المغرب والإيمان بالقدرات العجائبية للأضرحة

المغرب والإيمان بالقدرات العجائبية للأضرحة

منذ القدم، يتداول المغاربة مقولة أن المغرب بلد الأولياء والمشرق بلد الأنبياء. ويكمن سّر هذه المقولة في ما أشار إليه الباحث المغربي عبد الغني منديب، في كتابه "الأضرحة بالمجتمع القروي: آليات الوجود والاستمرار"، بأنّ المغرب يتميّز بتبجيله أكبر عدد من الأولياء حتى استحق لقب بلد المئة ألف ولي.

تحتضن المملكة المغربية ذات المذهب المالكي عدداً كبيراً من الأضرحة، هي عبارة عن بنايات مكعّبة الشكل تعلوها قبّة نصف كروية. تشكّل هذه الأضرحة قبر ولي أو مجموعة من الأولياء، وغالباً ما يطلق عليها اسم الولي.

إلى اليوم، وعلى الرغم من التطور الذي عرفه العالم وتغيير السلطة الحاكمة، ما زال جزء من  المجتمع المغربي "يؤمن" ويهتمّ بظاهرة الأضرحة. ينعكس هذا الاهتمام بزيارة الأضرحة وحضور مواسمها و"التبرك" اعتقاداً بـ"تدخلها" لإيجاد حلول لمجموعة من المشاكل، أكانت صحية أم عقلية أم عاطفية.

الإيمان بالقدرات العجائبية للأضرحة في المغرب

بين الخيال والحقيقة

يؤكد الباحث المغربي محمد جنبوبي في كتابه "الأولياء في المغرب: الظاهرة بين التجليات والجذور التاريخية والسوسيوثقافية" (عام 2004)، أنه حيثما ولى المرء وجهه تصادفه قبَّةٌ أو "كركورا" أو "حوش مزارة"، كاشفاً أنّ وجود قبور لأولياء حقيقيين أو خياليين ظاهرة تندرج ضمن معتقدات شعبية تعود إلى ما قبل الفتح الإسلامي للمغرب. يتصل هذا المعتقد، بحسب جنبوبي، بأهمية "الوسيط" في معتقدات المغاربة وتصوّر أناسها أن ثمة قوى "فوق حسيّة" يخضع الوجود لإرادتها. قد تكون مزارات الأولياء، كما يوضح، مثالاً للتعايش على مستوى اللاشعور الثقافي والمجتمعي بين آلهة ومعتقدات ما قبل الإسلام وبين مقدس الدين الجديد. ويخلص الكاتب في دراسته إلى أن الولي هو إنسان مميّز لكونه قادراً على قهر نفسه والقسوة على جسده إلى حدّ لا يطاق ولا يحتمل.

ثمة أضرحة ذات شهرة كبيرة في أوساط المغاربة، أشهرها ضريح "سيدي رحال البودالي"، وضريح "سيدي بليوط" وضريح "بويا عمر" وضريح "عائشة البحرية"، وضريح"سيدي عبد الرحمان"، وضريح "بوشعيب الرداد"، وضريح "سيدي يحى بنيونس".

بالعودة إلى محمد جنبوبي، تُعدّ الزوايا والأضرحة التي شادها متصوفة العهد المريني مظهراً دينياً واجتماعياً زاحمَ فضاءات المساجد إلى درجة دفع بعض سلاطين المغرب إلى محاربتها والتقليص من عددها لكونها محطّ استقطاب شعبيّ. ومع انتشار المذهب الوهابي في المغرب على عهد محمد بن عبد الله والمولى سليمان، تعرّضت الزوايا لحروب إبادة حقيقية. يرى جنبوبي أنّ عدد الزوايا والأضرحة ناهز عدد المساجد، لاسيما بين القرن العاشر الهجري (16 ميلادي) والقرن الحادي عشر الهجري (17 ميلادي). كما لعبت الزوايا دوراً كبيراً في الجهاد وتحديداً حينما تهافتت على المغرب الدول الاستعمارية الأجنبية.

تلتقي شهادات عدد من المواطنين على أنّ زيارة الأضرحة هي شرك بالله. ويُبرّر عددٌ منهم زيارته لها بـ"التبرك" والبحث عن "الشفاء" و"العلاج". تقول فاطمة ع. (39 سنة) إّنها  تواظب على زيارة ضريح "سيدي بليوط" مرة في الشهر منذ ما يقارب السنتين بحثاً عن فارس أحلامها. وتضيف أنّها تشعر براحة نفسية خلال الزيارة. ولا تعتبر أن زيارة هذه الأمكنة حكر على أناس أمّيين كما يدّعي البعض. إذ تواظب عائشة ر.، خريجة كلية الحقوق في البيضاء والعاطلة عن العمل، على زيارة مجموعة من الأضرحة منها سيدي بليوط وعائشة البحرية أملاً في تحقيق حلمها بالزواج بعدما فقدت الأمل في إيجاد عمل يليق بمستواها الأكاديمي. جانب باب ضريح بويا عمر، التقينا شاباً يبلغ من العمر 36 عاماً، يكلّم نفسه أكثر مما يكلّم من يحاوره. أوضح لنا صديقه أنّه يقيم في أحد البيوت القريبة من الضريح ويبحث عن الشفاء من "المس" الذي يعانيه منذ قرابة خمس سنوات.

ضريح بويا عمر، "مستشفى علاج"

يعدّ ضريح "بويا عمر" من أشهر الأضرحة التي يقصدها الزوار ملتمسين الشفاء من الأمراض النفسية والصرع. يؤمنون أن لروح الولي "بويا عمر" صلة وثيقة مع "الروح الإلهية" وبوساطتها قادر على العلاج. يقع هذا الضريح على بعد 10 كيلومترات من مركز العطاوية التابع إدارياً لمدينة قلعة السراعنة (شمال مدينة مراكش).

يُشبه الضريح مبنى مقاطعة إدارية. ولكن، عوض أن يكون مكتب القائد في آخر المبنى، يوجد قبر "بويا عمر". لا يختلف هذا الأخير عن بقية الأضرحة: قبة شاهقة تتخلّلها نوافذ صغيرة وأرض عارية تكشف عن زليج أبيض وأسود يتوسطها قبر الولي المغطى بثوب أخضر وبجانبه صندوق حديدي مثبتّ على الأرض، توضع فيه الهدايا (يطلق عليه بالعامية المغربية "المرفودات") التي يقدّمها الزوار للضريح. وعلى جدران "القبّة"، علّقت ثلاث ساعات جدارية، جميعها متوقفة عن الحركة في إشارة إلى أن الوقت لا أهمية له في ضريح "بويا عمر".

قرب الضريح، ثمة مقرّ لرجال الدرك مُغلقٌ طوال الوقت وكأنه يوحي أنّ الضريح ليس بحاجة إلى حماية لأنّ "بويا عمر" قادر على حماية أولاده، كما يردّد المشرفون على الضريح. إلا أنّ أول ما يراه الزائر عند وصوله الى الضريح هو أجساد نحيفة تستجديه بضعة دراهم أو سيجارة. بعضهم  يدّعي أنه من "أولاد السيد" ويطالب بحق "الزيارة" في إشارة إلى مبلغ مالي أو هدية.

على بوابة الضريح التي تحمل يافطة تمنع التقاط الصور، يوقفك منظر رجل جاوز عمره الخمسين عاماً يُعتبر "الحفيظ" على الضريح، أي المشرف على النظام الداخلي للضريح والمسؤول عن فتح وإغلاق الضريح بالإضافة الى تفسير الأحلام.

برغم إنشاء مستوصف بالقرب من الضريح، يظل الضريح مغلقاً بسبب عدم استعماله. تخبرنا امرأة تقيم في الجوار منذ ما يقارب الثلاثين سنة بأن المستوصف منذ تدشينه لم يُستعمل. تضيف "كان يروي الممرض الرئيسي في المستوصف أن الولي "بويا عمر" كان يزوره في المنام ويطلب منه مغادرة المكان مؤكداً له أن الضريح قادر على علاج أولاده، في إشارة إلى المرضى من الزوار".

نجد داخل الضريح مجموعة من المرضى من كلا الجنسين، أعمارهم تراوح بين الثلاثين والخمسين سنة. يجلس بعضهم في صمت مسنداً ظهره إلى قبر "الولي"، وبين الفينة والأخرى يقبّل بعضهم الآخر القبر ويطوف حوله أملاً في "التوسط" لشفائه وإطلاق سراحه. وينكسر الصمت أحياناً ببكاء أحد المرضى أو صراخ متقطّع لمرضى آخرين.

مستقبل الأضرحة

يتراءى من خلال ما يكتبه الباحثون المغاربة حول ظاهرة الأضرحة، بأن الأضرحة، على الرغم من تحفظات وانتقادات العلماء لشرعيتها، وعلى الرغم من الطقوس الغريبة التي تمارس داخلها،  تُشكّل عنصر استمرارية للأسس الرمزية التي تتبعها الدولة المغربية. فقد ظلت الدولة تساهم في ترسيخ تلك الأسس داخل القبائل. ويعتبر خير دليل على ذلك حضور ممثل للدولة في مواسم الأضرحة وتقديم الهبة الملكية لمسؤولي الضريح التي غالباً ما تكون منحة مالية تُقدّم لمن يُعرفون  بـ"أحفاد الوليّ".

أما الولي بويا عمر الذي يقام موسمه السنوي خلال الأسبوع الذي يسبق ذكرى المولد النبوي، فيتحصّل من الدولة المغربية على هبتين، الأولى عينية عبارة عن أبقار، والثانية مادية تصل إلى 40 ألف درهم سنوياً (4,500 دولار).

تبقى النداءات والتصريحات المُطالبة بوقف طقوس زيارة الأضرحة وإقامة المواسم من دون آذانٍ مصغية. حتى إن البعض يعتبر قرار وزارة الصحة بإغلاق ضريح "بويا عمر" مجرّد حبر على ورق للاستهلاك السياسي والإعلامي لا غير. والدليل أن الضريح ما زل مفتوحاً ويستقبل عدداً من الزوار من مختلف مناطق المغرب، ومن دول عربية وأجنبية.

إذا كان استمرار ظاهرة الأضرحة والزوايا في المغرب أمراً حتمياً، فهل بإمكان هذه الأمكنة أن تنقلب على نفسها وتبتعد عن دورها "الشعوذي" وتضطلع بدورٍ تنموي للمنطقة حيث هي؟ سؤال تصعب الإجابة عنه، إلا أنّ أعضاء جمعية الشفاء التي أسسها بعض سكان منطقة العطاوية بهدف تأهيل المنطقة وتنميتها، يستبعدون ذلك لا سيّما أن المسؤولين عن شؤون تسيير الضريح يرفضون التعاون.

التعليقات

المقال التالي