بيروت-دمشق: رحلة العجائب

بيروت-دمشق: رحلة العجائب

لم تعد الفترة الزمنية التي يحتاج إليها المسافر للوصول من مدينة دمشق إلى المعبر الحدودي مع لبنان أو الدخول من لبنان إلى دمشق (45 كلم) هي ذاتها، بل أصبحت تحتاج إلى 3 أضعاف الوقت وربما أكثر. يمكن القول إنها أصبحت مغامرة حقيقية، فهناك 3 حواجز عسكرية وأمنية موزعة في طريق الخروج و5 أخرى في طريق الدخول من منطقة المصنع عبر معبر جديدة يابوس السوري وصولاً إلى دمشق.

صحيح أن الطريق لم تعد مرعبة كما كانت عند بداية وضع هذه الحواجز منذ سنتين، فالمسافرون أصبحوا أكثر حذراً وحيطةً والأساليب الجديدة التي ابتكرها السائقون والمسافرون للمرور بسرعة وصلت في بعض الأحيان إلى درجة الكوميديا، غير أن الخوف يبقى ملازماً المسافرين القادمين إلى دمشق حتى عبور آخر حاجز، وعند ذلك يقول بعضهم لبعض "الحمد لله على السلامة".

الحاجز الأول قبل الوصول إلى الحدود السورية عند المنطقة الحرة، هو فرع الأمن العسكري ويعتبر الحاجز الأسهل، حيث تقتصر مهمته على الاطلاع على هويات القادمين، ولا يشهد هذا الحاجز اختناقاً مرورياً.

بالنسبة للسوريين القادمين من بيروت، تكون الخطوة الأولى التي يعتمدونها قبل الوصول إلى الحاجز الأول هي جملة من الاحترازات الأمنية، مثل حذف برامج الدردشة من هواتفهم المحمولة، وحذف جميع تطبيقات الموبايل التي قد تلفت نظر الحواجز في حال تفتيش هواتفهم مثل فيسبوك وسكايب. حتى الرسائل العادية يتم حذفها أحياناً خوفاً من أي شيء طارئ، فضلاً عن فلترة كاملة لحواسبهم الشخصية. بعضهم يتقصد وضع صور لرمز النظام "بشار الأسد" خلفيةً لهاتفه أو لحاسبه المحمول كحيلة لجعل هذه الحواجز ألطف في التعامل معه.

يروي إبراهيم من مدينة حماه وهو طالب جامعي في جامعة بيروت العربية ومعارض للنظام كيف يحتال على هذه الحواجز عندما يعود لزيارة عائلته بين الفينة والأخرى: "قبل الدخول إلى الحدود السورية أنظف هاتفي وحاسبي الشخصي وأضع صوراً لبشار الأسد، وفي بعض المرات أجلب العلم السوري في الحقيبة، إذ يكون له قيمة كبيرة عند التفتيش لا سيّما أن سكان حماه من المغضوب عليهم".

كثير من المسافرين يؤمنون أن هذه الحواجز لم توضع لحماية المسافرين أو الإمساك "بالإرهابيين" المدججين بالسلاح أو "المفخخين"، فهذه الطريق لم تشهد حتى هذه اللحظة  أيّ عملية لضبط شحنة أسلحة. معظم ضحايا هذه الحواجز هم من المدنيين الذين إما يشتبه بهم اعتماداً على شكلهم الخارجي أو على قيد نفوسهم في هوياتهم، لاسيّما الذين يقطنون في الأرياف التي تشهد اقتتالاً. بعضهم يُعتقل بسبب تشابه في الأسماء، لا يتمّ لسبب ما اكتشافه عند المعبر الحدودي. كثير من المسافرين أصبحوا يوقنون بأن كذبة تشابه الأسماء ما هي إلا حيلة يستخدمها الحاجز لاستغلال المسافرين والسائقين مادياً.

3 حواجز أخرى تنتظر المسافرين لعل ألطفهم هو الحاجز الأول التابع للجيش السوري. يشهد هذا الحاجز بعض الاختناق المروري وخاصة أيام الجمعة والسبت والأحد. تقتصر مهمته على التدقيق في الهويات ومطابقة الشكل مع صورة الهوية. يبدو الوضع مريحاً أكثر عند السفر بسيارة خاصة أو بواسطة تاكسي تتسع لـ4 ركاب، أما في حال السفر بالباص، فتصبح العملية أصعب، إذ يوقف الباص ويتم التدقيق بهويات جميع المسافرين القادمين وتفتيش جميع الحقائب، وهذا يستغرق وقت أطول.

مروان يعمل على خط دمشق بيروت منذ أكثر من 10 أعوام، وهو على دراية كاملة بطبيعة كل حاجز. يضع بجانبه علباً من البسكويت أو بعض الموز وأيضا علباً من الدخان وأحياناً مشروبات روحية. بالنسبة للحاجزين الأول والثاني، يكفي أن يرشو العنصر على الحاجز بعلبة بسكويت أو بالموز أو بعلبة دخان حتى يمرّ بسرعة بدون أن يدقق عناصر الحاجز في الهويات حتى. أما في ما يتعلق بالحاجز الأكثر خطورة بالنسبة للكثير من المسافرين القادمين، وهو حاجز الفرقة الرابعة المعروف برعونته، فيقول مروان "تسعيرته باكيت مارلبورو أو اثنتان، أو قنينة فودكا، ولن تفتش السيارة".

الاختناق المروري يكون في أوجه عند الحاجز الثاني. والثالث وهو حاجز الجمارك يليه حاجز الفرقة الرابعة المعروف بخطره، والذي يسمى "حاجز الموت". حاجز الجمارك يفتّش كل شيء داخل السيارة وداخل الحقائب، حتى حقائب النساء اليدوية. أما حالات الاعتقال، فتكون أكثر تواتراً عند حاجز الفرقة الرابعة أو حاجز فرع الجويّة الذي يقوم بـ"تفييش" الأسماء على جميع الفروع الأمنية (البحث في سجلها).

تروى عبير وهي من مدينة الزبداني عن تعرضها للاعتقال على أحد الحواجز عند مدخل مدينة الزبداني في ريف دمشق. فعلى الرغم من أنها دخلت من طريق الحدود بعد "تفييش" اسمها وكان نظيفاً، لكنّ الحاجز أمر باعتقالها وتحويلها إلى فرع الخطيب بسبب تقرير كتب ضدها على أنها ناشطة مدنية في منطقتها. بقيت معتقلة مدة تتجاوز الشهر ونصف الشهر لتخرج بعد ذلك بريئة.

في بعض الأحيان يكون سبب همجية الحاجز أو إصراره على تفتيش السيارة هو وجود فتاة جميلة مع المسافرين. يصرّ العنصر على وقف التاكسي أو الباص فترة طويلة، ويأمر بتفتيش كامل الباص والحقائب بشكل فوضوي من أجل إبقاء هذه الفتاة تحت ناظريه وقتاً أطول. تقول كنده وهي أيضاً طالبة جامعية: "طلب مني أحد العناصر على حاجز الفرقة الرابعة رقم هاتفي بعد أن أمر بتفتيش السيارة. وعندما رفضت، مضى يفتش الحقائب بشكل جنوني، فبعثر الأغراض الموجودة في حقيبة يدي وتحولت لهجته اللطيفة إلى لهجة غاضبة".

غالباً ما يتمّ التعامل مع المسافرين من قِبل عناصر الحواجز من خلال بعض الاعتبارات مثل مدينة الولادة والشكل الخارجي، فيكون التعامل ألطف مع الذين يحملون مثلاً بطاقة شخصية مكتوب عليها اللاذقية أو طرطوس، على عكس الذين يحملون بطاقات شخصية كتب عليها إدلب أو حماه أو حلب أو الرقة.

أما الذين تكون أسماؤهم مشابهة لبعض الأسماء المطلوبة والموجودة على لوائح موزعة على الحواجز، فيتم اعتقالهم بشكل مباشر ووضعهم في زنزانات داخل المعبر الحدودي، أو تحويلهم إلى فرع المخابرات للتحقق من أسمائهم.

التعليقات

المقال التالي