مراكز رعاية المسنين في المغرب: قبول أم رفض؟

مراكز رعاية المسنين في المغرب: قبول أم رفض؟

يُعدّ المجتمع المغربي من المجتمعات التي تكنّ للجدة والجد مكانة خاصة في الهرم الأسري. لهذا السبب، ما زال جزء كبير من هذا المجتمع يرفض وضع كبار السن في مراكز رعاية المسنين.

عند إثارتنا هذا الموضوع مع بعض الفاعلين والمهتمين بالأعمال الاجتماعية، أقرّوا بأنّ الفقر هو السبب الأول في تخلي بعض الأبناء عن آبائهم وأجدادهم، في حين تضع بعض الأسر الميسورة الأب أو الأم في دار المسنين للتخلصّ منهما ومن "المشاكل" التي تُخلق بسبب وجودهما في بيت واحد. أضف أنّ التفكّك الأسري يدفع عدداً من المسنّين إلى اللجوء إلى مراكز الرعاية الاجتماعية.

بحسب الموقع الرسمي لمؤسسة التعاون الوطني، يصل عدد مراكز رعاية المسنين في المغرب إلى 50 داراً، أغلبها في الدار البيضاء، الرباط، مراكش، أكادير، وطنجة. وتؤوي ما يقارب 3500 شخص. ولكن رغم وجود هذا العدد من المراكز، ما زالت ظاهرة التخلي عن المسنين وعدم وضعهم دور العجزة تترجّح بين الرفض والقبول.

شيخوخة المجتمع المغربي

وفقاً لدراسة صدرت عن المندوبية السامية للتخطيط في المغرب بعنوان "مستقبلية مغرب 2030 ارتفعت نسبة المسنين من 7 إلى 8%، ومن المرتقب أن تصل عام 2030 إلى 15%. وأظهرت الدراسة أن 52.4% من المسنين يعيشون في المدن وأنّ نصف المسنين تتجاوز أعمارهم 66 سنة. كما توقّعت المندوبية أن يصل عدد المسنين إلى 10 ملايين في 2050، أي بمعدل نمو سنوي يعادل 3.3%، مقابل 0.6% لمجموع السكان، وهو ما يؤثر على التركيبة الديمغرافية.

يعتبر نور الدين لحجاوزي، رئيس جمعية سكان بلاد الخير والباحث في الشؤون الاجتماعية، إنه يجب عدم الاستخفاف بأرقام المندوبية السامية للتخطيط، مشيراً في حديثه لرصيف22 إلى "ضرورة إشراك المجتمع المدني في وضع خطط للتعامل مع كل الأجيال، وخاصة المسنين الذين يشعرون بأنهم باتوا مهمّشين مباشرة بعد بلوغهم سن التقاعد".

بحسب إحصاءات المندوبية، يتجاوز عدد المسنين اليوم الثلاثة ملايين. ولكن كم يبلغ عدد الذين تتكفلُ بهم أسرهم دونَ أن يشكّلوا عبئاً عليها؟ وهل جميع المسنين الذين لا يجدون من يعيلهم يقصدون دور العجزة؟

تجيب حياة اعنينو، مديرة دار العجزة في عين الشق: "المجتمع المغربي يحكمه الدين الإسلامي الذي يحثّ على إعالة الوالدين والاهتمام بهما. ولكن عوامل عدة تتدخل فتحمل بعض المسنين لاختيار دار العحزة للعلاج وتمضية بقية العمر". مع ذلك، تؤكد اعنينو أن الالتحاق بدار المسنين في المغرب يفترض شرطين أساسين: أولاً، أن يكون سن النزيل أكثر من 60 سنة، وثانياً أن يكون بدون معيل. وتوضح أن هدف اعتماد الشرطين هو الحد من انتشار الظاهرة التي تعتبر جديدة على المجتمع المغربي.

ويؤكّد محمد السعيدي، المدير العام لجمعية نور للرعاية الاجتماعية التي تدير شؤون مركز إيواء المسنين في منطقة عين الشق على ذلك، موضحاً أنّ القانون المغربيالمنظّم لمؤسسات الرعاية يتضمن شروطاً تساهم في تقليص ظاهرة التخلي عن الآباء، إذ يقول: "جاء القانون المغربي لمحاربة هذه الظاهرة، ويحقّ للمسنين رفع دعوة قضائية تلزم الأبناء برعايتهم والسهر على متطلباتهم".

وعلى الرغم من أهمية مراكز الإيواء للمسنين الذين يفتقرون إلى الرعاية، تكون في الكثير من الأحيان عاجزة عن توفير ظروف معيشية لائقة. عام 2013، أجرى المجلس الوطني لحقوق الإنسان في المغرب بحثاً ميدانياً حول دور المسنين وانتقد سوء المعاملة والحالة المزرية للتغذية والمراكز الصحية في دور العجزة (التابعة لإدارة التعاون الوطني التي تتبع بدورها وزارة التنمية الاجتماعية والتضامن والمرأة). دقّ تقرير المجلس ناقوس الخطر، منبهاً المسؤولين الحكوميين إلى ضرورة التدخل.

مركز رعاية المسنين في عين الشق

خلال زيارتنا مركز رعاية المسنين في منطقة عين الشق (الدار البيضاء)، التقينا بعض النزلاء الذين رفضوا التقاط صور لهم، في حين تفادى البعض الآخر الحديث إلينا. كانت وجوه الجميع تعبّر عن عدم رضاهم بالإقامة في الدار. تقول الحاجة فاطمة (73 عاماً): "لم أكن أتوقع يوماً أنني سأكون في هذا المكان. توفّي زوجي قبل عشر سنوات من دون أن يترك راتباً تقاعدياً ولا أولاد لي. وبسبب غياب المعيل وإصابتي بداء السكري المزمن، اقترح علي أحد الجيران الالتحاق بدار العجزة". تشدد فاطمة على أنّ حالتها بدأت تتحسّن بفضل اهتمام أهل الدار بصحتها. ورغم ذلك، تؤكّد أنّ لا مجال للمقارنة بين العيش وسط الأسرة والإقامة في مركز الرعاية. أما بوعزة الكاسمي (82 عاماً)، فأبدى امتعاضه الشديد من الظروف التي يعيشها قائلاً إنّ لولا إصابته بمرض السرطان لغادر المكان واختار التسول والعيش في الشارع.

"بالوالدين إحساناً"، عبارة اختارتها جمعية نسيم للأنشطة الاجتماعية والثقافية والتربوية في المغرب لمشروعها الاجتماعي الرامي إلى إصلاح مرافق عدّة في مركز إيواء المسنين في عين الشق. يقول رئيس الجمعية ياسين القادري إن فكرة المشروع جاءت بعد قيام وفد من الجمعية بزيارة مراكز الدار البيضاء، فاستوقفته الحالة المزرية لمركز إيواء العجزة في منطقة عين الشق. أنجز المشروع العام الماضي وتمّ إصلاح قاعتين واحدة للرجال وأخرى للنساء إضافة إلى ترميم الجدران وتهيئة مكتبة للنزلاء.

ومع أن الجمعية ساهمت في إصلاح مقر رعاية العجزة، فهي لا تؤيّد فكرة الإكثار منها، إذ يؤمن القادري بضرورة العمل على الحد من هذه الظاهرة إلا في الظروف القاهرة التي تفرض تدخّل المؤسسات المعنية، ويشدّد على ضرورة وضع خطة وطنية لتوعية الأسر على أهمية العناية بكبار السن وعدم التسرع بوضعهم في مراكز الرعاية.

وكانت دراسة المندوبية السامية للتخطيط توصّلت إلى أنّ مؤسسة الأسرة لا تزال المكان المناسب للمسنّين. وأكّدت أنّ الأسرة تُعدّ الحل الأفضل لهذه الشريحة، معلنةً أن 58.3% من المسنين يعيشون في عائلات تتعايش في كنفها أجيال عدّة، كما أن 77.5% من المسنين تلقوا مساعدة مادية، على شكل هبات عينية أو نقدية من عائلاتهم، و46.9% من المسنين يقدّمون مساعدة عينية أو نقدية لعائلاتهم. لكن على الرغم من الاهتمام العائلي، يذكر أن 63.2% منهم يشعرون بالوحدة.

كلمات مفتاحية
المغرب

التعليقات

المقال التالي