القيم العسكرية في حياة المصريين

القيم العسكرية في حياة المصريين

خضع المصريون سواء برضى أو بشيء من السخط للنظم العسكرية، وتشبعوا بقيمها وثقافتها. ارتبط تعلّقهم بالقيم العسكرية بالإنجازات التي تحققت في عهد الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر. بعده، شيئاً فشيئاً، زالت الإنجازات ولكن لم تزل القيم العسكرية.

يستيقظ محمد في الصباح بعد أذان الفجر بقليل. إنه الوقت الوحيد الذي يستطيع فيه أن يشتري "الخبز المدعم". يجد حوله العشرات من أهل قريته التابعة لشبين الكوم، عاصمة إقليم المنوفية.

ابن الـ32 عاماً، العضو السابق في أحد الأحزاب اليسارية، شارك بتفاؤل وأمل في ثورة 25 يناير. ورغم أنه درس في معهد الفنون المسرحية، وأخرج مسرحيات محلية عدّة، فقد عيٌن أخيراً كمدرّس لمادة الرياضيات.

في المدرسة، يرى أنه محاصر طوال الوقت بمظاهر "عسكرة" تسيطر على العملية التعليمية. يعدد لرصيف22 تلك المظاهر: "كل شيء، ابتداء من طابور الصباح، وطريقة توجيه التحية إلى العلم، وطريقة التعليم كتلقين دون إعمال للعقل، واهتمام مدير المدرسة بتنفيذ التعليمات القادمة من الوزارة دون اهتمام بالمشاكل الحقيقية للعملية التعليمية أو بجدوى تلك التعليمات".

خلفية تاريخية

ورث النظام العسكري المصري منذ صعود "الضباط الأحرار" وإطاحتهم الملك فاروق، عام 1952، ميراث الدولة المصرية القديمة التي حدثها محمد علي، والتي كانت مركزيتها تعتمد على طريقة إدارتها الاستبدادية.

في عهد عبد الناصر، كانت القيم العسكرية رافعة للتقدم، أي للحراك الاجتماعي وسبل الترقي كما يقول جلال أمين في كتابه "ماذا حدث للمصريين؟".

تمثل فترة عبدالناصر العهد الذهبي ليس للقادة العسكريين فحسب ولكن أيضاً لمعظم المصريين. عملت الدولة على تدبير أمور معيشة المواطنين فكان أن اتكلوا عليها. حقق لهم القائد نقلة اقتصادية واجتماعية. ناضل عنهم. وقسّم أراضي الإقطاعيين على المزارعين الصغار، ودعم التعليم والعلاج المجانيين وأغرق القطاع العام بالموظفين لتأمين وظائف جديدة.

ساهمت الإنجازات التي تحققت آنذاك في غرس القيم العسكرية في نفوس المواطنين وفي "تلميع" شخصية ضابط الجيش. صار الأخير أهم من أي مدني يمكن أن ينشط في العمل السياسي. عبد الناصر لم يكن كأي قائد آخر. يؤكد ذلك مشهد الجماهير التي خرجت بعد نكسة 1967 وهتفت لـ"الزعيم العسكري" حتى يرجع عن استقالته.

في تلك الفترة انفصل العمل، أو "أكل العيش" وفقاً للتعبير المصري، عن الحرية، وصارت ثقافة العمل تعني الطاعة والتنازل عن الحرية. عندما يقول المصري: "خلينا ناكل عيش" فهو يعني أنه يجب أن نحافظ على وظيفتنا وألا نغضب الحكومة أو رئيس العمل. فـ"أكل العيش" مرتبط بتنفيذ الأوامر. ووفق المثل الشهير "اربط الحمار مطرح ما يعوز صاحبه"، أي نفذ أوامر مالك المؤسسة حتى ولو كانت خاطئة.

الانفتاح النسبي

في عهد السادات، حققت الطبقة الوسطى إنجازات عدة. في الوقت نفسه، تلقت تلك القيم العسكرية ضربات متتالية. فعلى الرغم من أن السادات أعاد البريق إلى العسكريين بعد هزّة هزيمة 1967 من خلال نصر أكتوبر 1973، فإن اعتماد سياسات الانفتاح الاقتصادي والتجارة الحرة، بشكل نسبي، ساهم في وجود أخلاقيات المنافسة.

وفي ظل غياب مشاريع حقيقية والكفاءات المطلوبة للنهضة الاقتصادية العامة، تحوّل الانفتاح إلى عامل مشوّه للاقتصاد المصري وللثقافة المصرية. وعلى حد تعبير الصحافي أحمد بهاء الدين صار كل شيء "سداح مداح". وبتعبير الشاعر أحمد فؤاد نجم تحولت الثقافة والاقتصاد المصريان إلى "بتاع" وهي كلمة تعني أي شيء وكل شيء دون معنى أو قيمة حقيقية.

فشل مبارك

منذ تولي الرئيس الأسبق حسني مبارك الرئاسة، ترهلت الدولة وامتلأ القطاع الخاص بالفساد والمحسوبية. ثم جاء جمال مبارك، نجل الرئيس، وكاد أن يسقط القيم العسكرية بالضربة القاضية. فاحترام القيم العسكرية ينبع من إنجازات الدولة. ولكن مبارك الصغير سعى إلى الربح السريع القائم على "تسقيع" الأراضي، أي شراء أراضٍ ومصانع الدولة بسعر أرخص من ثمنها الحقيقي ثم بيعها لمستثمر أجنبي وتحقيق أرباح طائلة.

الليبرالية الجديدة التي روج لها جمال وأصدقاؤه ترافقت مع غياب الابتكار ومع تشجيع الاقتصاد غير المنتج، ومع تحقيق الأرباح عن طريق الاحتكارات وعدم وجود المنافسة. هذا الواقع دفع بالكثير من المصريين إلى إسقاط تلك المنظومة في ثورة 25 يناير. ومن جديد راحوا يبحثون عن نظام آخر مطابق للقيم العسكرية الكامنة في وجدانهم.

مشاكل القيم العسكرية

هل فقدت القيم العسكرية جدواها، وقل إيمان قطاعات كبيرة من الشعب بها؟ أم أنها ما زالت متمسكة بأحلام الحراك الاجتماعي القديم الذي حققه عبد الناصر من خلال الصناعات الكبرى؟

المؤسسات العسكرية تتشارك في منظومة قيمية قائمة على تقديس الوطن والعطاء وقيم الفداء، إذ المهم أن تنتصر المؤسسة وليس أن يبرز الفرد فيها. لا قيمة للفرد، أو للذكاء وروح المغامرة، لأن طبيعة الحروب تتطلب ذلك. ولكن انتشار هذه القيم في أوساط المدنيين يثير مشاكل هائلة.

انتبه المفكر عبد الرحمن الكواكبي (1854-1902)، مبكراً، إلى مشكلة شيوع "القيم العسكرية" وتأثيرها السلبي على الأمم، وهو يعني بالأمم الناس. يقول في كتابه "طبائع الاستبداد" بكلمات بليغة وموجزة ومعبرة: "الجندية تفسد أخلاق الأمة، حيث تعلمها الشراسة والطاعة العمياء والاتكال، وتميت النشاط وفكرة الاستقلال، وتكلف الأمة الإنفاق الذي لا يطاق، وكل ذلك منصرف لتأييد الاستبداد المشؤوم".

في كتابه "بناء الدولة"، يتحدث المفكر الأمريكي فرانسيس فوكوياما عن "الرأسمال الاجتماعي"، أي عن القيم الثقافية التي تحكم سلوك الموظفين سواء داخل جهاز الدولة البيروقراطي أو داخل مؤسسات القطاع الخاص. يعوَّل على هذا الرأسمال كثيراً في نجاح المؤسسات والدول. هنا، يستبعد فوكوياما إمكانية نجاح القيم العسكرية في إدارة الحكومات أو مؤسسات القطاع الخاص لأنها غير مجدية سوى في تنظيم الجيوش. فالموظف ليس عليه أن يعلي من شأن الوطن على حساب مصالحه الشخصية أو أن يتحرك بروح الانضباط والطاعة عندما يواجه مشاكل وتحديات في عمله لأن رئيسه ربما لا يعرف الكثير عنها.

عندما فكرت القيادة العسكرية في حل مشاكل ذات طبيعة مدنية مثل نقص السيولة، فكرت في التبرعات. بطريقة مثيرة للسخرية، اعتبر القائد الأعلى السابق للقوات المسلحة المشير محمد حسين طنطاوي، أثناء فترة حكم المجلس العسكري، أن التبرعات الشعبية يمكن أن تكون بديلاً عن الدعم الأمريكي للاقتصاد وللجيش المصريين.

حملت ثورة 25 يناير قيماً مغايرة وهادمة للأخلاقيات العسكرية. حملت قيم الحرية والتمرد والإبداع. ولكن تلك الأفكار كانت بنت التأثر الثقافي بالغرب، ولم يكن لها أساس متين في المجتمع المصري. لذلك لم تدعمها رؤوس أموال، أو نقابات عمالية، أو أحزاب كبرى، فبدت وكأنها روح شابة مغامرة ليس إلا.

محمد وشباب 25 يناير شاركوا في الثورة بحماس طفولي. حالياً، يعمل بعضهم في الخليج، وبعضهم الآخر في وسائل إعلامية تابعة للفلول وللعسكريين، ويتوزّع آخرون على وظائف حكومية. برغم قناعاتهم وقيمهم المغايرة، يشعرون بمرارة عميقة وبإحباط كبير. هي حالة نفسية حللها أريك فروم في كتابه "الخوف من الحرية" وسماها "التكيف المتحرك" وتعني التغيرات النفسية التي تطرأ على الإنسان عندما يستجيب لضغوط الواقع ويرضخ، من أجل تلبية حاجاته الأساسية، لما كان يرفضه في الأمس.

التعليقات

المقال التالي