هل يعيد نيمار البرازيل إلى القمة؟

هل يعيد نيمار البرازيل إلى القمة؟

عندما حمل الفتى البرازيلي الصغير نجمه المفضل وجوهرة كرة القدم السوداء بيليه Pele بين يديه، لم يكن يُخيّل إليه أن سنوات قليلة فقط تفصل بينه وبين مسؤولية جليلة تتجسد بإعادة الحياة لأكبر مدرسة كروية عرفها التاريخ، وقيادتها إلى المجد مجدداً.

download (16)

مع مرور 100 عام على خوض أول منتخب برازيلي لأول مباراة له، يحمل ابن مدينة ساوباولو شارة قيادة ملوك كرة القدم قبل أن يتجاوز الثانية والعشرين من عمره، نيمار دا سيلفا سانتوس جونيور Neymar da Silva Santos Júnior، الخليفة المنتظر لبيليه.

لم يكن قرار مدرّب المنتخب دونغا Dunga منح نيمار شارة القيادة بعد إصابة صخرة الدفاع تياغو سيلفا Silva، اللحظة الأولى التي حمل معها القائد الصغير آمال البرازيل الكروية. إذ إن كأس العالم الأخيرة والانطلاقة البرازيلية المبشرة التي تخللتها، تبعتها إصابة مفزعة لنيمار ومن ثم خسارة مدوية، أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أنه اللاعب الوحيد الذي يمكن أن يعيد البريق للقميص الأصفر المرصع بالنجوم الخمسة. وما حملُ ديفيد لويز David Luiz وجوليو سيزار Júlio César لقميص النجم المصاب أثناء ترديد النشيد الوطني قبل نصف نهائي المونديال أمام الألمان، إلا خير دليل على ذلك.

المدرب القديم- الجديد دونغا Dunga وجّه رسالة شديدة اللهجة لنيمار مع استعادته دفة قيادة السفينة البرازيلية، فقال: "البرازيل لن تلعب مجدداً من أجل نيمار، بل سيكون عليه اللعب من أجل الفريق، وهذا الأمر يجب أن يكون واضحاً في أذهان الجميع"، كما غمز حامل كأس العالم 94 من حيث التزام اللاعبين وعدم الانجراف وراء قصّات الشعر وصيحات الأزياء، و "إن كان نيمار سيرتدي قبعة، فيجب أن تكون خاصة بمنتخب البرازيل فقط".

هذه اللهجة الحازمة سرعان ما انقلبت رأساً على عقب بعد بضعة أسابيع. يبدو أن دونغا آمن بأن لا بديل من الاستسلام لنجومية نيمار ومحاولة خطب ودّه الكروي في ظل حالة انعدام الوزن التي يعيشها معظم نجوم الكرة البرازيلية. ووصل الحال بين المدرب ولاعبه لدرجة تجاهل الأخير أوامر مدربه المطالبة بعدم إصدار أية بيانات سياسية أو دينية، عبر الإعلان عن دعمه مرشّح المعارضة في انتخابات الرئاسة البرازيلية بدون أن يتخذ دونغا أي إجراء في حق قائد فريقه المخالف.

دونغا الذي تعرض لانتقادات حادة عندما رفض ضمّ نيمار إلى التشكيلة المسافرة لمونديال 2010 عندما كان يبلغ من العمر 17 عاماً فقط، استمرّ في تحفيز القائد الشاب عبر تشبيهه بالنجم البرازيلي السابق روماريو Romario، مشيراً إلى أن كلا اللاعبين يملكان روحاً تنافسية وقيادية. كما أكد دونغا أن نيمار "لاعب يحتاج لأن تطالبه وتحرّضه ويجب أن تعوّل عليه دائماً، هو يعجبه هذا الأمر، أن يتم تحدّيه واستفزازه. هو مرجعية لكرة القدم البرازيلية والعالمية".

لم يخيّب نيمار ظنّ مدرّبه، ففي المباريات الست التي خاضها المنتخب بعد نهاية المونديال، تمكن نيمار من قيادة المنتخب إلى ستة انتصارات متتالية استقبلت فيها الشباك الصفراء هدفاً واحداً، فيما سجل اللاعبون 14 هدفاً كان نصفها من نصيب نيمار، بالإضافة إلى صنعه هدفين آخرين.

مع هذه الأهداف، ارتفع رصيد نيمار إلى 42 هدفاً دولياً سجلها في 60 مباراة، بالإضافة إلى صنعه 23 هدفاً، ليقترب أكثر فأكثر من رباعي المقدمة التاريخي روماريو وزيكو Zico ورونالدو Ronaldo وبيليه. يتصدر الأخير قائمة هدّافي البرازيل التاريخيين برصيد 77 هدفاً في 92 مباراة، بمعدل 0.84، فيما سجل زيكو (الثاني) 66 هدفاً في 88 مباراة، بمعدل 0.75، أما رونالدو (الثالث)، فسجل 62 هدفاً في 98 مباراة، بمعدل 0.63، ويحل روماريو رابعاً برصيد 55 هدفاً في 70 مباراة، بمعدل 0.78.

وإذا ما استمرت أرقام نيمار على هذه الوتيرة (معدله الحالي 0.7)، فمن المتوقع تصدّره قائمة الهدافين التاريخيين للبرازيل مع بلوغه الثامنة والعشرين من عمره، وهو إنجاز لا يمكن إلا وصفه بالأسطوري، إن حصل.

برباعيته في مرمى اليابان، أصبح نيمار أول لاعب برازيلي يستطيع تسجيل "سوبر هاتريك"، بعد روماريو الذي فعلها أمام فنزويلا عام 2000. وتعليقاً على ذلك قال نجم البارسا: "لم أكن أتوقع هذا ولا حتى في أجمل أحلامي مع المنتخب"، فيما أشار إلى أن هدفه الاستمرار في إحراز الأهداف، وليس تحطيم رقم الملك بيليه.

ولا يختلف إبداع نيمار المتجدد مع البرازيل عما يقدمه مع برشلونة، حيث يتصدر اللاعب هذا الموسم قائمة هدافي الفريق برصيد 12 هدفاً سجلها في 14 مباراة، ليبلغ مجموع ما سجله منذ بداية مشواره الاحترافي 205 أهداف بمعدل 29 هدفاً في الموسم الواحد.

عدوى التصريحات الإيجابية المتعلقة بنيمار وصلت إلى الملك الذي سبق أن وجّه العديد من الانتقادات للاّعب إلى عدم قدرته على تحمّل الضغط وتسرّعه في الذهاب إلى أوروبا، حيث أكد أنه "سعيد للغاية وفخور بالتقدم الذي أحرزه نيمار منذ أن انتقل للعب في أوروبا. نحن الاثنين جئنا من سانتوس حيث قمنا بتطوير المهارات نفسها: الإبداع والتمرير والوصفات النهائية، وبالطبع، الجوع المستمر للأهداف".

download (17)

على الرغم من الأرقام الخرافية التي سجّلها نيمار في مسيرته حتى الآن، فلا يزال بعض المتشائمين يتخوّفون من وصول اللاعب إلى مصير مشابه لروبينيو Robinho الذي لقبه الجميع بالملك الجديد عند بزوغ نجمه، قبل أن ينحدر مستواه بشكل مخيف. ومع استبعاد هذا السيناريو لاختلاف الظروف التي مرّ بها اللاعبان، إلى جانب الدعم المعنوي الذي يتلقاه نيمار من جميع المعنيين بالكرة البرازيلية جماهير كانوا أم نجوماً أم مسؤولين، وغياب النجوم القادرين على مزاحمته إلى القمة، ينتظر أصغر قادة السيليساو عبر تاريخه المشاركة (نظرياً) في 5 بطولات "كوبا أمريكا" (2015-16-19-22-25)، و3 مونديالات (2018-22-26)، وهي فرص كافية ليثبت أن البرازيل لا تزال ولّادة للأساطير، وأن هناك من سيشارك بيليه في عرش السامبا، كما شارك ميسي Messi سلفه مارادونا Maradona في عرش التانغو.

عمر قصير

صحافي سوري مقيم في تركيا، مساهم في عدد من وسائل الإعلام السورية المكتوبة والمرئية. متخصص في الشؤون الرياضية.

التعليقات

المقال التالي