العالم العربي يتخطى عقدة العلاج النفسي

العالم العربي يتخطى عقدة العلاج النفسي

دخلت فاتن إلى مبنى العيادات الطبيّة الخاصة في بيروت حيث تأتي أسبوعياً لزيارة اختصاصي نفسي. كانت تعدّ خطواتها وتشعر بقلق لا تستطيع تفسيره، متابعةً نظرات المارة، التي تبدو وكأنها تتفحص حركاتها. تعي فاتن تماماً أن تلك نظرات ليس فيها سوى الحقد الذي تراه هي بفعل اضطراب الوسواس القهري و"الزملة البرانوية" اللذين أثرا على إدراكها وثقتها بنفسها.

لم تنشأ فاتن في مجتمع منفتح بالشكل الكافي كي يلاحظ أهلها أن لمعاناتها أسباباً نفسيّة ناتجة من تجارب حياتية وأن الحلّ يتمثّل بزيارتها لاختصاصي نفسيّ.  تضحك حينما تتكلّم عن والديها اللذين لا ينامان بدون تناول "حبوب الأعصاب" مع العلم أن تلك الحبوب السحرية هي حقيقةً حبوب دواء مضادّ للاكتئاب. تقول: "جيل والدي لم يتقبل أن يزور اختصاصياً نفسيّاً أو أن يسمّي الأشياء بأسمائها لكن الأمر تغيّر مع الوقت. أستطيع اليوم أن أقول لأصدقائي المقربين أو عائلتي أنني أزور اختصاصياً نفسيّاً وهم يتفهّمون وضعي".

بات هذا المشهد مألوفاً في العالم العربي، بعد أن حُلّت خلال السنوات الماضية "عقدة" المجتمع وحكمه المسبق على زائري الاختصاصيين النفسيين. أصبح المواطن العربي بشكلٍ عام أكثر انفتاحاً وتفهماً لدور العلاج النفسي في تحسين حياته.

لكن تبقى نسب تقبّل المعالجة النفسية وتطوّر نظرة المجتمع لها متفاوتة بين دولة عربية وأخرى، إذ تنقص الثقافة النفسية في بعض بلدان المنطقة التي تفتقر إلى خدمات المعالجة النفسية من أطباء واختصاصيين نفسيين ثابتين، إلى أقسام الرعاية النفسية في المستشفيات، وخصوصا الحكومية منها. يأتي ذلك فيما تغيب القوانين الضرورية لتنظيم الرعاية النفسية في معظم دول المنطقة، رغم أهميّتها لاحتواء الآثار النفسية للأزمات والحروب المتعاقبة التي تمرّ بها المنطقة وتؤثّر على صحّة شعوبها النفسية.

تشير الأرقام عن العلاج النفسي في العالم العربي إلى حاجة هذه المنطقة للرعاية النفسية من جهة وإلى عدم جهوزيتها لتأمين تلك الرعاية من جهة أخرى. تعاني منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من أعلى نسبة اكتئاب في العالم فيما يعمل، في ليبيا مثلاً، وهي إحدى أكثر البلدان حاجة لتأمين الرعاية النفسية لشعبها المرهق من تبعات اللااستقرار الأمني، يعمل 12 طبيباً نفسياً فقط بحسب منظمة الصحة العالمية.

ليس وضع البلدان العربية الأخرى أفضل بكثير فهي تعاني من قلة في توفّر الاختصاصيين النفسيين. فقد دمّر الصراع المسلح في سوريا  مثلاً العديد من المستشفيات ومؤسسات الطب النفسي، بعدما كان السوريون يستعينون بالرعاية الصحية التي تدعمها الحكومة.

دفعت الوصمة المجتمعية المرتبطة بزيارة الأطباء النفسيين، الأشخاص المصابين إلى كبت مشاعرهم هرباً من حكم المجتمع عليهم، باستثناء بعض الفئات الاجتماعية التي انفتحت على أهمية الدعم النفسي في هذا العصر. نشهد في الإمارات اليوم مثلاً انفتاحاً أكبر على زيارة الاختصاصي النفسي وتبدّلاً في عقلية المواطن الإماراتي. يعود ذلك بحسب منسقة الاحتياجات التعليمية الخاصة في إحدى مدارس دبي باولا ساسين، بشكلٍ أساسي إلى إقرار قوانين تشجّع على حدوث مثل هذا التَغيير كالقانون رقم 29 الذي أجبر جميع المدارس على قبول الطلبة من ذوي الاحتياجات الخاصة وتأمين احتياجاتهم، ما شجّع المجتمع على تقبّل الحالات التي تحتاج إلى رعاية خاصة.

تتابع ساسين: "برغم أن معالجة الاضطرابات النفسيّة لا تزال جديدة نسبيّاً في الإمارات، تجد البلاد طرقاً مختلفة لزيادة الوعي لدى العائلات لتكون أكثر استعداداً وانفتاحاً على علم النفس. فبشكل عام، أصبح الإماراتيون وخصوصاً من هم في دبي أكثر راحة لجهة اللجوء للاختصاصي النفسيّ".

يختلف الأمر في مصر مثلاً، بحسب هاني هنري، البروفيسور في الجامعة الأميركية في القاهرة، الذي يقول: "الكثير من المصريين ما زالوا لا يعرفون الفرق بين علم النفس والطب النفسيّ مما يدفعني إلى القيام بتفسير طويل عن ذلك عندما أبدأ في العمل مع شخص جديد. والجميع يتفقون على أن الوصمة ما زالت موجودة بشكل كبير".

تفتقر معظم الدول العربية إلى قوانين تنظم المعالجة النفسية. ومن تلك الدول الإمارات. بحسب الطبيبة النفسية ليلى إدواردز التي تعمل في معهد العلاج النفسي ترانسفورمينست Transforminst: "ليس لدى وزارة الصحّة الإماراتية هيكلية فعّالة لترخيص العلاج النفسي كما أنها أبطلت ترخيص العلاج بالتنويم المغنطيسي عام 2011، وهذا يصعّب بشكل تدريجي ممارسة المعالجين في المؤسسات الحكومية".

تضيف إدواردز :"بدلاً من تشجيع المناهج الطبيعية ودعمها، يبدو أن الوزارة تعتمد أسوأ ما في النظام الطبي الأميركي الذي يحركه الربح المادي" معتبرةً أن التحدي الرئيسي في دول مجلس التعاون الخليجي، يكمن هنا. في رأيها، يصعب تعزيز الوعي في غياب نظام رقابي فعّال وايجابي لتعزيز الاعتماد على الذات وفهم دور المعالجين التكميلي".

يقول زياد نحاس، رئيس قسم الطب النفسيّ في الجامعة الأميركية في بيروت: "الخطوة التالية لتطوير نظرة المواطن العربي لعلم النفس هي في تثقيفه منذ الصغر حول دور علم النفس في حياة الإنسان، للمساهمة في القضاء على الوصمة المنتشرة ضد الذين يعانون من اضطرابات نفسيّة، ولتشجيع فهم ظروفهم واستعمال المصطلحات العلمية السليمة التي تصفهم كي تسمّى الأشياء بأسمائها".

ففي معجم اللغة العربية الفصحى واللهجات العربية المحكية، بعض الكلمات التي لا تشجّع على تقبّل الاضطرابات في إطارها العلمي السليم. للمثال الاضطراب المعروف بالـ "الزملة البرانوية" – وهو اضطراب نفسيّ يتّسم بشكّ الشخص في كل من حوله – ويشار إليه عامةً بـ"جنون الارتياب" أو "جنون الشك". تأتي كلمة "جنون" لترسّخ مفهوم فصل من يعاني من اضطرابات نفسيّة عن الباقين "الطبيعيين". يكثر في بعض اللهجات العامية كذلك استخدام كلمات سلبية مثل "معقد نفسيّاً" أو "مريض" أو"مفصوم".

تسمع فاتن تلك الكلمات بين وقت وآخر واصفة حالتها بعيداً عن المعرفة والدقّة العلمية والإنصاف الإنساني لها ولغيرها ممن يعانون من اضطرابات نفسية. لكنها تعلمت ألا تكترث وأن تتابع سيرها نحو ما هو أفضل لها. فتعود إلى البيت من بعد زيارتها الاختصاصي النفسيّ وهي تشعر بأنها قد تسلّحت لتواجه وسواسها المزمن. "بالنسبة لي، أنا أمضي في الطريق الذي أراه مناسباً وهو أن لا أقطع زياراتي لأنني أحتاج إليها. وعلى كلّ من يعاني أن يلجأ لاختصاصي يساعده.  ألا نزور الطبيب عندما نصاب بمرض جسدي؟"

نشر هذا الموضوع على الموقع في تاريخ 11.06.2014

التعليقات

المقال التالي