كيف يقضي مشرّدو غزة فصل الشتاء؟

كيف يقضي مشرّدو غزة فصل الشتاء؟

لم يعد الفرح بظهور قوس القزح يثير شغف سكان غزة. بات يعني لهم هطول مطر يثير ضجيجاً فوق سطح "كرفان" من "الزينكو"، أو يتسلل إلى أجسادهم من الفتحات التي شقّتها صواريخ العدوان الإسرائيلي الأخير في بيوتهم المدمّرة.

الطفلة رهف النجار تسكن في خزاعة، جنوب قطاع غزة. ابنة الثلاثة أعوام عاشت وأسرتها ويلات العدوان الأخير على غزة. هُدِم بيتهم وتشرّدت هي وأهلها، 51 يوماً. تعيش رهف حالياً في "كرفان" أُقيم مؤقتاً ريثما يتم الشروع بإعادة إعمار المساكن التي تدمّرت.

"الكرفان" بيتٌ حديديّ يقوم على مساحة 7 أمتار مربعة، ويحتوي على غرفتين ومطبخ صغير وحمام. قبل فترة قصيرة، كادت الأمطار التي اجتاحت "مخيّم الكرافانات" تقتل جنى، شقيقة رهف الرضيعة. على باب منزلها المؤقت تلعب رهف لوحدها. فشقيقتها الثالثة مريضة بسبب البرد.

الكرفان لا يصلح للسكن

والدة رهف، نداء النجار، شابة لم تتجاوز العشرين من عمرها. علامات الغضب والتذمر تبدو على وجهها، وملابسها مبلله بالماء. تشكو: "أمس أغرقتنا مياه الأمطار ومياه الصرف الصحي. كادت طفلتي الرضيعة ذات الـ10 أيام تغرق. قمت في الليل لأعدّ لها الحليب. سمعت صراخها فاتجهت إليها لأجدها محاطة ببركة من المياه وتكاد تختنق. حملتها بسرعة للمشفى". وتضيف لرصيف22: "هذا الكرفان لا يصلح للسكن، أخاف كثيراً على أطفالي من البقاء هنا". بينما تروي مأساتها يرتفع صوتها فجأة: "أحمّل الحكومة الفلسطينية وإسرائيل والأمم المتحدة المسؤولية لو أصاب أطفالي مكروه".

أمام كومة من الثياب المتسخة، تقول النجار وصوتها يتداخل مع صوت محرك الغسالة: "هذه الأغطية تبللت من مياه الأمطار ومياه الصرف الصحي التي دخلت إلى الكرفان". وتتذكّر بشيء من التحسّر: "كان بيتنا أجمل، وأوسع وكان لرهف وإخوتها غرفة خاصة. كانت تقضي يومها بين ألعابها، إلا أنها الآن تقضيه حول الكرفان بين الأتربة والمياه الآسنة".

ينشغل أبو جاموس، 40 عاماً، أحد سكان خزاعة، في إصلاح ما أتلفته المياه، وتحصين نقاط ضعف كرفانه بالنايلون السميك الذي قدّمه الصليب الأحمر لهم. يقول: "دخلت المياه من الشبابيك. كل الاحتياطات التي اتخذتها كانت دون فائدة".

يضيف: "كان لعائلتي بيت من 3 طوابق. كنت أعيش مع أسرتي المكونة من زوجتي و6 أطفال في طابق أملكه. لكن عائلتي الآن مشتتة. أهلي استأجروا بيتاً بعيداً عني، وكذلك أخي. أما أنا فلم أجد بيتاً لاستأجره، واضطررت إلى القدوم إلى هنا. أتمنى أن يسرعوا في الإعمار حتى يلتئم شمل العائلة من جديد".

تقول مديرة جمعية بيت المستقبل والناشطة في إغاثة ومساعدة المشردين، صباح القرا، لرصيف 22 إن 475 بيتاً تقع ضمن نطاق عمل الجمعية في بلدة خزاعة دُمرت بشكل كلي و1200 دُمرت بشكل جزئي، ونحو 750 بيتاً لحقت بها أضرار جسيمة وباتت غير صالحة للسكن. وتضيف: "مع اقتراب فصل الشتاء برزت مشاكل كبيرة زادت من معاناة المواطنين. ارتفع سقف الحاجات كثيراً، وهذا يفوق إمكاناتنا كمؤسسات إغاثة".

في سياق متّصل، أشار تقرير بعنوان "مناشدة إنسانية من أجل أزمة غزة" أصدرته الأمم المتحدة في سبتمبر الماضي، إلى أن العدوان على غزة أدّى إلى تدمير نحو خمُس المساكن، وجعلها غير صالحة للسكن، منها 18,000 وحدة سكنية دُمرت أو تضررت بشدة، و44,300 منزل تضرر بشكل جزئي، وهذا ما أدى إلى تشريد قرابة 108,000 شخص".

تعهدت الدول المانحة في مؤتمر دولي عقد بالقاهرة في 12 أكتوبر الماضي، بالتبرع بمبلغ 5.4 مليارات دولار دعماً لفلسطين. وبحسب التقارير، فإن نصف هذه الأموال سيذهب لإعادة إعمار غزة، إلا أن كثيرين من سكان القطاع يخشون من عدم الالتزام بتقديم الأموال على غرار ما حدث بعد حروب سابقة مع إسرائيل.

"لا نثق بأحد"

رمضان سليمان، 56 عاماً، يسكن في منطقة الزنة جنوب قطاع غزة. جمع الحجارة الصالحة من ركام بيته المدمر وبنى غرفة، كما أصلح بعض ما تهدم بنفسه.

يقول سليمان: "لا أثق كثيراً بأحد، أعتقد أن هذه الأموال ستأخذ وقتاً طويلاً لتصل، والإعمار سيطول كثيراً أيضاً، لذا اتخذت هذه الإجراءات لحماية أسرتي". غطى نوافذ الغرفة التي بناها وأصلح الفتحات في جدرانها بالنايلون الشفاف لصدّ مياه الأمطار، وذلك ريثما يعاد بناء بيته".

ينتظر أهل غزة وصول مواد البناء والمساعدات ليتمكنوا من إعادة إعمار بيوتهم. إلى أن تزول المعوقات السياسية، يقومون بإغلاق الفجوات في المنازل المتضررة لحماية أنفسهم من مطر الشتاء وصقيعه.

ميرفت أبو جامع

صحافية وباحثة ومحاضرة جامعية فلسطينية، ومدربة في الإعلام وقضايا المرأة. مساهمة في عدد من الصحف والمواقع العربية،والفلسطينية. تحمل ماجيستير في الإعلام الحديث وليسانس صحافة وإعلام.

التعليقات

المقال التالي