أزمة المياه في غزة: الجفاف قريب

أزمة المياه في غزة: الجفاف قريب

تتصدر أزمة المياه وشحها الكبير سُلّم الأزمات في العالم العربي بفعل وقوعها تحت خطر الاستنزاف المستمر. ففي فلسطين، تعتبر أزمة المياه إحدى أهم المشكلات الناتجة عن جغرافيا المكان الطبيعية، وعن ممارسات السياسة الإسرائيلية الممنهجة ضد هذه المصادر الشحيحة، بالإضافة إلى ممارسات الفلسطينيين أنفسهم في تعاطيهم مع مصادر مياههم.

تعدّ المياه أحد أهم الأسباب المحركة للممارسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، خصوصاً من حيث استمرار عمليات بناء المستوطنات فوق مصادر المياه الغنية في مناطق الضفة الغربية والقدس المحتلة. فمنذ العام 1967، خاضت إسرائيل كل حروبها من أجل السيطرة على أكبر كمية ممكنة من المياه. وقد أحكمت سيطرتها المطلقة على نهر الأردن ومنابعه في جبل الشيخ وهضبة الجولان في سوريا والتي يقدر إنتاجها السنوي بـ900 مليون متر مكعب.

على مستوى التنمية، تعيق مصادرة المياه الجوفية الدائمة من قِبل إسرائيل عملية التنمية على المستويات الفلسطينية كافة، خصوصاً الزراعة والصناعة، وهي بذلك تخلق واقعاً مستحيلاً للعيش. في التقرير الصادر عن مكتب الأمم المتحدة القُطري في فلسطين "غزة 2020، مكان ملائم للعيش؟"، يضع فريق من الخبراء رؤيتهم المستقبلية للتحديات والأزمات التي سيواجهها قطاع غزة الواقع تحت الحصار منذ العام 2006. يشير التقرير إلى الخطورة الشديدة لأزمة المياه وتزايد أعداد السكان المتفاقمة حالياً وتبعاتها المستقبلية على الواقع المعيشي الصعب لسكان القطاع، حيث ستصبح المياه الجوفية بحلول العام 2016 غير صالحة للاستخدام، وقد تتضرر كلياً بحلول العام 2020.

يعتبر الخزان الجوفي الساحلي في القطاع المصدر الوحيد للمياه، حيث يصل معدل الاستهلاك السنوي إلى مائة وسبعين مليون متر مكعب، 90 مليوناً منها للاستهلاك الآدمي و80 مليوناً للاستهلاك الزراعي. وتمثل الأمطار المصدر الوحيد لتغذية الخزان الجوفي حسب المعدل السنوي البالغ 125 مليون متر مكعب، يصل منها إلى الخزان الجوفي 50 مليوناً فقط، نتيجة أسباب كثيرة منها عدم الاستفادة من مياه الأمطار وتصريفها إلى البحر للتخلص منها، بالإضافة إلى التمدد العمراني العشوائي بدون أي تخطيط.

سرقة مياه منظمة

يقول رئيس إدارة مصادر المياه في السلطة الفلسطينية المهندس أحمد اليعقوبي لرصيف22: "إن قطاع غزة يعيش الكارثة منذ هذه اللحظة. إذ سيتضاعف عدد السكان ليصل إلى ما يقارب 2.3 مليون نسمة في الأعوام المقبلة، وهو ما ينذر باستنفاد المياه الجوفية، نظراً لزيادة الاستهلاك إذ تبلغ كمية الاستهلاك بالنسبة للفرد الواحد في غزة 80 ليتراً يومياً، مقارنة بالمعدل العالمي البالغ 150 ليتراً، أي ما يقارب النصف تقريباً، بسبب التناقص المستمر في نسبة المياه في الخزان الجوفي وغياب مصادر تغذية متجددة تحميه".

قبل الانسحاب الإسرائيلي من غزة العام 2005، قامت القوات الإسرائيلية بسرقة مياه الخزان الجوفي الواقع تحت مناطق المستوطنات، معيدةً ضخها نحو صحراء النقب لتغذية المستوطنات على حدود قطاع غزة، وهذا ما أثّر على الزراعة في أراضي القطاع، وتسبب بعجز مائي كبير لا يمكن حلّه في الوقت القريب.

يشير اليعقوبي إلى أن "الاحتلال أغلق منذ زمن مجرى وادي غزة الذي تأتي منابعه من جبال الخليل. كان دور هذا المجرى كبيراً في تغذية مياه مناطق كثيرة، فضلاً عن استخدامه في الزراعة لتخفيف الضغط عن الخزان الجوفي". كما تقيم سلطات الاحتلال على حدود قطاع غزة ما يسمى مصائد المياه وهي عبارة عن حفر عميقة تعمل على إعادة المياه إلى باطن الأرض، أي تحويل مياه الأمطار والسيول الذاهبة نحو قطاع غزة إلى الخزان الجوفي الواقع في الأراضي المحتلة.

ممارسات محلية مضرة

تشكل مدينة خانيونس في القطاع أبرز وجوه الأزمة، حيث تصطف الطوابير أمام محطات التحلية القليلة الموجودة في شوارع المدينة، والتي أقامتها الهيئات العربية والدولية. ويكون الحصول على حصة من المياه العذبة مستحيلاً نتيجة الموقع الجغرافي. حسب التقارير الرسمية، تقع المدينة على خزان جوفي من المياه العادمة، ونظراً لعدم توفر شبكات الصرف الصحي يقوم المواطنون بحفر "آبار امتصاصية" تؤدي بطبيعة الحال إلى تلوث المياه واستحالة استخدامها، لتبقى آمال مدينة خانيونس معقودة على أموال المانحين، التي تذهب إلى دعم قطاع المياه ومحطات التحلية المنتشرة في مناطق قليلة فقط.

ولأن الحلول النهائية ممتنعة، يلجأ الغزيون إلى محطات التحلية الخاصة والتي تنتشر سياراتها في الشوارع. كما يحفرون الآبار المنزلية الجوفية لتجنب انقطاع المياه الدائم، فضلاً عن الملوحة الزائدة في المياه التي توفرها البلديات المحلية لمعظم المناطق. علاوة على الملوحة تعاني المياه من زيادة حجم النترات المضرة في الخزان الجوفي بسبب اختلاط مياه البحر بالمياه الجوفية. وبرغم ذلك، بات حفر الآبار الجوفية يشكل الأساس قبل بناء المنازل لضمان وجود مياه دائمة لا تنقطع عند الحاجة، وذلك بعيداً من أعين سلطة الرقابة التي حاولت ضبط الأمور لفترة وجيزة مانعةً حفر الآبار بدون الحصول على التراخيص اللازمة. باختصار يمكن القول إن حفر الآبار العشوائية قد يؤدي مؤقتاً إلى تزويد أهالي غزة بالمياه، إلا أنه سيؤدي على المدى الطويل، بحسب ما يقول أكثر الخبراء، إلى اختلال منسوب المياه وإلى زيادة التملح والجفاف.

حلول مستقبلية: السياسة أولاً

على أن أبرز الحلول المطروحة تتمثل بإنشاء محطة تحلية لمياه البحر، فضلاً عن الاستفادة من مياه الأمطار المهدورة. لكن، برغم التكاليف الضخمة لمشروع كهذا، سيؤدي ذلك في النهاية إلى إرتفاع أسعار المياه وإضافة عبء جديد على السكان في قطاع غزة. ذاك أن مياه الفلسطينيين، كما كل مجالات حياتهم، معلقة بيد إسرائيل. وتختلف الرهانات على أي حلول مستقبلية ممكن اعتمادها، وأهمها إيراد استخدام المياه بنداً أساسياً في أي عملية سلام مقبلة. يبقى أخيراً أن تعثر المفاوضات وفشلها المستمر يقفان حجر عثرة أمام بدء تنفيذ أي من هذه المشاريع الجزئية، وهذا ما يغرق أهل غزة في بحر من المشاكل لا تجدي معه الحلول المؤقتة.

التعليقات

المقال التالي