الموضة الإسلامية تفرض نفسها على العالم

الموضة الإسلامية تفرض نفسها على العالم

كَثُر الحديث أخيراً عن المنتجات والخدمات الإسلامية أكانت متوافرة في المنطقة العربية أو في أنحاء أخرى من العالم. تختلف القطاعات التي تندرج ضمن الاقتصاد الإسلامي كالمصارف وقطاع المأكولات الحلال وقطاع الرحلات والفنادق وقطاع مستحضرات التجميل والموضة. وما زالت تلك الأخيرة تخطو أولى خطواتها في العالم، وقد تحوّلت إلى سوق يستهدفها الكثير من الأفراد لأنها لم تنضج بعد وتقدّم الكثير من الفرص.

بحسب تقرير تومسون رويترز عن "وضع الاقتصاد الإسلامي العالمي 2013"، ينفق المستهلك المسلم 224 مليار دولار على الملابس والأحذية، أي 10.6% من الإنفاق العالميّ. ويتوقّع أن ينمو الإنفاق إلى 322 مليار دولار في 2018. ويكشف التقرير أن الدول التي تضمّ أكبر عدد من المستهلكين المسلمين بحسب بيانات 2012 هي: تركيا (25 مليار دولار)، إيران (21 مليار دولار)، إندونيسيا (17 مليار دولار)، مصر (16 مليار دولار)، المملكة العربية السعودية (15 مليار دولار) وباكستان (14 مليار دولار). وتحتلّ سوق الملابس الإسلامية مجتمعة المرتبة الثانية عالمياً بعد سوق الملابس في الولايات المتحدة (494 مليار دولار). هذه الأرقام شجّعت الكثيرين على خوض معترك الملابس الإسلامية، بسبب الحاجة المتزايدة وبسبب غياب العلامات التجارية المخصصة لهذا الغرض.

ولكن، ما هو تعريف الموضة الإسلامية؟

يفضّل البعض عدم استعمال عبارة "الموضة الإسلامية" لا بل "الموضة للمرأة المسلمة المعاصرة" لتجنّب المتاهات الدينية، إلا أن العبارة باتت مألوفة لدى المستهلكين. وبات الجميع يتّفقون على أن الموضة الإسلامية تستهدف المرأة المسلمة الملتزمة بالمبادئ الإسلامية للملابس، والمعاصرة أيضاً.

وفق تقرير رويترز، يبقى محفّز الموضة الإسلامية الحفاظ على التواضع الذي هو ركيزة الدين وارتداء الملابس التي تعكس تنوّع العالم الإسلامي مع احترام ما جاء في القرآن الكريم: "وقُل للمُؤمِنات يغضُضْن من أبصارِهنّ ويَحفَظن فُروجَهُنّ ولا يُبدين زينتهنّ إلّا ما ظهر منها وليَضْرِبن بِخُمُرِهنّ على جيوبِهِنّ ولا يُبْدين زينَتهُنّ إلّا لبُعولَتِهنّ أو آبائِهنّ أو آباء بُعولَتِهنّ أو أبنائِهنّ أو أبناء بعولَتِهنّ أو إخوانِهنّ أو بني إخوانِهنّ أو بني أخَواتِهنّ أو نِسائهنّ أو ما مَلَكت أيْمانُهنّ أو التّابعين غير أولي الإربَة من الرِّجال أو الطّفل الذين لم يَظهَروا على عوْرات النّساء ولا يضْربْن بأرجُلِهنّ لِيُعلَم ما يُخْفين من زينَتِهنّ وَتوبوا إلى الله جميعًا أيّها المؤمنون لَعَلّكُم تُفلِحون" (سورة النور، آية 31).

تجد المرأة المسلمة، وتحديداً تلك التي تعيش في الدول الغربية، صعوبة في التوفيق بين التقاليد والعادات والحياة المعاصرة. وهو نقص شكّل بداية لصناعة الملابس الإسلامية على مختلف أنواعها. بالإضافة إلى المواقع الإلكترونية، تمّ إطلاق معرض للأزياء الإسلامية من إندونيسيا في نسخته الأولى عام 2007 وقد ضمّ في دورة 2013 أكثر من 150 علامة تجارية (محلية معظمها) لآخر ميول الموضة الإسلامية.

ازدهار المتاجر الإلكترونية

ليس هنالك حتى الآن قطاع منظّم للموضة الإسلامية بل بعض العلامات التجارية وشركات الملابس المتفرقة على الصعيد العالمي. وبحسب تقرير رويترز، تضمّ معظم دول منظمة التعاون الإسلامي شركات ملابس محليةّ تركّز على الملابس الوطنية، مع افتقار الأسواق لعلامة تجارية للملابس الإسلامية. إلا أنّ شركات جديدة، لا سيما تلك التي تستهدف جيل الشابات المسلمات، بدأت تفرض نفسها في الأسواق المحلية والدولية. ويعدّ موقع "شكر"  للملابس الإسلامية، الذي انطلق من المملكة المتحدة، رائداً في هذا المجال. وبدأت دول أخرى كإندونيسيا وماليزيا والمملكة المتحدة ودبي تفرض نفسها مراكز للموضة الإسلامية، بحسب تقرير رويترز، لا سيما بفضل عدد المصممين الشباب الناشئين في هذه الدول مقارنة بدول أخرى. فنذكر، على سبيل المثال، "رابيا زي" من الإمارات العربية المتحدة و"أرمين" من تركيا و"جونيد جامشيد" من باكستان و"ديان بيلانجي" من إندونيسيا.

من بين أحدث اللاعبين الذين انضموا إلى الموضة الإسلامية، التقينا محمد كريب، الرئيس التنفيذي والمؤسس الشريك لموقع "سيترا ستايل" الذي انطلق بداية السنة الجارية من الإمارات العربية المتحدة من أجل منح المرأة العربية الشابة والمعاصرة "أسلوب حياة وهوية محددة". ويضيف كريب أن نقص العرض مقابل الطلب المتزايد دفعه وشركاءه إلى تأسيس هذا الموقع الذي انطلق في يناير 2014 بمجموعة تجريبية ليطلق في أكتوبر الماضي، مجموعة خريف 2014.

يعتبر كريب أن ما يميّز "سيترا ستايل" هو محاولتها إنشاء علامة تجارية مميزة تطمح إلى أن تتوسّع نحو مختلف الأسواق. يتولى فريق من 25 شخصاً التصميم والإنتاج في الإمارات العربية المتحدة لتلبية حاجة الزبائن، 90% منهم من ألمانيا وكندا والولايات المتحدة في حين أن أعمار السيدات تراوح بين 25 و35 عاماً. أما في ما يتعلّق بالأسعار، فيقول "نريد أن نكون ما بين زارا Zara وماسيمو دوتي Massimo Dutti. لذلك يراوح معدل الأسعار بين 80 و85 دولاراً باستثناء الحجاب" الذي  يبقى أكثر السلع مبيعاً (45%.).

يشير كريب أن معظم المواقع الإلكترونية والمتاجر الخاصة بالموضة الإسلامية تشدّد على بضعة منتجات أبرزها الحجاب، أو لا تقدّم مجموعات متنوّعة ومعاصرة، لا سيما أن المهمة صعبة وتطلب جهداً جباراً وتواجه تحدّيات عدّة. الكثير من المدوِّنات في المجتمعات الغربية اللواتي يملكن مئات الآلاف من المتابعين بدأن بكتابة المدوّنات عن طريقة وضع الحجاب أو التحلّي بأسلوب متميّز لينتقلن بعدها إلى صنع الملابس، إلا أن "ابتكار علامة تجارية إسلامية مستدامة عبر السنوات وقادرة على أن تتحوّل إلى إرث هو أمر في منتهى الصعوبة" على حدّ قول كريب. يبقى الأهم له عدم التوقف عند الجانب الديني لا بل المهني والتركيز على مهمة تلبية حاجة معيّنة وسوق متخصصة.

مجلس تصميم الموضة الإسلامية

لا شك أن هذا الاهتمام المتزايد بالموضة الإسلامية دفع علياء خان إلى تأسيسمجلس تصميم الموضة الإسلامية في الإمارات العربية المتحدة قبل عام تقريباً.  تقول لنا خان "إن المجلس يمثّل الاقتصاد الإسلامي وأصحاب المصالح ويريد أن يصبح مدافعاً رائداً عن الموضة الإسلامية ومحترفي الفن والتصاميم والمواهب الناشئة من أجل ضمان نجاح التصميم والموضة الإسلاميين في السوق العالمية". يريد المجلس التعاون مع العلامات التجارية والمؤسسات الحكومية والشركات والمؤتمرات الدولية لضمان حضور دائم وداعم. وتضيف خان أن ما يقوم به المجلس يتفق مع رؤية حاكم دبي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم الذي كان قد أعلن ضرورة تركيز الجهود على الاقتصاد الإسلامي في دبي.

في المرحلة الأولى، يركّز المجلس على تسهيل تطوّر ونموّ الموضة الإسلامية على نحو يجاري القيم الدينية. ويريد المجلس أن يقدّم باقة واسعة من الخدمات والمنتجات يعمل على تطويرها وستكون متوافرة في غضون مدة تراوح بين 18 و24 شهراً، بحسب خان. وتشمل هذه الخدمات الأبحاث والتسويق وتنظيم المؤتمرات والمعارض والفعاليات وصولاً إلى الاستشارة والإرشاد وتوفير ورش العمل لكل القيّمين على الموضة الإسلامية. أما ميدانياً، فتقول خان: "بدأنا التخطيط لعدد من الفعاليات وفرص التطوير خلال الأشهر المقبلة بالتعاون مع منظمات عدة منها "تومسون رويترز" ومؤسسة دبي لتنمية الصادرات ومؤسسة المنتدى الاقتصادي الإسلامي العالمي.

وبرغم أن قطاع الموضة الإسلامية في أول نشوئه فهو يعد بمستقبل باهر. تقول خان "على الرغم من أن سوق الأزياء العالمية سيشهد تباطؤاً في السنوات الثلاث المقبلة بحسب آخر إحصاء لحكومة دبي ومجلس تصميم الموضة الإسلامية، فإنّ الطلب على منتجات الأزياء في الأسواق الإسلامية الرئيسية يفوق المعدل العالمي". وتشير خان إلى أن سوق الموضة الإسلامية ملتزمة ومتعلقة بالايمان، وهي، تالياً، ليست "نزعة عابرة" بل أن الطلب سيتزايد والسوق ستنمو مع مرور السنوات. وهذا ما يشدد عليه محمد كريب معتبراً أن السوق ستصبح ناضجة خلال مدة تراوح بين 10 و15 عاماً إذ سنرى علامات تجارية إسلامية عالمية في المتاجر الكبيرة، لا سيما أنّ الاستثمارات والأموال ستتدفّق على هذا القطاع، من دون أن ننسى أن الموضة الإسلامية قد تتخطى زبائنها المعتادين من الرجال والنساء المسلمين لتجذب آخرين خاصةً المسيحين أو المورومونز أو اليهود المحافظين الذين يبحثون عن ملابس محافظة وإنما معاصرة.

باميلا كسرواني

صحافية لبنانية عملت في مجال الصحافة المرئية والمسموعة وتعمل في الصحافة الإلكترونية بين دبي ولبنان. تحمل ماجستير في الإعلام من جامعة السوربون الفرنسية.

التعليقات

المقال التالي