خادمات المنازل القاصرات في المغرب

خادمات المنازل القاصرات في المغرب

تعتبر فاطمة البالغة من العمر 12 عاماً (مواليد مدينة تارودانت، جنوب المغرب) نموذجاً بارزاً لمعاناة جزء مهمّ من الأطفال المغاربة وسط "وحل" مهنة الخادمات في البيوت. فعوض أن تتوجّه إلى مقاعد الدراسة، دخلت إلى دهاليز المحكمة الابتدائية في مدينة الدار البيضاء لتتابع فصول اعتداء مخدوميها عليها.

كُشفت قصة فاطمة بعدما اختارت الفرار من "جحيم" المنزل الذي كانت تعمل فيه. قصدت الشارع وهي في حال يُرثى لها، فحملها بعض المارة إلى أقرب مركز للشرطة.

فور إحالة الملف على القضاء، دخلت جمعية إنصاف التي تهتم بالدفاع عن حقوق المرأة والطفل طرفاً مدنياً للدفاع عن فاطمة، وأصدرت بياناً مندداً بالواقعة ومحذراً من الضغط الذي قد يمارس على والد الضحية للتنازل عن الشكوى. وبعد مسلسل من الترافع ومناقشة القضية، أصدر القضاء حكمه بسجن مُشغّلة فاطمة سنة واحدة نافذة. ووجِه هذا الحكم بانتقادات شديدة من الائتلاف المغربي لحظر تشغيل الخادمات القاصرات، الذي رأى أن قرار المحكمة خفّف الحكم على المتهمة.

ليست فاطمة، بحسب مصطفى أحصار، وهو عضو في جمعية المنار للطفولة، الوحيدة التي وقعت ضحية التحرش والاعتداء، فالمحاكم المغربية تغصّ بقضايا مشابهة. في مارس 2013 توفيت فاطمة البالغة من العمر 14 عاماً في أكادير جراء تعرّضها لحروق من الدرجة الثالثة، والفاعلة كانت مُشغّلتها التي حوكمت بالسجن عشرين عاماً. وفي يناير 2013، حاولت "نسيمة" في الدار البيضاء الانتحار جراء عملها في ظروف قاسية. وفي يوليو 2011 توفيت خديجة البالغة من العمر 11 عاماً في مدينة الجديدة بسبب لامبالاة مشغلتها بحالتها الصحية. وقد حوكمت المُشغّلة بالسجن ثلاث سنوات.

تُعدّ المملكة المغربية من الدول التي "تزدهر" فيها ظاهرة تشغيل الفتايات خادمات في المنازل. هذا ما تؤكّده بسيمة الحقاوي، وزيرة التضامن والمرأة والأسرة والتنمية الاجتماعية التي أعلنت قبل سنة من الآن أنّ عدد الفتيات الصغيرات العاملات في البيوت في المغرب يقارب 92 ألفاً. وكانت دراسة أجراها "الائتلاف المغربي من أجل حظر تشغيل الخادمات القاصرات"، في عام 2012 قد قدّرت عدد الفتايات العاملات في المنازل في المغرب بـ30 ألف. رغم غياب الإحصائيات الدقيقة ووجود تضارب كبير في الأرقام المعلنة، يعتبر جواد الخني، رئيس المنتدى المغربي للديمقراطية وحقوق الإنسان، أنها أرقام صادمة، ويقول لرصيف22 إنها تستدعي دقّ ناقوس الخطر من أجل التوعية ولجم التردّي المخيف لوضع الطفولة في المغرب.

هذه القصص وغيرها دقّت  ناقوس الخطر  للحدّ من هذه الظاهرة التي باتت انعكاساً واضحاً لانتهاك حقوق الإنسان. ارتفعت أصوات كثيرة مطالبة باستعجال إصدار قانون حازم يحرّم تشغيل القاصرات ويسهم في تأهيل المناطق النائية والريفية للحدّ من الهجرة القروية نحو المدن. فبحسب، مريم كمال، عضو جمعية إنصاف، إن غياب العيش الكريم والفقر هما من أبرز الأسباب الكامنة وراء قيام عدد كبير من الأسر القروية بإرسال الفتيات الصغيرات إلى المدن لخدمة الأسر الميسورة. تضيف كمال أن العائق الثقافي والاجتماعي يشجّع أيضاً على انتشار هذه الظاهرة في كلّ أنحاء المملكة، مشيرةً إلى أن هنالك سماسرة كثراً يستغلّون ظروف الأُسر الفقيرة للاتجار ببناتها الصغيرات وتحويلهن خادمات.

ولكن مع ذلك، يبقى استفحال هذه الظاهرة مرتبطاً بشكل أساسي بقصور التشريع المتصل بها. لذا يعتبر جواد الخني أن على الحكومة المغربية الإسراع في إقرار مشروع القانون الرقم 12.19 الخاص بتنظيم العمل المنزلي. ولكن مشروع القانون هذا الذي بدأت الحكومة المغربية بتحضيره في العام 2006، لم يتم تبنيه حتى اليوم، وهو لا يزاليتضمن ثغرات ولا يستجيب للمعايير التي تحددها اتفاقية منظمة العمل الدولية 189، بحسب منظمة هيومن رايتس واتش. فضلاً عن إقرار تشريع مناسب، يعتبر "الائتلاف المغربي من أجل حظر تشغيل الخادمات القاصرات"، أنه يجب العمل على ضمان حقه الفتايات القاصرات في التعليم المجاني والإلزامي، حتى لا يبقين عرضة للانتهاك والمهانة، فيما المفترض أن يكنّ على مقاعد المدرسة.

سعيد ياسين

صحافي يشغل مهمة رئيس تحرير في قناة الرياضية المغربية. كاتب عام للرابطة المغربية للصحافيين الرياضيين، وعضو في المركز المغربي للدراسات والابحاث الرياضية، والمنتدى الثقافي والرياضي العربي (تماس).

التعليقات

المقال التالي