عن الذبح وقطع الرؤوس في الإسلام

عن الذبح وقطع الرؤوس في الإسلام

منذ أن ذبح "تنظيم الدول الإسلامية" (داعش) الصحافي الأمريكي جيمس فولي James Foley في سبتمبر الفائت، وأخبار ذبح الناس "المخالفين لشرع الله" تصلنا بالصوت والصورة، سواء عن طريق الضرب بالسيف أو حز الرقبة بالسكين، كان آخر تلك الأخبار وأكثرها وحشية ذبح الأمريكي بيتر كاسيغ Peter Kassig في نوفمبر الماضي مع أربع عشرة رهينة من قوات النظام السوري.

مع كل مقطع ذبح لصحافيين غربيين أو لـ"نصيريين" يُثار الرعب العالمي، ثمّ يتلاشى بعد أيام. إلى ماذا يستند تنظيم داعش حتى يقوم بهذا الفعل الوحشي كما لو أنه أمر طبيعي؟ وهل هو جزء من التراث العربي والإسلامي أم دخيل عليه؟

الذبح المقدس

تتردد في مناهجنا الدراسية قصة النبي إبراهيم الذي رأى في المنام أنه يذبح ابنه اسماعيل "قال يا بُنَيّ إنّي أرى في المَنام أنّي أذبَحُك فانْظُر ماذاترى (…) وناديناه أن يا إبراهيم * قد صدّقتَ الرّؤيا إنّا كذلك نجزي المُحسنين * إنّ هذا لَهُوَ البلاءُ المُبين * وفَدَيناه بِذِبحٍ عظيمٍ" (سورة الصافات: 101 - 113)، فقد كانت الفدية كَبشاً سميناً. نجد هذه القصة في التوراة أيضاً "يا أبي أنا شاب وأخشى أن جسدي قد يرتعش خوفاً من السكين وسوف أحزن عليك، حيث قد يكون الذبح غير صالحٍ وبالتالي لا يتم احتسابه على أنه قربان حقيقي، لذلك اربطني ربطاً وثيقاً" (سفر التكوين 56:8).

تُعد هذه القصة تأصيلاً لفكرة القربان والفدية المقدسة التي يتم إنقاذ الناس من خلالها. هي فكرة متوارثة وشائعة في الأديان التوحيدية وغيرها، لكنها تُطبق بالمحاكاة، ففي المسيحية يتناول المسيحيون قطعة الخبز والنبيذ لكي يتحولا في الجسد إلى لحم المسيح ودمه، أما لدى المسلمين، فنجد قربان الذبح في عيد الأضحى والحج، ولدى الهندوس، نراهم يذبحون سنوياً آلاف الجواميس في أحد طقوسهم المقدسة.

في إطار مفهوم القدسية والتقرب من الله تندرج أيضاً أحكام الذبح البشري، التي يقوم بها تنظيم داعش اليوم، وفي هذه القدسية ما يفسر بعضاً من العناية الكبيرة في عملية الذبح سواء بجمع الناس حولها أو تصويرها والترويج لها.

جئتكم بالذبح

يرجع كثير من الأصوليين إلى هذه الآية لدى تبرير حكم الذبح "فإِذا لَقِيتُم الذين كَفَروا فَضَرْبَ الرِّقاب حتّى إذا أثْخَنتُموهُم فشُدّوا الوَثَاق فإمّا مَنًّا بعدُ وَإِمّا فِدَاءً حتّى تَضَع الحرب أوزارها" (سورة محمد - 47). أما الحادثة الأشهر التي يقتدون بها فهي ما يُروى عن النبي محمد، في الحرم المكي، خلال السنوات الأولى من الدعوة الإسلامية، عندما اجتمع عدد من القرشيين وبدأوا يتحدثون عنه، لينتهي بهم الأمر إلى القول "ما رأينا مثل ما صبَرنا عليه من هذا الرجل قط، سفَّه أحلامنا وشتم آباءنا وعاب ديننا"، فبينما هم كذلك ظهر محمد طائفاً بالكعبة، وكلما مرَّ بهم شتموه غمزاً، حتى إذا تكرر الأمر التفت إليهم وقال: "تسمعون يا معشر قريش؛ أما والذي نفس محمد بيده لقد جئتكم بالذبح". هذا الحديث الذي ورد في مسند "أحمد" وغيره، يُعد مرجعاً للأصوليين المعاصرين في أحكامهم، ومنه انطلقت تلك الكلمات الشهيرة التي يتغنى بها الجهاديون الإسلاميون في سوريا وغيرها.

قطع رقاب الأسرى

كثيراً ما ورد في القصص التاريخية عبارة "يا سياف، أضرب عنقه" على لسان أحد الخلفاء أو الولاة، وذلك قبل تنفيذ الحكم على المقبوض عليهم. كان أكثر من طبَّق هذا الأمر في التاريخ الإسلامي الحجاج بن يوسف الثقفي"، ولا سيما إثر واقعة "دير الجماجم" التي شهدت ثورة على عبد الملك بن مروان وانتهت بقتل عشرات الآلاف من معارضي الدولة الأموية. أما في العصر الأول من الإسلام، فنجده في "غزوة بني قريظة" التي شنّها النبي على يهود بني قريظة وانتصر فيها المسلمون، لينفِّذَ النبي حكم "سعد بن معاذ" الذي قضى بأن يُقتل الأسرى من اليهود. يشكك عدد من العلماء في تفاصيل هذه الغزوة، كما تختلف الروايات حولها. قيل أن الرسول قطع رقاب ما بين 600 و900 يهودي، وقيل أنه قتل كل طفل نبت الشعر على عانته، في حين أن دراسة أجريت للتحقق من صحة المرويات عن الغزوة، تحدثت عن قطع رقاب 40 رجلاً هم من المحاربين الذين خانوا عهداً قطعوه للرسول.

على أن قتل الإنسان بضرب مؤخرة عنقه أمر شهير في كثير من الثقافات، في حين أن طريقة النحر التي يطبقها تنظيم داعش عبر حز العنق من أعلى البلعوم، فهي طريقة تنسب في التاريخ الإسلامي إلى الخوارج. تذكر المرويات التاريخية أنَّ الصحابي عبد الله بن خباب كان مارَّاً بمدينة "النهروان" عندما اعترضته مجموعة من الخوارج، وحين أوضح موقفه من مسألة التحكيم بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، ربطوه إلى نخلة ثم نحروه وبقروا بطن زوجته.

كذلك ثمة أحاديث تحض على عدم الإيغال في القتل أثناء الحروب مثل ما رواه مسلم في صحيحه "لا تَغُلُّوا، ولا تَغْدِروا، ولا تُمَثِّلوا، ولا تَقْتُلوا وَليداً"، أو "إنّ الله كتَب الإحسان على كُلّ شيءٍ، فإذا قتلتُم فَأحسِنوا القِتلَة". يستشهد الدعاة المسلمون بمثل هذه النصوص لدحض فكرة العنف عن الدين الإسلامي، وتجريم القتل بالطرائق التي يستخدمها تنظيم داعش. لكن بعيداً عن تقديم الأدلة التي تدعو إلى التسامح، لا نجد نقاشاً وافياً من قِبل هؤلاء الدعاة للنصوص التي يستند إليها المتطرفون الإسلاميون في ما يفعلونه.

عمر يوسف سليمان

كاتب سوري، مقيم في باريس. متخصص في المقالات النقدية والدراسات حول قضايا المجتمع المشرقي المعاصر، التي تستمد جذورها من التراث العربي والإسلامي.

التعليقات

المقال التالي