فجوة الرواتب بين الجنسين في المنطقة العربية

فجوة الرواتب بين الجنسين في المنطقة العربية

كثيراً ما نسمع أن الرجال يتقاضون رواتب أعلى من رواتب النساء أكان في الدول المتطورة أم في الدول الناشئة أم حتى في الدول الفقيرة. ولكن، علام يدل ذلك؟ وما هي أحدث التقارير المتصلة بهذه الظاهرة، تحديداً في المنطقة العربية؟

قد يبدو مفهوم "مساواة الأجور بين النساء والرجال" مفهوماً حديثاً، إلا أنّ منظمة العمل الدولية أقرّته عام 1919 في دستورها كركيزة أساسية للعدالة الاجتماعية. أصدرت المنظمة إعلانات متعددة لتكافؤ الفرص والقضاء على التمييز. إلا أن عام 1951 شهد الاتفاقية رقم 100، أول اتفاقية حول المساواة في الأجور اعتُمدت عقب الحرب العالمية الثانية بعدما بدأت النساء يتبوّأن مناصب عدة خلال الحرب. وافقت على هذه الاتفاقية معظم الدول العربية الأعضاء باستثناء البحرين والكويت وعمان وقطر. أما الاتفاقية الرقم 111 (1958) "فتحظر أي تفريق أو استبعاد أو تفضيل يقوم عل عدة أسس منها الجنس"، وقد أقرّها أكثر من 90% من الدول الأعضاء في المنظمة.

ترى منظمة العمل الدولية أن "الفجوة بين الجنسين" مؤشر لقياس اللامساواة في الأجور  بين الرجل والمرأة وتُقدّر في العالم بنسبة 22،9% إلا أنها تجاوزت الـ40% في عدد من دول آسيا والشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بحسب الدليل التعريفي حول المساواة في الأجور الذي أصدرته المنظمة عام 2013.

لكنّ نتائج التقرير العالمي للفجوة بين الجنسين عام 2013 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، كشف أن الفجوة تقلّصت بشكل طفيف على المستوى العالمي بسبب التحسّن الملحوظ ولو غير الشامل للمساواة الاقتصادية والمشاركة السياسية بين الجنسين. وكانت منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا المنطقة الوحيدة التي أحرزت تقدّماً ملحوظاً في تصنيفها لعام 2013. يعتمد هذا التصنيف الذي شمل 136 دولة على معايير اقتصادية وسياسية وتعليمية وصحية. حققت الإمارات العربية المتحدة أعلى ترتيب في المنطقة وحلّت في المركز الـ109 في حين حلّت البحرين في المركز 112 وقطر في  115 وسوريا في المرتبة 133 واليمن في المرتبة الأخيرة، الـ136.

الرواتب في الدول العربية - تصنيف الفجوة

تقدّم غير كافٍ في المنطقة العربية

على رغم هذا التطوّر، ما زالت هذه المنطقة تشهد أدنى مشاركة للمرأة في قطاع العمل في العالم بنسبة 26% وما زالت المعايير الاجتماعية التمييزية والقوانين والممارسات في قلب اللامساواة بين الجنسين في العالم العربي، بحسب مقال نشر في مجلة الدراسات النسائية العالمية Journal of International Women's Studies  عام 2011 حول أهداف الألفية الإنمائية، ومن بينها تعزيز المساواة بين الجنسين.

تعاني المرأة مختلف أشكال التمييز كالحقّ في منح الجنسية لأطفالها وحقّ التعليم وحقّ الزواج بين الأديان وجرائم الشرف بالإضافة الى التمييز في العمل والرواتب. ووفقاً للمقال حول أهداف الألفية الإنمائية، تحقّق النفاذ إلى التعليم العالي في عدد من الدول العربية على غرار الإمارات العربية المتحدة وليبيا ولكن في دول كالسودان واليمن والمغرب لا تُشكّل النساء إلا 10% من مستويات التسجيل.

وعلى رغم تحسّن تعليم النساء، تبقى معدلات بطالة النساء في المنطقة العربية أعلى بكثير من أي منطقة أخرى في العالم. وتشهد دول مجلس التعاون الخليجي (المملكة العربية السعودية، قطر، الإمارات العربية المتحدة، البحين، عمان) أعلى معدلات تعليم النساء إلا أنها تسجلّ أعلى نسبة بطالة في المنطقة العربية لا سيّما بسبب المعايير والممارسات الاجتماعية التي تفضّل بقاء المرأة في المنزل.

تتميّز المنطقة العربية أيضاً بفجوة الرواتب بين الجنسين (في ما يتعلّق بممارسة الوظيفة ذاتها). بحسب مؤشر الرواتب العالمي 2013، تتقاضى النساء في موريتانيا 43% من راتب الرجال، وفي السعودية 56% (إلا أن إحصاء أجراه المركز العام للاحصاءات والمعلومات في المملكة كشف أن المرأة تتقاضى 20% فقط أقلّ من الرجل) وفي المغرب 57% وفي الجزائر 58% وفي لبنان 61% وفي اليمن 65% وفي الكويت 66% وفي الأردن 68% وفي البحرين 69% (إلا أن الأرقام مختلفة بحسب مجلس التنمية الاقتصادية في البحرين لعام 2011، تشير إلى أن راتب المرأة أعلى من الرجال بنسبة 10% في القطاع العام وأدنى بـ30% في القطاع العام). أما في الإمارات، فتتقاضى النساء 74% من الراتب الرجال، مقابل 77% في مصر وقطر، و79%  في عمان.

الرواتب في الدول العربية - فجوة الرواتب بين الجنسين

خلال العقود الأخيرة، شكّلت فجوة الرواتب بين الجنسين موضوع أبحاث ودراسات كثيرة في كل أنحاء العالم، وغالباً ما اعتبرت هذه الفجوة انعكاساً للتمييز التي تعانيه المرأة في سوق العمل الذي لديه تداعيات اقتصادية وسياسية واجتماعية. قد يصعب تفسير فجوة الرواتب بين الجنسين لا سيّما في الدول المتطوّرة حيث نالت المرأة معظم حقوقها، لكنّ بعض الأسباب تبدو بديهية بالنسبة لمنظمة العمل الدولية في دليلها التعريفي عن المساواة في الأجور. ويعتبر اختلاف التحصيل العلمي بين الرجال والنساء من أبرز الأسباب. فعلى الرغم من أن معظم الدول العربية قد ردمت الهوة في التعليم، فما زالت المرأة تقضي سنوات أقل على مقاعد الدراسة لأن تعليم الفتيات يُعدّ أقل فائدة اقتصادية من تعليم الصبيان في بعض الدول، ولأن غالباً ما تمكث النساء في المنزل لتأدية الواجبات المنزلية. وتعزز فكرة أن الرجل هو "ربّ العائلة" في ذلك مما ينعكس في القوانين والشريعة الإسلامية.

ومن الأسباب الأخرى، اختلاف الخبرات المهنية لأنّ النساء كثيراً ما يتوقفّن عن العمل لتربية أطفالهنّ على الرغم من أن عدد هؤلاء النساء إلى تراجع. ويعدّ الفصل المهني سبباً آخر لا سيّما أن النساء في كل أنحاء العالم يعملن في قطاعات محدودة غالباً هي متدنية الأجر. كما أنّ المرأة ما زال تمثيلها ناقصاً في المناصب ذات الأجر المرتفع. بالإضافة إلى أن النساء كثيراً ما يخترن الوظائف المرنة أو بدوام جزئي أو العمل المستقّل الذي يوفّر لهنّ فرصة التوفيق بين مسؤولياتهنّ المهنية والشخصية.

على الرغم من الجھود المبذولة لتخفيض الفجوة في الأجور بين الجنسين، تشكّل هذه الظاهرة  مشكلة عالمية حتى في الدول التي تمّ الاعتراف فيها بالمساواة في القوانين والممارسات.

لا شكّ أن الحكومات العربية لا تبذل ما يكفي من الجهود لوقف التمييز على أنواعه ضد المرأة، لا سيّما في ما يتعلّق بالأجور. فيبقى دور المؤسسات الحكومية وأصحاب الشركات والمنظمات غير الحكومية أساسياً في دفع النساء قدماً للتمتّع بأبسط الحقوق والتقدّم والتألّق في مختلف قطاعات العمل. ويتمثّل هذا الدور بسنّ القوانين والتشريعات وإطلاق حملات توعية والعمل على تنفيذها.

من بين الدول العربية القليلة التي تسعى إلى تحقيق الإنصاف في الأجور، نجد الأردن الذي أنشأ اللجنة التوجيهية الوطنية الأردنية للانصاف في الأجور عام 2011 بدعم من منظمة العمل الدولية. تشمل اللجنة ممثلين عن نقابات العمال والجمعيات المهنية والمجتمع الأهلي والهيئات الحكومية وغرفة التجارة والصناعة وممثلين عن القطاع العام والخاص ووسائل الإعلام. وقد حصلت اللجنة على صفة رسمية من خلال مرسوم وزاري صدر  في مايو 2013.

على الرغم من الجهود التي تبذلها الدول العربية لتحقيق أهداف الألفية للتنمية بحلول 2015، فما زالت العقبات الاجتماعية والقانونية والممارسات التمييزية بحق المرأة تعرقل هذا المسار وتجعل تحقيق هذه الأهداف بعيدة المنال في المستقبل القريب.

باميلا كسرواني

صحافية لبنانية عملت في مجال الصحافة المرئية والمسموعة وتعمل في الصحافة الإلكترونية بين دبي ولبنان. تحمل ماجستير في الإعلام من جامعة السوربون الفرنسية.

التعليقات

المقال التالي