تقرير الكونغرس حول التعذيب: ماذا كان دور العرب؟

تقرير الكونغرس حول التعذيب: ماذا كان دور العرب؟

يثير تقرير مجلس الشيوخ الأمريكي في شأن استخدام السي آي إيه أساليب عنيفة أثناء التحقيق مع المعتقلين المتهمين بالإرهاب تساؤلات جديّة عن جدوى أساليب التعذيب في الحفاظ على أمن أمريكا القومي، وعن مستقبل التعاون بينها وبين دول الشرق الأوسط.

أخيراً، عرف العالم بعض ما تضمّنه تقرير لجنة الاستخبارات التابعة لمجلس الشيوخ الأمريكي، والذي كانت قد وافقت عليه قبل سنتين. أكّد التقرير أن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية تبنّت برامج تضمّنت ترحيلاً قسرياً لمتهمين، واعتمدت أساليب استجواب عنيفة مثل الإيهام بالغرق وترك المعتقلين أياماً في ظلام دامس أو وضعهم في مواجهة حائط أو في مياه مثلجة أو حرمانهم النوم أسبوعاً كاملاً. ووصل الأمر في بعض الحالات إلى تهديد معتقل بواسطة مقدح كهربائي وتزويد بعض المعتقلين بالسوائل عن طريق الشرج.

ويتهم التقرير السي آي إيه بأنها كذبت على الرأي العام وعلى الكونغرس والبيت الأبيض، وأوهمتهم بأن البرنامج الذي طبقته، بين 2001 و2009، لاستجواب أكثر من مئة معتقل يشتبه في ارتباطهم بتنظيم القاعدة سمح لها بـ"إنقاذ أرواح". وأشار إلى أن الرئيس السابق جورج بوش لم يعلم بما يتضمنه البرنامج إلا في أبريل 2006.

مدافعون عن السي آي إيه

فور صدور التقرير، انتقدته "لجنة الأقلية" التي تضمّ الشيوخ الجمهوريين في لجنة الاستخبارات التي أعدت التقرير، والتي كان معظم أعضائها من الديمقراطيين، كما انتقده مسؤولون كبار في السي آي إيه.

تولّت مجموعة من قدامى المسؤولين في وكالة الاستخبارات، تقول في تعريفها عن نفسها أن أعضاءها "لديهم مجتمعين مئات السنوات من الخبرة"، تأسيس موقع لانتقاد التقرير. اتهموا  لجنة الاستخبارات بالانتقائية في تحقيقها، إذ "استخدمت اللجنة بشكل انتقائي وثائق لتحاول إثبات وجهة نظرها مع توافر أدلة غزيرة مخالفة"، وهو ما اعتبروه تسييساً للتحقيق.

كذلك أكّدوا أن إدعاء اللجنة كذب الوكالة على الرئيس ومجلس الأمن القومي، والنائب العام، والكونغرس أمر بعيد عن الحقيقة، مؤكدين أن البرامج التي اعتمدوها أذن بها الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش، وأشرف عليها مجلس الأمن القومي، واعتبرها المدعي العام الأمريكي قانونية. واستنكروا عدم التركيز على السياق الذي أُنشئت فيه تلك البرامج مذكّرين بأنه، بعد 11 سبتمبر، توافرت لدى الاستخبارات أدلة قوية تشير إلى أن تنظيم القاعدة يخطط لموجة ثانية من الهجمات ضد الولايات المتحدة، وعرف مسؤولوها أن أسامة بن لادن التقى علماء نوويين باكستانيين، وكان يريد الحصول على سلاح نووي، وأن تنظيم القاعدة كان يحاول صنع الجمرة الخبيثة. وشدّدوا على أنهم، في تلك الظروف، شعروا بضرورة فعل أي شيء لمنع هجوم آخر، برغم أنهم كانوا يعلمون أنهم سيُستجوبون في وقت لاحق، ولكنّ ما حرّكهم هو "المسؤولية الأخلاقية" عن حماية الأمريكيين المدنيين.

ووصف قدامى المسؤولين في وكالة الاستخبارات استنتاج لجنة الشيوخ القائل إن برنامج الاستجواب "لم يسفر عن أي قيمة استخباراتية" بـ"السذاجة"، مؤكّدين أنه ساعد في القبض على إرهابيين بارزين في تنظيم القاعدة، وفي اكتشاف مخبأ بن لادن، وفي تعطيل مؤامرات إرهابية كانت ستودي بحياة آلاف الأمريكيين والمواطنين من دول حليفة.

في السياق عينه، أتى مقال نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية وكتبه ثلاثة مديرين سابقين للسي آي إيه، هم جورج تينيت، وبورتر غوس، ومايكل هايدن، وثلاثة نواب للوكالة، هم جون ماكلولين وألبرت كالاند وستيفن كاباس. أكد هؤلاء جميعاً أن البرنامج الذي انتقدته اللجنة بقسوة ساعد على اعتقال إرهابيين كبار وإحباط هجمات ومعرفة "كم هائل" من المعلومات عن تنظيم القاعدة. وبعدما لفتوا إلى أن أعضاء لجنة الاستخبارات تنتمي أغلبيتهم إلى الحزب الديمقراطي، قالوا إن التقرير تحوّل إلى "فرصة ضائعة لتقديم دراسة جادة ومتزنة حول السياسة العامة" التي تنتهجها السي آي إيه.

أما المسؤول السابق في البرنامج المثير للجدل خوسيه رودريغيز، فقد اعتبر، في مقالنشرته صحيفة "واشنطن بوست"، أن السياسيين الذين يعلّقون على هذا الملف يُبدون "قدراً كبيراً من النفاق"، وقال: "فعلنا كل ما طلب منا... ونحن على يقين بأن ذلك كان فعالاً".

منتقدون للسي آي إيه

في المقابل، دانت أصوات عدّة الإجراءات الوحشية المستخدمة في التحقيق. الصحافي توماس فريدمان اعتبر التقرير مدعاة للفخر لأن الحكومة الأمريكية كشفت عن أخطائها بنفسها لتتولّى محاسبة نفسها، على النقيض مما يحدث في دول عدة في العالم. كلامه أتى صدىً لكلام الرئيس الأمريكي باراك أوباما الذي رأى أنه "ليس هنالك أمة كاملة، لكن أحد مكامن القوة في أمريكا هو في إرادة المواجهة الصريحة لماضينا ومواجهة النواقص والتغيير إلى الأفضل".

وألمحت صحيفة "نيويورك تايمز" في مقالتها الافتتاحية، في 9 ديسمبر، إلى أن ما يمكن استخلاصه من فضائح التعذيب هو الفساد الذي "يصعب فهمه" داخل السي آي إيه. وتساءلت عن السبب الذي يمنع محاسبة أشخاص بعينهم عن هذه الجرائم، معتبرةً أن المسؤولية لا تقع على عاتق المسؤولين الكبار فحسب، ولكن أيضاً على صغار الموظفين الذين مارسوا التعذيب، وعلى المسؤولين عنهم الذين تستروا عليهم ودمروا أشرطة الفيديو التي توثّق الانتهاكات وحاولوا أن يعرقلوا عمل لجنة الكونغرس التي تحقق في تصرفاتهم. ووصفت الصحيفة ما يحدث في سجون السي آي إيه بأنه أسوأ مما حدث في سجن أبو غريب العراقي.

وفي الأخير، استبعدت الصحيفة الأكثر انتشاراً أن "يحدث شيء الآن" كرد فعل على هذا التقرير، لأن الجمهوريين صاروا يتحكمون بمجلس الشيوخ، وباتوا الأغلبية في لجنة الاستخبارات، وهم يشككون في صدقية التقرير.

هل يحاسَب المعذّبون؟

في 4 ديسمبر، قالت وزارة العدل الأمريكية إنها لا تخطط لإطلاق أي تحقيق جنائي جديد، كنتيجة لتقرير مجلس الشيوخ وأنها، في حال قيام دعوى من محكمة خارجية على مسؤولين أمريكيين، فإن الولايات المتحدة، ستسعى إلى ضمان منع حصول محاكمة غير مبرّرة لهم.

قامت صحيفة "يو إس إيه توداي" برصد المواقف ذات الصلة بالجدل الذي أثاره قرار وزير العدل وأوضحت انقسام الآراء بين رأي يتبنّاه المناصرون لحقوق الإنسان والمحللون القانونيون ويؤيّد وجوب محاكمة المسؤولين عن الانتهاكات، وبين رأي آخر ذهب أصحابه إلى ضرورة عدم محاسبتهم لأن القوانين الأمريكية المقرّة بعد 11 سبتمبر متسامحة مع الاستجوابات الوحشية.

أين العرب من كل هذا؟

اللافت أن معظم التحليلات التي نشرتها الصحف الأمريكية سلطت الضوء على المخاوف من رد فعل عنيف للإرهابيين على تقرير الكونغرس، ولكنّها تجاهلت رد فعل الحكومات التي تعاونت مع السي آي إيه، مما يشير إلى حالة من الاطمئنان الأمريكي في شأن استمرار التعاون مع تلك الأنظمة.

موقع "ذا ويك" الإخباري البريطاني أبدى استغرابه من عدم اهتمام وسائل الإعلام العربية بما كشفت عنه لجنة مجلس الشيوخ واكتفائها بنشر كلمات مختصرة عمّا نُشر في التقرير، على الرغم من أن العديد من السجناء المعروفة أسماؤهم والذين "أسيئت معاملتهم" ينتمون إلى دول شرق أوسطية، بعضها حليفة للولايات المتحدة في حربها على الإرهاب.

وقد استثنى تقرير "ذا ويك" من تعميمه المذكور قناة "الجزيرة" التي شرحت أساليب الاستجواب المرعية في سجون تديرها الولايات المتحدة، وذكرت اسم وجنسية شخصين من السجناء الذين خضعوا لتلك الاستجوابات، وهما أبو زبيدة من المملكة العربية السعودية، وخالد شيخ محمد من الكويت. وأشارت إلى استخدام السي آي إيه أساليب استجواب عنيفة بحق أبو زبيدة، وهو عضو في تنظيم القاعدة ومتهم بأنه أحد العقول المدبرة لهجمات 11 سبتمبر، على الرغم من حالته الصحية الحرجة.

في موازاة ذلك، يفضح التقرير التعاون الشائن بين الأنظمة العربية وأجهزة الاستخبارات الأمريكية، ويشير إلى أن عدداً من الدول التي لا تقوم شرعيتها على الانتخابات، تحوّلت "دولاً وكيلة" تنوب عن الولايات المتحدة في تنفيذ "أعمال قذرة" تنأى الدول الغربية بنفسها عن القيام بها لأنها ستخضع للمساءلة.

على سبيل المثال، لطالما امتدح مسؤولون أمريكيون رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية، عمر سليمان، على دوره في برنامج "الترحيل القسري" إذ كانت المخابرات الأمريكية ترسل إليه متهمين لم تثبت إدانتهم بعد، فيتولى جهازه تعذيبهم ونزع الاعترافات منهم.

في كتابه "الطائرة الشبح"، يقول ستيفن جراي: "رجال مثل سليمان .. قاموا بالنيابة عنا، وفي الخفاء، بنوع من الأعمال لا ترغب الدول الغربية في أن تقوم به بنفسها".

التعليقات

المقال التالي