مُحضِر خير

مُحضِر خير

فتحت باب بيتي أو بالأحرى بيت “أبو اسماعيل” الذي أستأجِره لأفتح للطارق، فوجدت شخصاً في منتصف العمر يحمل في يده حقيبة جلدية سوداء ضخمة. كان يلهث بسبب صعود الدرج، فأنا أسكن في الملاحق والطوابق الأخيرة دائماً. رحبت به لكنه لم يكن يقوى على النطق، طلب بإشارة من يده إلى فمه كأس ماء على الأرجح فدعوته للدخول ريثما أحضر له الماء من المطبخ المفتوح على الصالون. دخل الرجل ولكنه ظل واقفاً قرب الباب المفتوح. أتيته بالماء فوجدته يتفرج بسعادة لا توصف على جدران بيتي المليئة بالصور، وخاصة صور لاعبي كرة القدم. شرب الرجل الماء وتنهد ثم قال: حضرتك بتحب الفوتبول؟ أجبته أن نعم، فأشار إلى نفسه قائلاً: محسوبك أبو عدنان لاعب فوتبول سابق في نادي الشرطة. يا أهلا وسهلا بأبو عدنان، قلت له وطلبت منه الجلوس. جلس أبو عدنان وتابع بأنه كان لاعباً في نادي الشرطة لكنه لم يكمل مشواره الرياضي بسبب الإصابة، وأشار إلى ركبته. هززت رأسي بأسف أوتوماتيكي وسألته إذا ما كان يريد شرب القهوة معي فوافق على الفكرة.

وضعت القهوة على النار فلحق بي أبو عدنان إلى المطبخ مكملاً حديثه عن تاريخه في كرة القدم، تحدثت عن بعض اللاعبين في فريق الشرطة الدمشقي تلك الأيام عندما كان لاعباً مما يفترض أنهم زملاؤه؛ فسرَّ كثيراً من معرفتي الكروية، وعدنا بالقهوة معاً وهو ما زال يتحدث عن ذكرياته مع هؤلاء الذين ذكرتهم. جلسنا وحدثته عن فريقي المفضل نادي الحرية الحلبي. ضحكنا من المفارقة كونه من نادي الشرطة، الحرية والشرطة، فقال لي بأن مباريات الشرطة ضد الحرية كانت من أجمل المباريات. صححت بأن مباريات الوحدة ضد الحرية هي الأجمل في الحقيقة، فوافق ولكننا اتفقنا على أن مباريات الشرطة ضد الحرية كانت قوية. انتقلنا إلى الحديث عن الكرة العالمية وفريق برشلونة كون معظم الصور كانت لهذا الفريق ولاعبيه، وبدأ أبو عدنان بشرح خطة التيكي تاكا الشهيرة التي يلعب بها مدرب برشلونة غوارديولا، وبدأ بالتحليل العميق وهو يدخن ويشرب القهوة، فوافقته على تحليله، عندها سحب نفساً عميقاً من سيكارته ونظر إلي بتأمل وكأنه لا يراني وقال: أنا لازم أكون مدرّب مو محضِر.

لم أفهم معنى كلمة مُحضِر فشرح لي أن المُحضِر هو الشخص المختص من قِبل المحكمة بإبلاغ المدَّعى عليهم بأن هناك دعوى ضدهم في المحكمة. دعوى! محكمة! ارتجف الفنجان في يدي، وفكرت لأول مرة بسبب مجيء هذا الرجل إلي. فهم أبو عدنان تساؤلاتي ففتح حقيبته الجلدية وأخرج منها ورقة من بين مئات الأوراق ونظر إليها ثم سألني: حضرتك لقمان ديركي؟ هززت رأسي بالإيجاب. قال لي بأن هناك دعوى ضدي رفعتها فنانة تتهمني فيها بالقدح والذم إثر مقالة كتبتها ووصفت صوتها في أحد المسلسلات بصوت العنزة! أعاد أبو عدنان الورقة إلى الحقيبة وقال: لا يكون لك فكر أستاذ لقمان، اعتبر هالدعوى ما وصلتك، ولا رح توصلك بحياتك.

تابع حديثه عن مورينيو، لكنني قاطعته متسائلاً فأجابني: طالما أنو الدعوى ما وصلتك فتنقعها وتشرب ميتها. يعني ضراط عالبلاط أستاذ. وتابع حديثه الرياضي، الحديث الذي انتهى بسبب اضطراره للذهاب كي ينجز باقي الإبلاغات. وقف أمام الباب وكرر: الدعوى تبعك أستاذ رح تنام بهالشنتة عشرين سنة، لا يكون لك فكر، بكرة بمرق لعندك وبنشرب قهوة سوا، شو رأيك؟ وافقته طبعاً، وبالفعل كان أبو عدنان على الموعد صباح اليوم التالي، وعدنا إلى حديث الكرة، وأسهب أبو عدنان في شرح نظرية الكرة الشاملة التي قدمها المنتخب الهولندي في السبعينات، وتحدث عن كرويف لاعباً ومدرباً، وكيف أنه كمدرب بداية التسعينات أسس لطريقة لعب فريق برشلونة الحالية، ووافقته بل وضربت كفي بكفه، فنظر إلي بحسرة والدموع تتلألأ في عينيه دون أن تسقط: أنا لازم أكون مدرّب، مو محضِر يا أستاذ لقمان. قلت له بأن الأيام قادمة، لكنه هز رأسه بأسف وقال: هون ما بيمشي شي إلا بالدعم والواسطة. واستغليت الفرصة التي صمت فيها بسبب الحسرة على وضعه وسألته عن الدعوى التي تخصني فابتسم وقال: طالما ورقتك بشنتاية أبو عدنان فلا يكون لك فكر، اِنساها أستاذ، اِنساها.

على مدى شهرين، باتت زيارات أبي عدنان الصباحية مشهداً مألوفاً في بيتنا، وصار أصدقائي يعرفونه، كما أن ثقافتهم الرياضية الكروية ازدادت بفضل تحليلاته، إلى أن تركت بيتي في حي عين كرش وانتقلت إلى حي الشعلان، فصرت أصادفه في الشوارع كثيراً نظراً لطبيعة عمله في إيصال الإبلاغات، وبالطبع فإنه سألني أين أسكن الآن فأعطيته عنوان بيتي الجديد.

download (12)

كان بيتي في الشعلان عبارة عن ملحق أيضاً في الطابق الخامس، ولم يكن هناك مصعد في البناية، كما أن الدرج كان ذو تركيبة صعبة وغريبة فلا يصل أحدٌ إلي إلا وقد أنهكه التعب تماماً، وهو ما حدث مع أبي عدنان الذي طرق الباب علي ذات صباح ففتحتُ لأجده مفترشاً العتبة وهو يلهث ويسعل بآن معاً فعاجلته بكأس ماء، شرب وهو يتابع اللهاث، انتظرته لخمس دقائق حتى ارتاح قليلاً ثم ساعدته على النهوض ودخل.

شربنا القهوة كالعادة، وتحدثنا في شؤون الفوتبول كالعادة، وخلص في نهاية الحديث إلى أنه يجب أن يكون مدرباً في إحدى النوادي الأوروبية وانصرفَ إلى عمله، ولم يعد إلى زيارتي بعد ذلك أبداً.

التعليقات

المقال التالي