المتحوّلون وظيفياً

المتحوّلون وظيفياً

راما ربيع حميد -28 سنة- خريجة كلية الهندسة قسم الكومبيوتر في غزة، لم تعمل في مجال اختصاصها لضيق الفرص المتاحة فيه في غزة، فاشتغلت في أعمالٍ بسيطة بأجر قليل مدة بضعة أشهر، ثمّ تقدمت إلى وظيفة مساعدة إعلامية في دائرة الإعلام في اللجنة الدولية للصليب الأحمر. كان عملها هذا بسيطاً يشبه شغل السكرتاري، لكنّ راما احتاجت لعامين ونصف العام لتنال ترقية جعلتها المسؤولة الإعلامية في اللجنة. بدأت في حضور ورشات عمل في القانون الدولي لتصقل مهاراتها وتواكب متطلبات الوظيفة. ليست نادمة على دراسة الهندسة، لكنها لا تتخيل نفسها اليوم في وظيفة متعلقة بهندسة الكومبيوتر.

كثيرون هم الذين أبدلوا اختصاصاتهم مع تقدّمهم في السن. لم يحصل الشاب السوري صدقي الإمام -26 سنة- على الدرجات التي تؤهله لدراسة التصميم، فاضطر لدراسة الشبكات. تعلّم وحده الديزاين حتى تمرس فيه ودّرس التصميم في أحد معاهد حلب، ثم انتقل لمرحلة احترافية أعلى وبدأ في تصميم المواقع. لاحقاً، انتقل للعيش في الأردن موظّفاً في أول شركة في العالم العربي متخصصة في عمل المتاجر الإكترونية، ثمّ سافر إلى السويد حيث بدأ العمل على نطاق واسع وبشكل احترافي جعل واحدة من أكبر صحف إيطاليا تكتب عن  مشروعه الأخير.

التخلّي عن الخيارات التي نُرغم على خوضها في عهد الشباب قد يفتح أمامنا أبواب النجاح. يقول أحمد سعيد الآبي -30 سنة- خريج كلية الطب والجراحة في القاهرة والحاصل على دبلوم في التغذية الإكلينيكة "ربما لم أكن أعلم ما الذي أريده على وجه التحديد، لكن طوال الوقت كنت أعرف ما الذي لا أريد. لم أكن أريد الطب. ورغم ذلك، درسته، فـأبي طبيب، والاختيارات التي كانت متاحة أمامي واحدة من ثلاثة: طب، صيدلة، طب أسنان". يعمل أحمد اليوم، برغم السنوات الطويلة التي قضاها في التخصص بالطب، مصوراً حراً، ويسعى لدخول قسم الإدارة الفنية في إحدى شركات الإعلانات.

في البداية، حاول أحمد منح الطب فرصة، فأنهى سنة الامتياز والتكليف مقرّراً التخصص في الصحة العامة فلم يستطع الإكمال فترك الطب نهائيًا. وحدث أن انجذب لفكرة التصوير منذ ثلاث سنوات، فاشترى كاميرا وبدأ في اكتشاف موهبته وقدراته. يعلم الآن أنه لو عاد به الزمن للوراء لاختار دراسة التصوير بدلاً من الطب.

ليس أحمد الشاب الوحيد الذي اضطر نتيجة ضغوط الأهل، إلى الخوض في مجال دراسي لا يلائم أهواءه الخاصة. "أثناء الدراسة الثانوية بدأت بتعلّم الجرافيكس وكنت أرغب في الالتحاق بكلية الفنون الجميلة. لكن أهلي رفضوا التحاقي بكلية على أساس الهواية، فدخلت كلية التجارة"، يقول محمد فتحي -29 سنة- مصمم الجرافيك ومدير الفريق الفني في .TEDxCairo لم يتخلَّ محمد عن حلمه الأصلي، وخلال سنوات الدراسة كان يتدرب على تصميم الجرافيك والتصوير. بعد حصوله على الشهادة تركها جانبًا ومضى يبحث عن طريقة تؤهله لدخول مجال تصميم الجرافيك. عمل كمصمم جرافيك في ،mbcكما احتلّ المركز الأول في مسابقة تصوير محلية لناشونال جيوجرافيك .National Geographic

أما علا عنان، من المدونين الأوائل في فلسطين، والحاصلة على ماجستير علوم الحاسوب التطبيقية من جامعة بروكسل الحرة ،VUB فقد أخبرتها الكلية التي تقدمت للعمل فيها، أنهم ليسوا بحاجة لحاملي الماجستير، بل لحملة شهادة الدكتوراه. تزامن ذلك الرفض مع بدء الاهتمام العام بالتدوين والتواصل الاجتماعي والحاجة لوجود مدربين متخصصين، فتم ترشيحها لتولّي دورات التدريب في هذا المجال. شاركت في بضعة مؤتمرات مخصصة للإعلام الاجتماعي، وكانت في الوقت نفسه تعمل في وظائف قصيرة الأجل لدى مؤسسات غير حكومية. لاحقاً، قررت التوقف والتركيز على الإعلام الاجتماعي، وأنشأت مع أصدقاء في نهاية 2011 منتدى ثقافياً (ديوان غزة) وعملوا من خلاله على تنظيم ندوات ونادياً لهواة القراءة والأفلام والفلك. تقيم عنان حالياً في الإمارات وتعمل كـمحررة في موقع ساسة بوست  وتسعى مستقبلاً لاحتراف الكتابة الأدبية.

عند سؤال الدكتور كمال مغيث، الخبير والباحث في المركز القومى للبحوث التربوية، عن ظاهرة "التحوّل الوظيفي"، قال إنها في حالة انتشار - وإن لم يكن هناك إحصاءات رسمية توضّحها - وسببها يعود إلى نقاط عدّة. أوّلها عدم وجود قياس حقيقي لمهارات الطلاب لدراسة علوم معينة دون غيرها. ثانياً، فإن الدراسة الإجبارية لبعض المواد في المنهج الدراسي في العالم العربي يصعب على الطلاب اكتشاف ميولهم، ولا سيّما أنهم لا يمنحون فرصة للتجريب. يأتي ثالثاً جمود المنظومة التعليمية، وعدم مواكبتها لما يحتاجه سوق العمل، بالإضافة لضغوط الأباء على الأبناء من أجل الحصول على شهادة جامعية، بغض النظر عن فرص العمل التي توفرها هذه الشهادة.

تم نشر هذا المقال على الموقع بتاريخ 13.06.2014

التعليقات

المقال التالي