مجهولو النسب في الأردن: اغتراب وهوية ضائعة

مجهولو النسب في الأردن: اغتراب وهوية ضائعة

طالما اعتقدت رنين (30 عاماً) أن الزواج طوق نجاة وفرصة لتحقيق الأمان وبناء الأسرة التي حلمت بها سنوات عدّة. إلا أنّ واقع الحياة الزوجية كان مغايراً تماماً. عاشت رنين (اسم مستعار) سنوات طفولتها في دور الرعاية ولم تعرف يوماً هوية والديها. تقول: "نشأت متنقلة بين دور الرعاية، أتساءل كل يوم عن هويتي الضائعة. من هم والداي ولماذا هجراني؟ أثّرت طبيعة الحياة التي أعيشها على نفسيتي ولم أتمكّن من انهاء دراستي الثانوية وكان تحصيلي العلمي متدنياً".

وتضيف "بعد تخرجي من الدار عند بلوغي سن الـ18، سكنت مع مجموعة من صديقاتي. تكفّلت فاعلة خير بإيجار المنزل وتم تأميني بدورة تدريب مهني في مجال الخياطة، لأعمل بعدها في أحد المشاغل براتب بخس. شكلّت مسألة الزواج هاجساً كبيراً لي. فنظراً الى أنّ مجتمعنا عشائري، كانت فرصة الزواج لفتاة مثلي معدومة".

وتتابع "عرّفتني رفيقة طفولتي في دار الرعاية إلى شاب مثلي مجهول النسب يسعى لتأسيس عائلة تعوّضه عن سنوات الحرمان والوحدة. كان هذا الزواج الصفقة التي لا تفوّت والفرصة لبدء حياة جديدة بعيداً من الوصمة الاجتماعية ونظرات الشفقة والريبة. غير أن الأيام عاكستني. تبيّن أنه عاطلٌ عن العمل ومدمن على المشروبات الكحولية. وكان يعاملني بقسوة، ويمارس أسوأ أشكال العنف، ليس معي فحسب بل مع ابني وابنتي أيضاً".

لجأت رنين هي وطفلاها الى دار الوفاق الأسري لإيواء النساء المعنفات وحصلت على وظيفة طاهية في إحدى دور الرعاية حيث تقيم مع طفليها. تقول "يبدو أنّه قد كتب علي وعلى طفلَي أن نبقى أسرى مؤسسات الرعاية ودور الأيتام". وتوفّر دور الرعاية الإيوائية التابعة لوزارة التنمية الاجتماعية في الأردن رعاية للأطفال الفاقدي السند الأسري من الفئات المختلفة (الأيتام، مجهولي النسب واللقطاء) منذ لحظة الولادة حتى سن 18، بعد ذلك تعتبر الدولة أن هؤلاء الأشخاص قادرون على العيش باستقلالية خارج أسوار المؤسسات، فيما يتولى صندوق الامان لمستقبل الأيتاممصاريف الدراسة لهؤلاء اليافعين، سواء كانت دراسة أكاديمية أم تدريباً مهنياً، كما يتكفّل الصندوق تكاليف المعيشة خلال فترة الدراسة. على الرغم من ذلك، غالباً ما تسعى خريجات دور الرعاية إلى الارتباط بعد تخرجهنّ مباشرة، نتيجة خوفهن من مواجهة الحياة بمفردهنّ، أو هرباً من الانحراف، خصوصاً أنّه كثيراً ما يُنظر إليهنّ باعتبارهن فريسة سهلة.

في السياق عينه، تقرّ وزارة التنمية الاجتماعية بالحاجات المختلفة للفتيات من خريجات الوزارة. وقد خصصتّ لهنّ دار اليافعات التي تأسست العام 2000 ووظيفتها استقبال الفئات الأكثر ضعفاً من الفتيات، إذ توفر لهنّ المسكن وفرص عمل لائقة. وتتسع تلك الدار لنحو 30 منتفعة. وبحسب وزيرة التنمية الاجتماعية، المحامية ريم أبو حسان، فإن "الوزارة تسعى حالياً لتأهيل مبنى جديد يتّسع لعدد أكبر من الخريجات". ولا تقتصر التحديات وصعوبة الاندماج على الفتيات من خريجات دور الرعاية، إنما ينطبق الحال عينه على الذكور، وإن اختلفت الدرجة.

روبين...ضحية الاحباط

وتشكّل قضية الشاب الثلاثيني أحمد روبين الحالة الأكثر "راديكالية" للغربة والإحباط اللذين يعيشهما خريجو دور الرعاية عقب اصطدامهم بالواقع. قبل نحو عام، أقدم روبين على الانتحار حرقاً أمام مبنى وزارة التنمية الاجتماعية احتجاجاً على ظروف حياته الصعبة. تعدّدت الروايات في ما إذا كان روبين يتيماً أم مجهول النسب، لكن المؤكد أنّه أمضى سنوات طفولته في دور الرعاية، على ما يقول رفيق دربه، علاء الطيبي، رئيس جمعية "أنا انسان" لرعاية مجهولي النسب والأيتام.

ترك روبين المدرسة في سنّ مبكرة وهو لا يكاد يستطيع الكتابة والقراءة وتنقّل بين مختلف دور الرعاية. كما عُرف عنه سلوكه العنيف في التعامل مع المحيطين به، سلوك نابعٌ عن شعوره بالعجز نتيجة عدم قدرته على العمل بسبب وضعه الصحي. وبحسب بيانات الأمن العام، واجه روبين 33 أسبقية جرمية، غالبيتها تتعلّق بجنح بسيطة كالتشرد أو افتعال المشاجرات.

نظراً للظروف الصعبة التي أحاطت بحياة روبين، خصّصت وزارة التنمية الاجتماعية، بفضل صندوق المعونة الوطنية، دعماً مالياً شهرياً له ولزوجته (مجهولة النسب أيضاً) قدره 90 ديناراً (129 دولاراً)، وفق الناطق باسم وزارة التنمية الاجتماعية، الدكتور فواز الرطروط، الذي بيّن أنّ روبين غالباً ما كان يتردد إلى الوزارة لطلب معونة طارئة بعد أن ينفق كلّ دعمه الشهري.

وفيما أكّد شهود عيان أنّ روبين هدّد مرات عدة بحرق نفسه أمام الوزارة، استخدم أسلوب التهديد وسيلة للحصول على المعونة الطارئة.  لكن، في يوليو الماضي، عندما رفض رجل الأمن السماح له بدخول مبنى الوزارة، تحوّل التهديد حقيقة.

يرى الرطروط أنّ حالات الفشل في الاندماج ليست إلا فردية، مؤكداً، في الوقت ذاته، وجود العديد من نماذج وقصص النجاح لأشخاص عاشوا طفولتهم في دور الرعاية، وتمكّنوا لاحقاً من الاندماج في المجتمع برغم وجود بعض الصعوبات المتعلقة بالوصمة الاجتماعية وتحميل المجتمع لهذه الفئة ما لا ذنب لهم فيه.

ويلفت الرطروط الى مجموعة من الخدمات التي تقدّمها الوزارة لأبنائها من خريجي دور الرعاية، كتوفير التعليم والتدريب من خلال صندوق الأمان، وتأمين فرص عمل لهم في القطاعين العام والخاص، واستفادة نسبة منهم من مساكن الأسر العفيفة، فضلاً عن المساعدات المالية عند الزواج أو المعونات الطارئة. ولا ننسى ادراج غير القادرين على العمل على قائمة خدمات صندوق المعونة، وتوفير التأمين الصحي لكل شخص يقلّ دخله عن 200 دينار شهرياً.

طفولة صعبة ومستقبل باه

أمضى نصر وسعاد (اسمان مستعاران) طفولتيهما في دور الرعاية. تمكّنت سعاد، بفضل صندوق الأمان، من استكمال دراستها الجامعية والتخصّص بتربية الأطفال، فيما حصل زوجها على الشهادة الجامعية المتوسطة في العمل الاجتماعي. تعمل سعاد اليوم معلمة في مدارس التربية والتعليم، بينما يعمل زوجها نصر في إحدى المؤسسات التابعة لوزارة التنمية الاجتماعية. حصل الزوجان على مسكن بفضل برنامج مساكن الأسر العفيفة الذي تنفذه الوزارة، ولديهما اليوم ثلاثة أبناء.

تقول سعاد "كان لدي الإصرار على أنّ أعيش حياة طبيعية. لا أستطيع أن أقول إنّ حياتنا مثالية، لكنني أعيش اليوم أفضل أيام حياتي". وتتابع "مجتمعنا لا يتقبل مجهولي النسب. ويا للأسف، يتمّ تحميلنا مسؤولية أخطاء لم نرتكبها. مجهول النسب ضحية مكررة:  في المرة الأولى من والديه اللذين قرّرا هجرانه، وفي المرة الثانية من قبل المجتمع الذي يحمّل شخصاً بريئاً مسؤولية خطأ لم يرتكبه".

ويؤكد علاء الطيبي، رئيس جمعية "أنا إنسان"، وهو أحد خريجي دور الرعاية، حقيقة عدم تقبل المجتمع لهذه الفئة من الشباب، ويقول إن "زواج مجهول النسب بفتاة معروفة النسب أمر شبه مستحيل، إذ ترفض غالبية العائلات ذلك". ويضيف "لا يقتصر الأمر على الزواج، لا بل نجد تمييزاً في فرص العمل أيضاً، لأنّ أصحاب العمل لا يحبّذون أن يعمل لديهم مجهولو النسب"، موضحاً "هذا الأمر ينعكس في الوصمة الاجتماعية بالدرجة الأولى، وثانياً في تدنّي المستوى التعليمي وضعف المهارات المهنية".

إشكاليات عدّة تواجه أطفال دور الرعاية

يتطرّق الطيبي الى إشكالية يعانيها الأطفال في دور الرعاية التي تتمثل بعدم توفير الاهتمام الكافي لتعليمهم وتحضيرهم للاندماج بالمجتمع. يقول "برغم التحسن الكبير في مستوى الخدمات في دور الرعاية، من حيث المباني والأثاث ونوع الطعام المقدم، فما زال الكثير من الأطفال يعانون صعوبات في التعلم". ويضيف "أن غالبية خريجي دور الرعاية يعملون وفق نظام المياومة في مهن شاقة متدنية الرواتب، ويحرم غالبيتهم خدمات التأمين الصحي والضمان الاجتماعي".

أما الإشكالية الأخيرة فتكمن في الأرقام الوطنية التمييزية ضد مجهولي النسب، إذ إن الأرقام الوطنية لمجهولي النسب تبدأ بالرقم 2000، بغض النظر عن سنة الولادة، في حين أن الأرقام الوطنية لباقي المواطنين تبدأ بسنة الميلاد لكل شخص. ويتابع الطيبي "حاربنا كثيراً من أجل تغيير الرقم الوطني. تجاوبت معنا دائرة الأحوال المدنية خلال فترة الانتخابات وتمّ تغيير الرقم الوطني لعدد من مجهولي النسب إلا أنّ الدائرة عادت وتراجعت عن قرارها".

يبقى ألم العيش بدون سند أسري وفقدان الدعم العاطفي والاجتماعي الهمّ الأكبر لمجهولي النسب، بحسب الطيبي. أَلَمٌ يزيد من حدته عدم تقبّل المجتمع لأشخاص هم في الأصل ضحايا بلا ذنب.

نادين نمري

صحفية أردنية متخصصة في صحافة حقوق الإنسان، لديها اهتمام خاص بقضايا الحريات الدينية والأقليات في الشرق الاوسط، والجندر وحقوق الطفل والأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، مناهضة لعقوبة الاعدام. حائزة على جائزة صحافة حقوق الانسان للعام 2015 المقدمة من منظمة صحفيون لحقوق الإنسان ومعهد الإعلام الاردني. تعمل في مجال الصحافة المكتوبة منذ 12 عاما.

التعليقات

المقال التالي