون السجائر، قبل الدخول إلى المستشفى ومباشرة عملهم أو محاضراتهم.

داخل المبنى، مصاعد عدة مخصصة لنقل المرضى والأسرّة، أبوابها المهترئة والشاشة المعطلة لا توحي بأنها تعمل، ولكن خروج بعض المرضى والأطباء منها كل بضع دقائق يقول العكس، على الرغم من انخفاض استخدامها قياساً لمصاعد أخرى في مستشفى، واختيار معظم المراجعين استخدام السلالم.

التغييرات التي أصابت المكان على المستوى الشكلي ليست بالحجم الكافي لملاحظتها، تصادفك الملصقات السياسية - كما هو الحال في كل زوايا دمشق - في معظم الطوابق، ويعود معظمها للانتخابات الأخيرة، وإن كانت أقل بكثير مما هي عليه في معظم المؤسسات الحكومية، وأحياناً بعض الملصقات العلمية التي تدعو الطلاب لحضور مؤتمرات طبية وورشات عمل ومحاضرات. وعلى عكس النشاط العلمي الذي توحيه هذه الملصقات، تجد بعض الغرف معنونة بـ"قاعة درس"، وقد تم تحويلها إلى مخزن للأدوية والمعدّات الطبية. في الطابق الثالث تستقبلك لوحة تجريدية، موقعة باسم محمد حسو، الذي يشترك باسمه واسم عائلته مع أحد قتلى القصف في عفرين، بالإضافة إلى رائحة دخان سجائر بعض الموظفين، ومرافقي المرضى المنتظرين على السلالم الفاصلة بين الطابقين الثالث والرابع.

مسار إجباري

آثار الإصابات الناتجة من الأسلحة أو الإنفجارات أكثر ظهوراً من ذي قبل، خصوصاً تلك الحالات التي تبرز قضباناً معدنية من الأطراف، أو الضمادات التي تغطي العين أو الأذن. لكن بحثاً عن حضور أكثف للحرب في المستشفى، عليك التوجه إلى قسم الإسعاف، حيث تعيدك البزّات العسكرية والأجساد الدامية بسرعة كبيرة إلى واقع الحرب، وحيث تجد من يبحثون عن شخصٍ مفقود. فبعد سؤال أي موظفٍ أو طبيب عن نقطة البدء بالبحث، يُطلب التوجه إلى غرفة زجاجية تحوي جهازي حاسوب، والكثير من الملصقات السياسية، وبعض التوجيهات لاستخدام قاعدة البيانات، مخصصة للموظفين.

إن لم يجد الموظف الشاب اسم الشخص المطلوب بين نتائج البحث في قاعدة بيانات المستشفى، يرسلك إلى موظفٍ آخر، ويطلب منك أن تجرب "الوفيات" قبل أن تبحث في مستشفى آخر. الموظف المختص بالوفيات، والذي يعلق أمامه ورقة تطلب عدم قبول أي مريض "من سجن عدرا المركزي دون علم الدكتور حسام"، سيبلغك - إن كنتَ محظوظاً - أن لا جثث مجهولة لديه، أو سيطلب منك معاينتها للتعرف إلى الشخص المفقود بينها، وإن فشل البحث في هذه المرحلة أيضاً، فسيطلب منك التوجه إلى مستشفى المجتهد، أو إلى فرع الأمن الجنائي للسؤال هناك، وسيرجح أن البحث لن يكون ذا فائدة، إذ إن المفقود مخطوف على الأغلب، وأفضل ما يمكن فعله هو انتظار اتصالٍ من الخاطفين قريباً.

على بعد مئات الأمتار من المستشفى، وتحديداً أمام الباب الرئيسي للسكن الطلابي الخاص بجامعة دمشق، طابوران من الطلاب في انتظار دورهم لتفقد بطاقاتهم ومتاعهم قبل الدخول، وآخران مماثلان أمام باب كلية الآداب والكليات المجاورة لها. الازدحام يتفوق بكثير على ازدحام المستشفى، الذي بدت معظم أجزاء بنائه شبه خالية، في إشارةواضحة إلى الواقع الذي يفرض نفسه في دمشق، برغم كل الدماء وأخبار الموت التي يتردد صداها في هذا المستشفى بالذات، وفي غيره من مشافي العاصمة.

مناف زيتون

كاتب ومدون وصحفي سوري.

كلمات مفتاحية
الطب سوريا

التعليقات

المقال التالي