كيف تصنع الإمارات المطر؟

كيف تصنع الإمارات المطر؟

غالباً ما تنتظر الشعوب أن تنعم عليها السماء بالأمطار التي تعتبر مصدراً مهماً للحياة. إلا أنه قلما تتمّ الاستجابة لهذه المطالب، فتارة تكون الأمطار شحيحة، وتارة غزيرة. وقد تصبح في الحال الأولى أشبه بلعنة.

ولكن الانسان يجد دوماً وسائل عدة ليتأقلم مع الطبيعة، محاولاً الاستفادة منها بطرق إيجابية أو سلبية ليلبّي حاجاته. من بين هذه الأساليب، الاستمطار، أو بالأحرى صناعة المطر، التي تستخدم منذ سنوات في مختلف دول العالم كالصين والهند والولايات المتحدة وأستراليا وسلطنة عمان وأيضاً الإمارات العربية المتحدة، التي قامت طائرات استمطار السحب الخاصة بها بـ187 طلعة جوية منذ بداية العام، بحسب مصادر المركز الوطني للأرصاد الجوية والزلازل في أبو ظبي.

يقول رئيس قسم عمليات الاستمطار، التابع للمركز الوطني للأرصاد الجوية والزلازل، علي المسلّم لرصيف22 إن فكرة الاستمطار بدأت مع الرئيس الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، الذي "حرص على زيادة المياه الجوفية كمخزون استراتيجي للأجيال المقبلة". ونظراً لتزايد سكان الدولة، تّمت الاستعانة بعلماء من مختلف الدول، من بينهم وكالة ناسا الفضائية وجامعات أمريكية وجنوب إفريقية، فضلاً عن متخصصين بدراسات الغلاف الجوي لإجراء الأبحاث التي امتدت من 2000 إلى 2004. توصلّت هذه الأبحاث إلى إمكانية استخدام الأملاح في عملية الإستمطار، وأغلبها في فصل الصيف بسبب تكوّن السحب الركامية على السلسلة الجبلية في هذا الفصل من السنة.

لا بدّ، هنا، من العودة الى تعريف الاستمطار الذي يقول المسلّم إنه "بذر أنواع من الأملاح داخل السحب بطريقة معينة لزيادة قطرات الماء، وتالياً كمية الأمطار وإطالة فترة عمر السحابة". ينوّه المسلّم بأنّ عملية الاستمطار ليست لإنشاء وتكوين السحب وإنما لزيادة كميات المياه في داخلها. وتتدخل عوامل عدّة لإنجاح عملية الاستمطار كتكوّن السحب الركامية ووجود تيارات الهواء الصاعد والمحمل بالرطوبة أو بخار الماء، بالإضافة إلى وصول الطائرات إلى مكان وجود السحابة في الوقت المناسب، إذ لا يتجاوز عمر السحابة الواحدة الـ45 دقيقة، هذا علاوة على إطلاق عدد من الشعلات المناسبة على نحو يتلاءم مع حجم السحابة.

تفاصيل عملية الاستمطار

تتعدّد طرق الاستمطار، كاستخدام الطائرات، والصواريخ، والتلقيح الأرضي أو الطريقة الأيونية (التي تعتمدها سلطنة عمان). وبحسب المسلّم، هنالك نوعَان من التلقيح: تلقيح من أسفل السحابة باستخدام الأملاح، وآخر من أعلى السحابة باستخدام نترات الفضة.

أما دولة الإمارات التي تفتقر للمياه، فتعتمد على الطائرات في عملية التلقيح لزيادة قطرات المياه داخل السحب الركامية بواسطة استخدام أملاح كلورايد الصوديم، وكلوريد الكالسيوم وكلوريد البوتاسيوم. إلا أنّ هذه العملية ليست سهلة وتتضمّن مراحل مختلفة. يشرح المسلم: "بفضل نشرة الأحوال الجوية التي يصدرها المركز الوطني للأحوال الجوية والزلازل يومياً، يمكن توقّع مكان وزمان تكوّن السحب الركامية. ثم يتمّ الإعداد للعملية قبل ثلاثة أيام وإبلاغ الطيارين وتجهيز الطائرات. في ساعة التنفيذ، يتلقى الطيّار الأوامر من غرفة العمليات في المركز من أبوظبي بالإقلاع بعد أن نحدّد له الوجهة بخطوط الطول والعرض، أي مكان تكوّن السحابة، بواسطة أجهزة الرادار المنتشرة في المناطق وعددها 5، بالإضافة إلى صور الأقمار الصناعية. تضطلع غرفة العمليات بمهمة دراسة السحابة أثناء تكونها وكمية المياه في داخلها وإعطاء الأوامر للطيار، حول عدد الشعلات الملحية التي يجب اطلاقها في اللحظة ذاتها". ويضيف "لا بد من الإشارة إلى أنّ الأملاح التي تخرج من الشعلات هي ذرات صغيرة تشكل سطحاً جيداً يتكّثف عليه بخار الماء لتتكون قطرة صغيرة من الماء. وبفعل العملية الفيزيائية أو الديناميكية للهواء داخل السحابة، تتصادم ملايين القطيرات فتلتحم لتشكل قطرة كبيرة لا يمكن للهواء الصاعد حملها فتسقط على شكل أمطار على سطح الأرض ومن ثم إلى باطنها لتكوّن المياه الجوفية".

أيّ طائرات للاستمطار؟

تلجأ الإمارات العربية المتحدة إلى طائرات Cloud-seeding Beechcraft من نوع King air c90. يقول المسلم: "هذه الطائرات تتحمّل الظروف الجوية الصعبة التي قد تصل إلى ارتفاع 25 ألف قدم، بالإضافة إلى أنّها مهيأة لتركيب أجهزة الاستمطار على هيكلها الخارجي ووضع أجهزة الدراسات في داخلها". ويلفت إلى أن لدى المركز ست طائرات، في حين أنّ الطيارين يملكون سنوات من الخبرة في عالم الطيران. يشترط المركز على كلّ طيّار أن يكون أنهى أكثر من 3000 ساعة طيران على مختلف أنواع الطائرات ثم يلتحق بدورات تدريبية ينظّمها المركز عن سلامة الطيران والطائرات ودورات عن علم الأرصاد الجوية، لا سيما في ما يتعلّق بتكون السحب الركامية وكيفية تجنب مخاطرها أثناء تنفيذ عمليات الاستمطار. يُذكر أن هذه الطائرات تقلع من مطار العين الدولي أو من مطار البطين الخاص في أبوظبي.

الاستمطار في الإمارات .. كيف تصنع الإمارات المطر؟

فوائد... وانتقادات

يعتبر المسلم أن عملية الاستمطار تندرج ضمن الوسائل الناجحة لتحسين الطقس، حتى لو أن الطريقة المستخدمة تختلف بحسب الظروف الجويّة لكلّ دولة أو منطقة. علماً أن بعض الدول تعاني من تساقط حبات البرد الكبيرة، فتستخدم وسائل للتخلص منها أو لتصغير حجمها من أجل حماية المحاصيل الزراعية، في حين أن دولاً أخرى تلجأ إلى الستمطار لزيادة قطرات الماء داخل السحابة وتالياً زيادة كمية الأمطار وإطالة عمر السحابة.

اعتبرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية في تقرير لها العام 2010 أن تغيير الطقس قد يساعد بعض الدول في تحسين اقتصادها في بعض النشاطات، مثل زيادة مخزون المياه من أجل الزراعة أو توليد الطاقة أو حتى تقليص المخاطر المرتبطة ببعض الأحداث على غرار الضباب والعواصف الرعدية، إلا أنّ المنظمة أكّدت ضرورة النظر في تأثير هذه الوسائل كالاستمطار على النشاطات الأخرى أو على السكان، من دون تجاهل الجوانب القانونية أو البيئية أو الاجتماعية.

ويؤكّد التقرير أنه على الرغم من التكلفة الباهظة للعملية، تظلّ أرخص من مشاريع أخرى كتحويل مجاري الأنهر أو بناء قنوات وسدود جديدة أو تحسين أنظمة الريّ. وأضاف أن عمليات الاستمطار لا تؤثر في المناخ على المدى الطويل. فـ"تأثيرها مؤقت إذ نتعامل مع كل سحابة على حدة لزيادة الأمطار في داخلها. فنحن نستهدف بخار الماء في بطن السحابة ليتكثف ويتحول الى ماء".

في المقابل، أظهرت بعض الدراسات أن عمليات الاستمطار التي تلجأ اليها العديد من الدول في مختلف أنحاء العالم ليست فعّالة بقدر ما كان متوقعاً، مشيرةً إلى أنالطائرات التجارية قد تساعد على هطول المطر في بعض الظروف المناخية.  كما يخشى البعض من تأثير التعرّض إلى "يوديد الفضة" وتلويث الأرض على الرغم من تطمينات القيّمين على هذه المشاريع.

وإذا كان الجدل قائماً في المجتمع العلميّ حول فوائد عملية الاستمطار، فإن الجدل الأكبر الذي ظهر في المنطقة العربية كان في شأن الشرعية الدينية لعملية الاستمطار. فقد اعتبر كثيرون، ومن بينهم الأستاذ المساعد في قسم الفقه المقارن في المعهد العالي في السعودية خالد بن مفلح آل حامد، أن عملية الاستمطار لا تجوزشرعاً  لأن هطول الأمطار بيد الله وحده إلا أنّه عاد واعتذر عن هذا التصريح. وردّ آخرون على هذه الفرضية بالقول إن الإنسان يستخدم عقله والطرق المتاحة له من أجل التطوّر والبقاء، وأن لا دليل يمنع ذلك في القرآن.

أخيراً، وعلى الرغم من اختلافات الرأي، فإن عمليات الاستمطار مستمرة منذ الأربعينيات من القرن الماضي حينما أحرز العلماء تقدّماً حقيقياً في استحداث المطر الصناعي. إلا أن الوقت ما زال مبكراً والطريق طويلة قبل الاعتراف بعمليات الاستمطار كوسيلة من وسائل الحدّ من ظاهرة الاحتباس الحراري العالمي.

باميلا كسرواني

صحافية لبنانية عملت في مجال الصحافة المرئية والمسموعة وتعمل في الصحافة الإلكترونية بين دبي ولبنان. تحمل ماجستير في الإعلام من جامعة السوربون الفرنسية.

كلمات مفتاحية
الإمارات المياه

التعليقات

المقال التالي